Topics

الإخفاءُ أو الارتقاءُ


في العالمِ يعيشُ آلافٌ من الناس، وكلُّ إنسانٍ يجهلُ حياةَ الآخر؛ فحياةُ كلِّ فردٍ سرٌّ لا يعلمه غيرُه. وبسببِ هذا السِّرّ يسعى الإنسانُ إلى إخفاءِ أخطائِه، ويُحاولُ أن يُظهِرَ نفسَه في صورةٍ أفضل، وأن يبلغَ مرتبةً مثاليّة. ولو كانت أخطاؤُه مكشوفةً للناس، لما سعى إلى تحسينِ صورتِه، ولما وقعَ الارتقاءُ في حياتِه.

علمُ حصوليّ

في بنيةِ الحياةِ الإنسانيّة عناصرُ خفيّةٌ عن نظرِ الشعور، وهي تدفعُ الشعورَ نحوَ الحياةِ المثاليّة أو الأعلى. فكأنّ «الإخفاء» حقيقةٌ يمكنُ أن تُسمّى «ارتقاءً». وهذه الخاصّيّةُ هي التي تُميّزُ الإنسانَ عن الحيوان. أمّا في الحياةِ الحيوانيّة، فإنّ عناصرَها ليست خفيّةً عن شعورِ الحيوان، بل إنّ أفعالَه محدَّدةٌ، ويُدركُها شعورُه إدراكًا كاملًا؛ ولذلك لا يسعى الحيوانُ إلى أن يُظهِرَ نفسَه أفضلَ من غيرِه.

وهذا الامتيازُ الشعوريُّ في الإنسانِ هو منشأُ جميعِ العلومِ والفنون، وهو الذي يُميّزُه عن لاشعورِه. ومن هنا يُقيمُ الإنسانُ حدًّا يَنبثقُ منه علمٌ مستمدٌّ من أجزاءِ «العلمِ الحضوريّ». وهذا العلمُ هو مجموعُ العلومِ الطبيعيّة، ويُسمّى في اصطلاحِ التصوّف «علمًا حصوليًّا». وهذا العلمُ تقومُ معالمُه في الغالبِ على الترقياتِ والافتراضات.

العلمُ اللَّدُنّيّ

هذا العلمُ يُقيمُ الحدودَ بين «العلمِ الحضوريّ» و«العلمِ الحصوليّ»، ويُعرِّفُ أحدَهما بالآخر. وهو قائمٌ على الحقائقِ التي يمكنُ اكتشافُها في أعماقِ «العلمِ الحصوليّ».

وتتشكّلُ معالمُ هذا العلمِ من «آياتِ الله»، أي العلاماتِ التي لفتَ اللهُ تعالى الأنظارَ إليها مرارًا في القرآن. وفي الحقيقةِ، فإنّ جميعَ القوانينِ الطبيعيّة تتبعُ القوانينَ الروحانيّة؛ واكتشافُ القوانينِ الروحانيّة من خلالِ القوانينِ الطبيعيّة، والوصولُ إلى حقيقتِها، ثمّ التعرّفُ على «العلمِ الحضوريّ»، هو سِمةُ «العلمِ اللَّدُنّيّ».

فإذا أُعطيَ هذا العلمُ للأنبياءِ سُمّي «علمَ النبوّة»، وإذا أُعطيَ للأولياءِ سُمّي «العلمَ اللَّدُنّيّ». فالوحيُ خاصٌّ بالأنبياءِ، والإلهامُ خاصٌّ بالأولياءِ.

وأمّا كيفيّةُ حصولِ هذا العلمِ للأنبياءِ أو للأولياءِ، فسنذكرُها بإيجاز، إذ لا يتّسعُ المقامُ للتفصيل، ولعلّ اللهَ يُيسّرُ بيانَها في كتابٍ آخر.

إنّ بنيةَ الكونِ تتكوّنُ من أربعةِ أبعادٍ أو أربعةِ دوائر، وقد أُشيرَ إليها سابقًا، غيرَ أنّ الحديثَ عنها كان من زاويةٍ واحدة. أمّا من زاويةٍ أخرى، فلها في اصطلاحِ التصوّف أربعةُ أسماء:

١. راح                ٢. روح               ٣. رؤيا               ٤. رؤية

وهذه الأوصافُ الأربعةُ تتعلّقُ بـ«اللّاشعور»: فـ«راح» هو اللّاشعورُ المنفيّ، و«روح» هو اللّاشعورُ المثبت، وكذلك «رؤيا» هي الشعورُ المنفيّ، و«رؤية» هي الشعورُ المثبت. ففي «راح» —أي اللّاشعورِ المنفيّ— لا يقعُ أيُّ تغيّر، إذ تنتفي فيه الفواصلُ الزمانيّةُ والمكانيّةُ كلّها، وتكونُ جميعُ الوارداتِ من الأزلِ إلى الأبدِ حاضرةً في نقطةٍ واحدة. فإذا تحرّكت هذه النقطةُ تغيّرَ اسمُها؛ إذ كانت تُسمّى «راح»، فلمّا ظهرت فيها الحركةُ سُمّيت «روح». وهذه الحركةُ هي التي تُظهِرُ الفواصلَ الزمانيّةَ والمكانيّة.

في الصفحاتِ السابقةِ ذُكرَ «النَّظَرُ الكونيّ»، وهذا النَّظَرُ نفسُه هو «راح». فإذا انقسمَ هذا النَّظَرُ إلى فواصلَ زمانيّةٍ ومكانيّة، سُمّي «حقيقةً واردة» أو «روحًا».

فإذا ذكرنا —مثلًا— اسمَ «الشمس» لشخصٍ ما، فإنّ صورةَ الشمسِ تمرُّ في ذهنِه في لحظةٍ، وهذه الصورةُ هي عينُ الشمسِ التي عرفها في الخارج، إذ لا يعرفُ شمسًا غيرَها، بل إنّ معرفتَه مقصورةٌ على تلك الشمسِ التي تَرِدُ في ذهنِه. وهذه الحركةُ تُسمّى «روحًا»، أي إنّ الروحَ تتجلّى في الذهنِ الإنسانيّ على هيئةِ «حقيقةٍ واردة»، وهي جاريةٌ في جميعِ الموجوداتِ على نسقٍ واحد. فإذا أثبتَ الإنسانُ هذه الحقيقةَ الواردةَ في ذهنِه، صارت «تصوّرًا»، أي إنّ الروحَ بعدَ اندماجِها في الشعورِ تتحوّلُ إلى «تصوّر»، وهذه الحالةُ تُسمّى «رؤيا». فإذا انتقلَ هذا التصوّرُ إلى مستوى البصرِ، سُمّي «رؤية»، وعندئذٍ تُبصرُ العينُ الشيءَ في صورةٍ مجسّمةٍ مقابلة. وفي هذه المرحلةِ أيضًا يبقى دورُ «النَّظَر» هو نفسُه كما كان في «راح» و«روح» و«رؤيا». وفي الاصطلاحِ العامّ تُسمّى الدوائرُ الأربع: الأولى: «اللّاشعور» الثانية: «الإدراك» الثالثة: «التصوّر» الرابعة: «الشَّيء»

Topics


Loh O Qalam Arabic

 

بمصداقِ القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،

«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»

فإن كلَّ لفظٍ خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا  أولياءؒ، حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،

كان يرتسم على لوح ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا  أولياءؒ المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي من الإنسان والجنّات.