Topics
البصر يكون على نوعين:
بصرًا مباشرًا، وبصرًا غيرَ مباشرٍ. وقد سبقت الإشارةُ إلى مثالِ المرآة. فعندما ننظرُ إلى
ذواتِنا، أي إلى الداخل، يكون هذا نظرًا مباشرًا للشهود، وهو نظرٌ في «الجُو» أي
في الوحدة. وهذا الشهودُ الذي يرى في الوحدة هو الإنسان، وهو الأمرُ الربّي، وهو
الروح، وهو «جزءٌ لا يتجزّأ». وهو الذي يُقَرِّبُ بين الشاهدِ والمشهود، وهو الذي
يكشف معنى قوله تعالى:
نَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16)،
وهو في حقيقته علمٌ إلهيٌّ أو علمُ التوحيد. وهذا الشهودُ نفسُه
يتجلّى في الكثرة بطبيعةٍ إضافيّةٍ، تفصيليّةٍ، توسّعيّةٍ، وإحساسيّة. فأوّلُ
حركةٍ له هي علمُ التوحيد أو وحدةُ الوجود، وأمّا حركاتُه الثانيةُ والثالثةُ
والرابعةُ والخامسةُ فهي الكثرةُ أو وحدةُ الشهود. وهذا
الشهودُ نظرًا غيرَ مباشرٍ، أنشأ المكانيّةَ والزمانيّة، ومع تغيّر حركاته تتولّد
درجاتُ الكثرة. وهذا
الشهودُ في مقامِ التنزّل الأوّل يصيرُ شعورًا، وقوّةَ الشُّهود، والنُّطقَ،
والشمَّ، واللّمسَ.
في كلِّ تنزُّلٍ له
جزآن. فهذا الشُّهُودُ قبل أن يتحرّك يكون في التنزُّل الأوّل علمًا وعليمًا، وبعد
أن يدخل في الحركة يكون:
في التنزُّل الثاني
شعورًا،
وفي التنزُّل الثالث
شُهودًا وتشكُّلًا،
وفي التنزُّل الرابع
نطقًا وسماعًا،
وفي التنزُّل الخامس صِبْغَةً
(فَعَّالِيَّةً) وإحساسًا،
وفي التنزُّل السادس
جذبًا ولمسًا.
فالتنزُّل الأوّل درجةٌ
من الوحدة، وأمّا التنزُّل الثاني فيتضمّن درجاتِ الكثرة الخمس. وعلى هذا يكون
عددُ التنزّلات ستّة:
الأوّل يُسمّى لطيفةَ
الوحدة، والخمسةُ التالية تُسمّى لطائفَ الكثرة. ومن
هنا تنكشفُ بنيةُ «الجزء الذي لا يتجزّأ»، أي الإنسان أو الروح.
الأوّلُ هو ذاتُ اللهِ
تعالى، وذهنُ الباري تعالى يُسمّى «العلمَ الواجب». وفي مرتبةِ الوجوب كان وجودُ
الكونِ حاضرًا تحت إرادةِ الله تعالى. فلمّا شاء اللهُ أن يُظهِر هذا الوجودَ
أمرَ: «كُن»، أي ادخل في الحركة.
فما كان موجودًا في
مرتبةِ الوجوب على هيئةِ الكون قد تَقَلَّبَ أوّلَ تَقَلُّبٍ له، فبدأتِ الحركةُ.
وكانتِ الحركةُ الأولى أن كلَّ فردٍ من الموجودات أدرك ذاتَه. وخطر في فكرِ كلِّ فردٍ من الموجودات: «أنا
موجود»، وكان هذا النمطُ من الفكر حالةً من الغيبة والمحو. وكان كلُّ فردٍ غائصًا
في بحرِ التوحيدِ الذي لا ساحلَ له، ولم يكن له إلا إحساسٌ واحدٌ: «أنا موجود».
