Topics
منذ اليوم الأول كان
شعورُ الإنسان مرتبطًا بالإحساس بالألم والراحة، فهو يسعى إلى معرفة سبب الألم
والراحة ليحتمي من الألم ويُبقي على الراحة. وهو لا يترك الراحة، ولذلك لا يفارق
قلبَه خوفُ زوالها والحزنُ عليها، ويسعى —بأي وجه— إلى ضمانٍ يُبعده عن الألم
ويقرّبه من الراحة. ولما
كان يشعر بضعفه، لا يرى نفسه قادرًا على السيطرة على الحوادث، فيظلّ ساعيًا إلى
قوّةٍ يضمن بها الراحة. وهذا هو سبب البحث عن القوى الخفية، وقد أشار القرآن
الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله: «يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»، كما ورد فيه ذكرُ صفات
الله تعالى اللامتناهية في مواضع عديدة، ومن هنا يتحقق الاطمئنان.
قد يدّعي الإنسانُ
الثقةَ بالنفس، غيرَ أنّه لا يستطيع أن يكون مُستغنيًا عن الألم والراحة؛ إلا أنّه
بعد الإيمان بالغيب يوقنُ بالخير، لأن معنى الإيمان بالغيب أن ما في الغيب كلّه
خير، إذ هو بيد الرحيم الكريم.
وقال الله تعالى:
«وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ
أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولًا(سورة
الشورى، آية 51)
وفي هذه الآية بيانُ مدى
إدراك الحواس الإنسانية؛ فحين يخاطب اللهُ الإنسانَ يكون ذلك بالإشارة، أي إن
القلب يرى ويعلم. وقد ورد:
مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (النجم: 11)
وهذا هو أسلوب التكليم
الإلهي الذي يُسمّى وحيًا، أو يكون بواسطة رسولٍ تراه الأبصار. والطريق الثالث أن
يهدي اللهُ عبدَه من وراء حجاب؛ كأن يتجلّى له في صورةٍ جميلةٍ «نورٌ على نور»،
وهذه الصورة ليست هي الله تعالى، بل هي حجاب.
ومن الآيات المتقدمة
تتعيّن حدودُ الحواس الإنسانية على طريقتين. فإذا توقّفت الحواس عند نقطةٍ ما،
سُمّي هذا التوقّف «شيئًا»، ويكون لهذا الشيء شكلٌ وصورة. والحقيقة أنّه «لحظة»
تكتسب منها الحواسُّ جسميّتَها.فالحواس ترى هذا الجسم
خارجيًّا ومعروضيًّا وتُحسّه؛ إذ لا يمكن لطريقة الرؤية إلا أن تكون بأن ترى
الحواسُّ نفسَها في مقابل نفسها، وتجعل من ذاتها شيئًا مغايرًا لها. وجميع حركات
الحياة وسكناتها أمثلةٌ لهذه الطريقة من البصرِ. وعلى
هذا الأصل، إذا أشارت الحواس إلى شيءٍ ما فإنها تُخرِج —إشاريًّا— المعالمَ
الباطنية إلى حيّز الظاهر. فإذا أعلنت الحواس عن نفسها وقالت: «أنا»، فإن هذا
«الأنا» ليس إلا خلاءً بسيطًا شفافًا؛ أي إن الحواس لا تشير إلى نقوشها وأشكالها،
بل تشير إلى شيءٍ عديم اللون، ليس إلا هيكلًا. ثم
إذا أشارت الحواس إلى ألوان «الأنا» ونقوشها قالت: «قلتُ كذا، وفعلتُ كذا، انظر
هذا القمر، وهذه النجوم»، فالقمر والنجوم هما ما تشير إليه. وبهذا الأسلوب ترى
الحواس حركتها الذاتية قريبةً أو بعيدةً، وتذكرها. وهذا إنما هو أسلوب نظر الحواس
الكونية، وهي نفسها التي تتحوّل في الفرد إلى «أنا»، وتكرّر ذاتها بإشارات القرب
والبعد.
هَلْ
أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا
(الإنسان: 1)
لقد كان للإنسان وقتٌ
(حواس) لا تكرار فيه، ثم صار له وقتٌ (حواس) فيه تكرار. وهنا نبحث في حقيقتين:
الحواس، وتكرار الحواس، وهما في الأصل وحدة واحدة (Unit).وقد
وُضِّح هذا المعنى في قوله تعالى:
«تُولِجُ
اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ
مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ»
(سورة
آل عمران، آية 27)
ففي هذه الآية بيانٌ
لسنّة الله تعالى؛ إذ يُدخل الليل في النهار، ويُدخل النهار في الليل، ويُخرج
الحيّ من الميّت، ويُخرج الميّت من الحيّ. فالليل نوعٌ من الحواس، والنهار نوعٌ
آخر منها. ففي نوع حواس الليل تموت الفواصلُ المكانية والزمانية، أما في نوع حواس
النهار فإن هذه الفواصل نفسها تحيا.
