Topics
في قولِ الله تعالى: وَمِنْ
كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (الذاريات: 49)
، بيّنَ الله تعالى سرَّ الزمانيّةِ
والمكانيّة.
فوجودُ الشيءِ له ثلاثُ
طُرُز: طَرْزُ الأحوال، وطَرْزُ الآثار، وطَرْزٌ ثالثٌ هو مجموعُهما ويُسمّى
«الأحكام». والمقصودُ
بكونِ الشيءِ ذا قسمين هو أنّ له وجهين، وهذان الوجهان متضادّان، ومع ذلك فهما
متّصلان اتّصالًا تامًّا. وإن كان تمييزُ الصفةِ —من حيثُ الفاعلُ والمفعول، أو
الجاعلُ والمجعول— يُحدِثُ بينهما انفصالًا، إلّا أنّ مجموعَ هذين الوجهين هو الذي
يُسمّى وجودَ الشيءِ. وبعبارةٍ أخرى، إذا اجتمعَ الوجهان في موضعٍ واحدٍ صارت هذه
الاجتماعِيّةُ شيئًا محسوسًا.
فالوجهُ الأوّل هو الحاسّ، أي الإحساس،
والوجهُ الثاني هو المحسوس. ويُسمّى الوجهُ الحاسّ في اصطلاحِ التصوّف «أحوالًا»،
ويُسمّى الوجهُ الآخر «آثارًا»، ومجموعُهما يُسمّى «أحكامًا». وفي لغةِ الدين
يُقالُ لذلك «الأمرُ الربّي».
وعليه، فإنّ الأمرَ
الربّي له وجهان أو جزآن: أحدُهما «الأحوال»، وهو العالِمُ بالصفةِ والقابليّةِ أو
المستعمِلُ لهما، والآخر «الآثار»، وهو نفسُ الصفةِ والقابليّة. وهذان الجزآن معًا
يُشكّلان أمرًا ربّيًا واحدًا، وهما —مع كونهما متّصلين— منفصلان من حيثُ الاعتبار .وهذا الانفصالُ هو
الفعلُ الذي، بعد التنزّل، يُسمّى من جهةٍ «زمانًا» ومن جهةٍ أخرى «مكانًا». فإذا
وقعَ هذا الفعلُ في حدودِ إحاطةِ الذهنِ بالحِسّ سُمّي زمانًا، وإذا وقعَ في حدودِ
صورةِ الحِسّ وهيئتِه سُمّي مكانًا.
لو أنّ الله تعالى لم
يجعلْ وجودَ الأشياءِ على هيئةِ أزواج، لما وُجِدَ هذا الفعلُ الوسيطُ الذي يُسمّى
زمانًا ومكانًا. وهذا الفعلُ إنّما يتكوّنُ عندما تتحقّقُ الأبعادُ في وجودِ
الشيءِ، ووقوعُ الأبعاد إنّما يكونُ في «عالمِ المثال» لا في «عالمِ الأرواح». ولذلك
لا يوجدُ في عالمِ الأرواح زمانٌ ولا مكان، إذ يكونُ وجودُ الشيءِ هناك مجرّدَ
أمرٍ شكليّ، لا أمرًا متحرّكًا. وعلى هذا، فإنّ عالمَ النَّسَمة يبدأُ من حيثُ
تبدأُ الحركة.
تمثيل: فمثلًا،
عندما تنشأُ في ذهنِ المصلّي حاسّةُ الصلاة، يكونُ لها وجهان: أحدُهما هيئةُ
الصلاة نفسُها، والآخرُ الذهنُ الذي يُدرِكُ الصلاة.
وإذا فُصِّلَ القولُ في
الآيةِ المذكورةِ آنفًا، لاقتضى ذلك ذكرَ وجوهٍ كثيرةٍ مزدوجةٍ للحِسّ، ومن هذه
الوجوه ما هو عامٌّ ومنها ما هو خاصّ. فالوجهُ الخاصّ هو الذي سبقَ ذكرُه، وأمّا
الوجهُ العامّ للحِسّ فهو الذي يغلبُ ويكونُ له الطابعُ السائد. وهنا يحسنُ ذكرُ «الشخصِ
الأكبر»، إذ إنّ للشخصِ أيضًا وجهين: «الشخصُ الأكبر» و«الشخصُ الأصغر». فطبيعةُ
الشخصِ الأكبر هي الغلبة، وأمّا الشخصُ الأصغر فحاله المغلوبيّة. ويمكنُ أن
نُعبّرَ عنهما بالنوعِ والفرد، بحيثُ يكونُ أحدُهما مصدرًا والآخرُ مشتقًّا. وعليه، إذا أردنا بيانَ الحِسّ
العامّ، فإنّنا نُضيفُه إلى الشخصِ الأكبر، فنقولُ: هو حِسُّ الشخصِ الأكبر.
وقد ذُكِرَ في الصفحاتِ
السابقة «الشخصُ الأكبر»، وهنا يلزمُ بيانٌ موجزٌ عنه.
قال الله تعالى في
القرآنِ الكريم: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (البقرة: 31)
أي إنّ الله تعالى
علَّمَ آدمَ عليه السلام —بعد خلقِه— أسماءَ جميعِ الأشياء، مع خواصِّها وآثارِها،
فصار عالمًا بأسماءِ الموجودات كلِّها على وجهِ الأرض وبخواصِّها.
وفي اصطلاحِ اللوحِ
المحفوظ، فإنّ «الأسماء» تُرادفُ عناوينَ الأشياء وبيانَ خصائصِها وماهيّاتِها.
وفي الآيةِ الأولى من هذا الركوع ذَكَرَ الله تعالى جعلَ آدمَ خليفةً، وفي الآيةِ الثانية بيَّن أنّه علَّمه علمَ الأسماء. وإذا نُظرَ إلى هذين الأمرين في ضوءِ حكمةِ التكوين، يتّضحُ أنّ لخلافةِ الله تعالى ارتباطًا عميقًا جدًّا بعلمِ الأسماء.

بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.