أمّا أين هو، وما هو، وكيف هو، فلم يكن له بذلك أيُّ إدراك. وهذه الحالةُ تُسمّى «عالمَ وحدةِ الوجود»،
ويسمّيها أهلُ التصوّف أيضًا «الوحدةَ» فحسب. وهذه الوحدةُ ليست وحدةَ الباري تعالى بحالٍ
من الأحوال، إذ يستحيل التعبيرُ عن أيِّ صفةٍ من صفاته بالألفاظ. فهذه الوحدةُ
إنما هي اختراعًا ذهنيًّا، تعبّر عن حدودِ فكرِه المحدود، وتعجزُ عجزًا تامًّا عن
بيانِ أيِّ وصفٍ من أوصافِ اللهِ اللامتناهية بيانًا صحيحًا. ومن المحال أن يُحيطَ
أيُّ لفظٍ بإظهارِ صفةٍ من صفاتِ الله تعالى إظهارًا كاملًا.
ولا يمكن إغفالُ هذه
الحقيقة، وهي أنّ «الوحدة» —باعتبارها اختراعًا من اختراعاتِ الفكرِ الإنساني—
إنما تعبّر في أقصى حدودها عن علومِ الإنسان وسَعَةِ فكرِه. فعندما يستعمل الإنسان
لفظَ «الوحدة»، فإنّ معناه لا يتجاوز أنّه قد أدرك توحيدَ الله تعالى إلى هذا الحدّ.
وبعبارةٍ أخرى، فإنّ
مفهومَ «الوحدة» محدودٌ بحدودِ فكرِ الإنسان نفسه، وهذه المحدوديّةُ بعينها هي
التي يُطلق عليها اسمَ اللّامحدوديّة، في حين أنّ اللهَ تعالى منزَّهٌ وأعلى
بكثيرٍ من هذه الحدودِ الوصفيّة.
فحين نقول «الوحدة»،
فإنّما نتحدّث في الحقيقة عن وحدةِ فكرِنا نحن.
ومن هذا المقام يبدأ بعد
«عالمِ وحدةِ الوجود» «عالمُ وحدةِ الشُّهود».
وقد خاطب اللهُ تعالى
الأرواحَ فقال:
أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ (الأعراف: 172)
ومن هنا يظهر الشُّهُودُ
للإنسان، أو للأمرِ الرَّبّي، في الوجود؛ فيرى أنّ هناك من خاطبه، فتقع شُهوده على
المُخاطِب، فيقول: بَلَى، أُقِرُّ بربوبيّتِك وأعرفك.
وهذا هو المقامُ الذي
دخل فيه الأمرُ الرَّبّي في الحركةِ الثانية، أو أخذ التَّقَلُّبَ الثاني، وفيه
تعرّف على الكثرة؛ إذ رأى أنّ هناك مخلوقاتٍ سواه، لأنّ شُهُودَ حشدِ المخلوقات قد
حصل له، وقد نال الشُّهُودَ الذي يُبصِر به. وهذا هو التنزّلُ الثاني من مرتبةِ الوجوب،
وفي حدوده نشأ عند الإنسان الإحساسُ بعمقِ وجوده، وشُهُودُ وجودِ سائرِ المخلوقات. أمّا التنزّلُ الأوّل فكان شأنُه العلمَ
والعليم، أي إنّ الإنسان لم يكن له إلا إدراكُ كونه موجودًا فحسب.
«أنا»…
فـ«أنا» هو العليم، و«أكون» هو العلم. وفي التنزّل الثاني، عندما تجاوز حدَّ
الفناء عن الإحساس بالوجود، رأى نفسَه ورأى غيرَه أيضًا، وهذا هو ما يُسمّى «عالمَ
وحدةِ الشُّهُود». فالتنزّلُ الأوّل كان مجرّدَ إدراك، فلمّا بلغ الإحساسُ عمقَه ظهر
الشُّهُود، إذ الشُّهُودُ هو الاسمُ الآخر لعمقِ الإدراك.
