Topics
يمكنُ أن نعدَّ
«النَّظَر» نوعًا من الشعورِ الكونيّ، فهو إذا تجلّى في أيِّ موضعٍ أو نقطةٍ، كان
على نسقٍ واحد. فالنظرُ الذي يرى الماءَ ماءً عند الإنسان،
هو نفسُه الذي يرى الماءَ ماءً في كلِّ شيء. ولم يقعْ قطّ أن رأى الإنسانُ الماءَ
ماءً ورآهُ حيوانٌ آخرُ على غيرِ ذلك. فدورُ «النَّظَر» واحدٌ في كلِّ ذرّةٍ من الكون؛ فكما يشعرُ
الإنسانُ بصلابةِ الحديد، كذلك تشعرُ النملةُ بصلابتِه. ومعنى ذلك أنّ الحديدَ
يُدرَكُ بالنظرِ نفسِه عند الإنسانِ وعند النملة. وجميعُ مناظرِ الكون خاضعةٌ لهذا القانون؛
فإذا رفعَ الإنسانُ بصرَه إلى القمر، رآه على الهيئةِ نفسِها التي يراهُ عليها
غيرُه. وكذلك جذورُ الأشجارِ حين تمتصُّ الماء، فإنّها تأخذُه بوصفِه ماءً، كما
يفعلُ الحيوان. فالثعبانُ يشربُ اللّبنَ بوصفِه لبنًا،
وكذلك الشاةُ تشربُه بوصفِه لبنًا.
النتيجةُ: يمكنُنا أن
نستخلصَ من جميعِ هذه الأمثلةِ نتيجةً واحدة، وهي أنّ «نظَرًا» واحدًا يعملُ في
كلِّ ذرّةٍ من ذرّاتِ الكون، ولا اختلافَ في وظيفتِه، فهو ثابتٌ غيرُ متغيّرٍ في
كلِّ ذرّة، وله طابعٌ معيّنٌ مخصوص. ولم يطرأْ على هذا «النظر» أيُّ تغيّرٍ منذُ
ابتداءِ الخلق. وهذا «النظر» ينفي المكانيّةَ والزّمانيّةَ
معًا، إذ لا يتأثّرُ بتغيّرِ الزمان، ولا بتبدّلِ الأوقات. فهو على صفةٍ واحدةٍ من
الأزلِ إلى الأبد، في كلِّ لحظةٍ وفي عمقِ كلِّ ذرّة. وهذا «النظر» هو المقامُ الذي يمكنُ أن
نُسمّيه «النقطةَ المركزيّةَ للشعور» أو «حقيقةَ الكون». وهو ليس متجاوزًا
للألوانِ فحسب، بل متجاوزٌ أيضًا لـ وراءَ ما وراءَ الألوان.
وقد قال اللهُ تعالى:
عَلَّمَ
الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(العلق: 5)
والمقصودُ من «التعليم»
هنا الإيداعُ أو الإرساءُ في «اللّاشعور»، أي إنّ ما لم تكن عليه فطرةُ الكونِ
وطبيعتُه، أودعَه اللهُ تعالى في فطرةِ الإنسانِ على وجهِ الخصوص.
وقال تعالى:
فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (سورة ص: 72)
وقال أيضًا:
وَعَلَّمَ
آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (البقرة: 31)
فهذه الآياتُ كلُّها تُبيّنُ أنّ إدراكَ حقيقةِ ما هو أصلٌ في الموجودات، لا يكونُ إلّا للإنسان، لأنّ هذا العلمَ الخاصَّ قد أُعطيَ لآدمَ وحده. وهذا العلمُ الخاصُّ هو علمُ «اللّاشعور».
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.