Topics
إنّ فهمَ الأمورِ الإداريّةِ لهذا الكون من قِبَلِ الله تعالى، وإدارةَ هذه
الأمور في ضوءِ علمِ الأسماء الذي منحه الله، يدخلان في نطاقِ النيابة.
وعندما جعلَ الله تعالى الإنسانَ خليفةً له، صار أمرًا مؤكّدًا أنّ جميعَ
شعبِ قدرةِ الله تعالى يكونُ لنائبِه فيها ارتباطٌ.
وفي ضوءِ حكمةِ التكوين، يلزمُ أن نُحلِّلَ قليلًا علمَ الأسماء. فقد قال
الله تعالى في القرآن الكريم: «كُنْ فَيَكُونُ»، أي قلتُ: كن، فكان. بمعنى أنّ هذه
الكائناتِ كلَّها قد وُجدت بأمرِ «كن».
ولـ«كن» أربعةُ شعبٍ تكوينيّة:
الأولى: الإبداع، ومعناه أنّه مع عدمِ وجودِ أسبابٍ ووسائلَ لظهورِ
الموجودات، فإنّها لمّا صدرَ الأمرُ «كن» من الله تعالى، وُجدت هذه الموجوداتُ
كلُّها بلا أسبابٍ ووسائلَ على وجهِ الكمالِ والترتيب. وهذا هو أوّلُ شعبِ التكوين.
الثانية: الخلق، ومعناه
أنّ ما ظهرَ في صورةِ الموجودات قد دخلت فيه أنماطُ الحركةِ والسكون، وبدأت مراحلُ
الحياةِ تتوالى، أي ابتدأ عملُ الحياةِ في الموجودات.
الشُّعبةُ الثالثةُ من
التكوينِ هي «التدبير»، وهي مشتملةٌ على أبوابِ ترتيبِ أعمالِ الحياةِ في
الموجودات وتعيينِ مواضعِها.
الشُّعبةُ الرابعةُ من
حكمةِ التكوين هي «التدلّي»، ومعناه ذلك الفرعُ من حكمةِ التكوين الذي تُدوَّنُ به
روابطُ نظامِ القضاءِ والقدر وأحكامُه.
وقد أُعطيَ الإنسانُ
—بوصفِه خليفةَ الله— أسرارَ ورموزَ حكمةِ التكوين في علمِ الأسماء لكي يتمكّنَ من
أداءِ وظائفِ النيابة في نظامِ الكون.
ولفهمِ تركيبِ الكون لا
بدّ من معرفةِ مراتبِه وأجزائِه. ففي المخطّط سُمِّي «الشخصُ الأكبر» باطنَ
الوجود، وسُمّيت مراتبُ «العالمِ الخفيف» الثلاث ومراتبُ «العالمِ الشديد» الثلاث
ظاهرَ الوجود. وهذه العوالمُ الستّة يرتبطُ كلُّ مرتبةٍ منها بنوعٍ معيّن، فيكونُ مجموعُها
ستّةُ أنواعٍ. وفوقَ
هذه الأنواع نوعٌ سابعٌ يُسمّى «نوعُ آدم»، ويُسمّى أيضًا «الشخصَ الأصغر». وهذا
الشخصُ الأصغر هو خلاصةُ تلك الأنواعِ الستّة، وهو البرزخُ والواسطةُ بين «الشخصِ
الأكبر» وبين باطنِ الوجود وظاهرِه.
وكلُّ نوعٍ من هذه
الأنواعِ الستّة يشتملُ على عددٍ لا يُحصى من الأفراد، ولكلِّ نوعٍ «نفسٌ
كُلّيّة»، وهذه النفسُ الكلّيّة هي نفسُها ما يُسمّى بالنوع. فكأنّ هذه النفسَ
الكلّيّة هي مجموعُ أصولِ جميعِ أفرادِ نوعِها. وتكونُ
ماهيّةُ كلِّ نوعٍ وكيفيّتُه وفعليّتُه —أي حيثيّتُه— مستقرّةً في النَّفسِ
الكلّيّةِ لذلك النوع، وهذه الثلاثة —الماهيّةُ والكيفيّةُ والفعليّة— تُسمّى
«تعيّنات» هذه النفس. وهي نقوشٌ معيّنةٌ تُحيطُ بالمكانيّةِ والزمانيّة من الأزل
إلى الأبد.
وعندما تنزلُ هذه
النقوشُ في عالمُ الظَّاهِر، فإنّ الحركةَ أو الفعليّة تُكسبُها مراتبَ الزمانِ
والمكان.