القانون: إذا تعمّق
الإدراكُ صار شُهُودًا. وما دام الإدراكُ خفيفًا ومحصورًا في حدودِ الخيال، فلا
تتحقّق حالةُ المشاهدة، إذ إنّ الإحساس يعمل في حدودِ الفكر فقط. فإذا تركّز
الفكرُ على نقطةٍ واحدةٍ لبرهةٍ من الزمن، اكتسبت تلك النقطةُ خدوخالًا وهيئةً،
وهذا هو ما يُسمّى «المشاهدة» أو «الشُّهُود».
ثم إذا استمرّ الفكرُ
—بوصفه شُهُودًا— مركزًا على تلك النقطةِ برهةً أخرى، أصبحت النقطةُ ناطقةً، أو
بعبارةٍ أخرى: إنّ الشُّهُودَ الذي يُشاهد النقطةَ يصير ناطقًا. وعند هذه المرحلة
يقول الأمرُ الرَّبّي ويسمع في آنٍ واحد.
هذه القوّةُ الناطقةُ
التي يُعبَّر عنها بالنُّطق، إذا بقيت قليلًا متوجِّهةً إلى هذه النُّقطة، فإنّ
ينبوعَ بَهْجَةِ الألوان يفورُ في الفكرِ والإحساس، ويبدأ الإنسانُ يشعرُ من حوله
بزحامٍ من تَقَلُّبِ ظواهرِ الكون.
فإذا استمرّت عنايةُ
الأمرِ الرَّبّي مركَّزةً على هذا الحشد قليلًا، تولَّدت في الشُّعور الإنساني
موجاتٌ ضوئيّةٌ جاذبة، ومن خصائص هذه الموجات أنّها تمسُّ مقصدَها أو شُهُودَها
الذي تُبصره أو تُحِسُّ به.
ويُسمّى هذا الفعلُ من
هذه الموجات «اللَّمْس». ومن هنا يتّضح القانونُ تمامًا، وهو أنّ الخيالَ،
والبصرِ، والنُّطقَ، والشَّمَّ، واللَّمْسَ ليست إلا أسماءً لحركاتِ العلم أو
لحالاتِه المتمايزة.
ومن هذا القانون ينكشف
أنّ حقيقةً واحدةً تظلّ تتحوّل من حالٍ إلى حال، وفي هذه التحوّلات تقومُ
انكشافاتٌ متعدّدة. فكلُّ نقطةٍ يتحقّق فيها انكشافٌ معيّن، تكون هي بعينها حركةَ
الأمرِ الرَّبّي. وكما أنّ الخيالَ علمٌ، فكذلك البصرِ علمٌ، وما بعد البصرِ من
جميع الحالات هو أيضًا علمٌ. ولا تستطيع أيُّ حالةٍ أن تتجاوز هذه الحدود، بل
إنّها تتعمّق تدريجيًّا ضمن حدودِ العلم نفسه، درجةً بعد درجة.
تنحدرُ أفكارُنا من
الأعلى إلى الأسفل كأنّها درجاتٌ تُنزل، ونحن نُطلق على صورِ الفكر وهيئاتِه
أسماءَ إحساساتٍ متعدّدة. فإذا اشتدَّ إحساسُنا بخاطرٍ في الذهن، تجسّد ذلك
الخاطرُ في صورةٍ وهيئة. ثمّ إذا ازداد التأمّل فيه، أخذت تلك الصورةُ تتكلّم. فإذا اشتدّ
الأمرُ أكثر، تجلّت هذه المُخاطبةُ في صِبْغَاتٍ متعدّدة، تظهر في ألبسةٍ متنوّعة. وفي المرحلة الأخيرة، وبسبب شدّة الإحساس،
يشعر الإنسان بأنّه ينجذبُ نحو هذه الألبسةِ الملوّنة، حتى إنّ حاسّتَه تلمسها.