يرى زيدٌ في المنام أنه
يتحدّث مع أحد أصدقائه، مع أن صديقه يقيم في مكانٍ بعيد. وفي الحلم لا يشعر زيد
بأي فاصلة بينه وبين صديقه، فكأن المسافات المكانية فيه تؤول إلى الصفر. وكذلك ينام زيد عند
الساعة الواحدة ليلًا، ثم يرى في المنام أنه يسافر من بلدٍ إلى بلد، ويقطع مسافاتٍ
بعيدة تمتدّ أسابيع، ويقيم في منازل في طريقه، ثم يعود إلى بيته بعد مدة طويلة.
فإذا استيقظ ونظر إلى الساعة وجدها ما تزال الواحدة. ففي مثل هذا المنام تكون الفاصلة
الزمنية معدومة. وهذا من نوع حواس الليل، حيث تموت الفواصل التي تحيا في حواس
النهار. ففي
فطرة الحلم تنعدم جميع الفواصل المكانية والزمانية، وهو ما أشار إليه القرآن
الكريم بقوله إن الليل يُدخَل في النهار والنهار في الليل. فالإدراك مشترك بين
الليل والنهار، وإنما الذي يموت ويحيى هو الفواصل. وحواس الليل هي «الكتاب المبين»
(لوح محفوظ)، وحواس النهار هي «الكتاب المرقوم».
وهناك أمرٌ مشترك بينهما
نشهده في مظاهر القدرة؛ فمثلًا يجلس زيد ومحمود معًا، والمصباح مضاء، وفي ضوئه يرى
زيدٌ محمودًا ويرى محمودٌ زيدًا، فالضوء وسيلة الرؤية لهما معًا. غير أن حركة
الضوء في آنٍ واحدٍ تسير في اتجاهين؛ فمن جهة زيد يصل الضوء إلى عين محمود، ومن
جهة محمود يصل إلى عين زيد. فهذا الضوء الواحد الصادر من مصباحٍ واحد يسير من زيد
إلى محمود ومن محمود إلى زيد، فتختلف الجهات ويظلّ المصدر واحدًا، بل إن الضوء في
ذاته واحد. وفي
هذا الضوء أمرٌ يسري في اتجاهين معًا، وآثاره متساوية، فأين التمييز؟ إن الضوء
الذي يُنشئ التصوّرات في زيد تُسمّى تصوّرات زيد، والذي يُنشئها في محمود تُسمّى
تصوّرات محمود، وهذا الفرق ناشئ عن زاوية نظر المُشاهد. ومن
هنا ينكشف قانونٌ من قوانين المظاهر، وهو أن اختلاف الجهات ليس في الضوء، بل في
زاوية البصرِلدى المُشاهد، وسبب ذلك هو النقطة المركزية التي تُسمّى ذاتَ
المُشاهد، وهي الذات المتصلة بذات الله تبارك وتعالى. وقد أُشير إلى هذا الاتصال
بقوله تعالى: «نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ». وهنا يجدر التأمل في
استعمال لفظ «نحن»، إذ يدلّ على أن الله تعالى في الكثرة مرتبطٌ بذات كل فرد،
ولذلك تبقى لكل فردٍ خصوصيّته قائمة.
ومركز الضوء هو مصباحٌ
واحد، وزيد ومحمود كلاهما يستمدّان النور من هذا المصباح نفسه. غير أن التغيّر لا
يقع في الضوء، فهو ثابت على حاله، وإنما يقع في طريقة البيان؛ إذ إن الضوء نفسه
يكون في زيد صورةَ حياته، وفي محمود صورةَ حياته.
في التصوف يُسمّى هذا
الأسلوب «مرتبة». وإذا أردنا ترجمة «المرتبة» بلغةٍ عامة أمكننا استعمال لفظ Mechanism، غير أن أساس هذا الميكانيزم واحد، وإنما تختلف الأسماء. وهذا
الميكانيزم، أو المرتبة، يشتمل على أنواعٍ لا تُحصى؛ فهو في الإنسان يظهر في صورة
زيدٍ ومحمود، وفي الأشجار في صورة المانجو واللوز. إنه
نورٌ واحدٌ يُكوِّن جميع هذه الصور. وهذا الميكانيزم (المرتبة) مكوَّن من نقاطٍ
سوداء هي أصلُ الكون، وتُسمّى هذه النقاط «تجلّيات». وحركتها مزدوجة؛ فالقرآن
الكريم حين يعبّر عن معنى التكرار فإنما يشير إلى هذه الحركة المزدوجة. وهذه الحركة المزدوجة
تقع في كل اتجاه، فهي جاريةٌ في آنٍ واحدٍ في كل امتدادٍ وعمقٍ واتجاه، وفي أدقّ
وحدةٍ من الزمن. وهي حركةٌ صدوريّة؛ أي إن النقطة السوداء —وهي الزمان (Time)— تقفز
تباعًا في الامتداد والعمق والاتجاهات. وبقدر ما تبلغ قفزات هذه النقطة تتشكّل صور
المكان (Space). وفي
هذه النقطة السوداء تنطوي جميع الصور التي نراها في الهيئة المكانية. فإذا قفزت
هذه النقطة ظهرت تلك المظاهر الكامنة، واتخذت صورتها المشهودة، وهذا هو الذي
نسمّيه «الكون». وفي
هذه النقطة حُجُبٌ لا تُحصى.
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.