في الرُّوح، تدخلُ جميعُ
شعبِ الحركةِ سوى الإطلاق. والمقصودُ بالإطلاق هو ذلك التجلّي الإلهيّ الذي يُسمّى
في اصطلاحِ التصوّف «التسويد». ولهذا
التجلّي المطلق شعبتان: الشعبةُ الأدنى «الخفي»، والشعبةُ الأعلى «الأخفى». ومن
الشعبة الأولى. وأوّلُ
شعبِ هذه الحركة «اللّطيفةُ السِّرّيّة»، ثمّ الثانيةُ والثالثةُ والرابعةُ هي
«اللّطيفةُ الرُّوحيّة»، و«اللّطيفةُ القلبيّة»، و«اللّطيفةُ النَّفسيّة». ومن هذه
اللطائف، فإنّ القلبيّةَ والنفسيّة تُسمَّيان «نَسَمة». وهاتان المرحلتان هما آخرُ
أجزاءِ الحركة. وأمّا
شعبتا «اللّطيفةِ السِّرّيّة» و«اللّطيفةِ الرُّوحيّة» فتُسمّيان «مراتبَ
الماهيّة»، وتُسمّى «اللّطيفةُ القلبيّة» «كيفيّة»، وتُسمّى «اللّطيفةُ
النَّفسيّة» «فعليّة».
وبحسبِ البيانِ المذكورِ
أعلاه، فإنّ للرُّوحِ ستَّ شعبٍ: شعبتان باطنيّتان، وأربعُ شعبٍ ظاهريّة.
والمقصودُ بالشعبِ الظاهريّة شعبُ الحركة، وأمّا الشعبُ الباطنيّة فهي مراتبُ
التجلّي المطلق، وفي هذا المعنى وردَ حديثُ النبيّ عليه الصلاة والسلام:
«مَنْ
عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»
أي إنّ من عرفَ نفسَه
فقد عرفَ صفةَ ربوبيّةِ الله تعالى. وهذه الصفةُ الربّانيّةُ تنقسمُ في الباطن إلى
شعبتين، وتَمرُّ في باطنِ الإنسان على هيئةِ فيضٍ مستمرٍّ دائمٍ من التجلّي.
فشعبتا الباطن —الأخفى
والخفي— وشعبتا الظاهر —السِّرّيّة والرُّوحيّة— تتعلّقُ بـ«الشخصِ الأكبر»، وأمّا
شعبتا الظاهر —القلبيّة والنفسيّة— فتتعلّقان بـ«الشخصِ الأصغر».
أوّلُ مجرىً للتجلّي
يُسمّى «نهرَ التسويد»، والثاني «نهرَ التجريد»، والثالث «نهرَ التشهيد»، والرابع
«نهرَ التظهير». وتجلّي نهرِ التسويد يُفيضُ على «اللّطيفةِ الأخفى» و«اللّطيفةِ
الخفي» على الترتيب. وهاتان الشعبتان —الأخفى والخفي— هما في الحقيقةِ أصلُ النَّفس. وأمّا تنزّلُ التجلّي،
فإنّه في الواقع يبدأُ من «اللّطيفةِ السِّرّيّة»، وهذه المرحلةُ هي أخطرُ
المراحلِ لأهلِ الروحانيّة، حينما يتنزّلون من الملكوتيّة إلى عالمُ الظَّاهِر.
وتبدأُ الوساوسُ الشيطانيّة من «اللّطيفةِ السِّرّيّة»، لأنّها أوّلُ شعبِ الرُّوح
الإنسانيّة، ومنها يحاولُ الإنسانُ أن ينسى الإطلاقَ ويُنكرَ الربوبيّةَ ويعرضَ عن
أصلِه.
فإن أرادَ الإنسانُ أن
يُشاهدَ أصلَه، فإنّ آياتِ الله الظاهرة موجودةٌ؛ فتنفّسُ الإنسانِ أمرٌ مستقلٌّ
عن شعورِه، إذ يتنفّسُ من غيرِ أن يكونَ ابتداءُ التنفّس بإرادتِه، ويَرمُشُ
بعينيه من غيرِ تعلّقٍ لشعورِه بذلك. وكذلكَ دورانُ الدمِ وحركاتُ الجسدِ
الداخليّة هي أفعالٌ ترتبطُ بأصلِ الإنسان، أي بما وراءَ الشعور. وعندما يتنزّلُ الإنسانُ
من أصلِه —أي من وراءِ الشعور— إلى عالمِ الشعور، فإنّه يُدرِكُ فعليّاتِ حياتِه،
مع أنّ الماهيّاتِ والكيفيّاتِ كلَّها كانت واقعةً فيما وراءَ الشعور.