وعند هذه النقطة ينتهي
الاستكشافُ. وهذه الحالةُ هي غايةُ اللذّةِ للفكرِ
الإنساني. ومن هذا الموضع الأخير لا بدّ للفكرِ الإنساني أن يرجع، أي إنّ الحاسّةَ
التي لامست شيئًا قبل قليل تبدأ بالابتعاد عنه. وهذه هي حالةُ ردِّ الفعل، التي تُشعرُ
بالفصلِ بين المكانيّة والزمانيّة. فالشيءُ الذي كنّا قريبين منه نأخذ بالابتعاد
عنه تدريجيًّا، ومجموعُ هذا البُعد هو ما يُسمّى «الموت». وبعد ورود الموت، تتعلّم الروحُ من التجاربِ
الماضية علمًا إجماليًّا جديدًا، وهذا المقام يُسمّى «شُهُودَ عالمِ الغيب».
ومرّةً أخرى يُعاد بيانُ
حقيقةِ الحياة.
كان هذا الكون —بجميع
أشكاله وصُوَره وكلِّ حركاته— موجودًا في علمِ الله تعالى. وهذه الحيثيّة من
الوجود تُسمّى «وجودَ الرؤيا»، وأمّا العلم الذي كانت فيه موجوديّةُ الكون فيُسمّى
«العلم الواجب» أو «علم القلم». والعلمُ الواجب صفةٌ من صفات الله تعالى، ويُعبَّر
عنه بأنّه «عكسُ الذات».
فإذا تنزّلت صفاتُ الله
تعالى درجةً أخرى بعد العلم الواجب، ظهر «عالمُ الواقعة» أو «عالمُ الأرواح». وهذا
هو الموضع الذي تعلّق فيه إرادةُ الله تعالى بظهور الخلق، فأصدر الأمر «كُن»،
فلبسَت الإرادةُ صورةَ الكون وهيئتَه. ومن هنا قامت حيثيّتان: إحداهما حيثيّةُ علمِ الله تعالى، والأخرى
حيثيّةُ إرادته. وفي الحقيقة، فإنّ الإرادة هي التي تُنشئ بدايةَ الأزل.
وفي المرحلة الأولى من
الأزل تكون الموجوداتُ ساكنةً صامتةً، وتُسمّى صورتُها —في اصطلاح الروحانيّة—
«علمَ الوحدة» أو «الكليّات» أو «علم اللوح المحفوظ». فلمّا شاء الله تعالى أن ينكسر سكونُ
الموجودات ويبدأَ الحركة، خاطبها بقوله:
أَلَسْتُ
بِرَبِّكُمْ (الأعراف: 172)
ثمّ إنَّ كلَّ شيءٍ من
الموجودات قد توجَّه، فانبثق فيه الشُّعور، فأجاب هذا الشُّعور بقول «بَلَى»،
مُقِرًّا بربوبيّة الله تعالى. فكانت هذه أوّلَ صورةٍ من صور «عالم الواقعة».
ولمّا ابتدأت الحركة في
الأشياء، بدأ ظهور الصورة الثانية من «عالم الواقعة»، وهذه الصورة تُسمّى —بلغة
العامّة— «الكثرة»، وتُعرف كذلك بـ«عالم المثال» أو «جُو».
ومن هنا يبدأ «أمرُ
الربّ» —أي الروح أو الجزء الذي لا يتجزّأ أو الإنسان— خُطُواتَه، ويظهرُ في عالمِ
الظَّاهِرِ في صورةِ الوقائعِ والأحداث. وهذا العكس في عالمِ الظَّاهِر هو التمثّلُ الثاني للأشياء. فعكسُ الذات هو «العلم الواجب» أو «علم
القلم»، وعكسُ العلم الواجب هو «علم الوحدة» أو
«علم اللوح المحفوظ»، وعكسُ علم اللوح المحفوظ هو «جُو» أي «عالم التمثال»، وعكسُ عالم التمثال هو «التمثّل الثاني» أو
«عالم التخليط»، وعالم التخليط يُسمّى أيضًا «عالمُ
الظَّاهِر».
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.