وأوّلُ تجلٍّ للربوبيّة
—وهو «التسويد»— يُؤدّي دورَه أوّلًا في «الشخصِ الأكبر» أي في «النَّفسِ
الكلّيّة». وقد بيّن القرآنُ الكريم هذا الدور بقوله تعالى:
اللّٰهُ نُوْرُ
السَّمٰوٰاتِ وَالْاَرْضِ ۚ
مَثَلُ نُوْرِهِ كَمِشْكاةٍ فِيْهَا مِصْبَاحٌ ۖ
اَلْمِصْبَاحُ فِيْ زُجَاجَةٍ (سورۃ النور: ٣٥)
أي أعلى من مستوى ما
وراء الشعور، وترتيبُ ما وراءَ الشُّعور وتدوينُه إنّما هو من الله تعالى،
وأُسُسُه قائمةٌ على تجلّي الله تعالى نفسِه. ويرتبطُ فيضُ «التسويد» بالـ«أخفى»
والـ«خفي»، وهاتان الشُّعبتان هما فوقَ ما وراءَ الشُّعور، ويُسمّيهما أهلُ
التصوّف «المطلقيّة». وهاتان الشُّعبتان هما الدائرتان العُلْيَيانِ للتجلّي؛
فالدائرةُ الأولى «الأخفى»، والثانية «الخفي»، وإنّما افترقتا لأنّ تجلّي «الخفي»
أقلُّ لطافةً من «الأخفى». وهاتان هما الشُّعبتان اللتان أشارَ إليهما قوله تعالى:
نُورُ السَّمٰوٰاتِ. ثمّ
يأتي بعدهما شعبتا «اللّطيفةِ السِّرّيّة» و«اللّطيفةُ الرُّوحيّة»، وهاتان شعبتان
من دوائرِ التجلّي المُتنزِّل، تكونُ الأولى أشدَّ لطافةً نورانيّةً، والثانية
أقلَّ لطافةً. وقد عبّرَ الله تعالى عنهما بمِشكاةِ الزجاج.
وهذه الشُّعبُ الأربع
—أي دوائرُ التجلّي الأربع— تُعَدّ من علمِ «العالَمِ الخفيف» أو «عالمِ الغيب»،
ومجموعُ هذه الدوائر الأربع هو ما يُسمّى «الشخصُ الأكبر».
وأمّا آخرُ شعبتي
الرُّوح فهما «اللّطيفةُ القلبيّة» و«اللّطيفةُ النَّفسيّة»، وهما دائرتان
نورانيّتان تُسمَّيان «نَسَمة» أو «العالَمَ الشديد». وقد شبّهَ الله تعالى
النَّسَمةَ بلهبِ المصباح. وهذا هو «عالمُ الحركة» أو «عالمُ الشهادة»، وهو مجموعُ
الزمانيّة والمكانيّة. وهاتان الدائرتان من الرُّوح تُسمَّيان «الشخصَ الأصغر». فالنَّفسُ الكلّيّة هي
«الشخصُ الأكبر» المؤلَّف من أربعِ شعب، والنَّفسُ الجزئيّة هي «الشخصُ الأصغر»
المؤلَّف من شعبتين. فالنَّفسُ الكلّيّة غيبٌ، والنَّفسُ الجزئيّةُ حضورٌ.
والنَّفسُ الكلّيّة هي الصفاتُ والماهيّة، والنَّفسُ الجزئيّة هي الكيفيّةُ
والفعليّة. والنَّفسُ الكلّيّة علمُ الخلق، والنَّفسُ الجزئيّة نفسُ الخلق.
والنَّفسُ الكلّيّة مُحيطةٌ، وهي شعبةٌ من صفةِ الربوبيّةِ لله تعالى.
بنيةُ الخلق على قسمين
وعلى وضعين: الأوّلُ «النَّفسُ الكلّيّة» أو «علمُ الشيء»، والثاني «النَّفسُ
الجزئيّة» أو «نفسُ الشيء». فكأنّ الأمرَ هو: علمُ الشيء، ثمّ الشيء، ثمّ علمُ
الشيء بعده.
مثال:
عندما ننظرُ إلى الوردة، نعتقدُ يقينًا أنّ سلالاتٍ سابقةً لها كانت موجودة، وهذه
السلالاتُ لها حيثيّةُ علمِ الشيءِ. ومع أنّها ليست حاضرةً أمامَ البستانيّ ولا
يستطيعُ رؤيتَها، إلّا أنّ وجودَ الوردةِ دليلٌ كاملٌ على وجودِ تلك السلالات.
وبعد الشيءِ يأتي أيضًا علمُ الشيء، أي إنّ وجودَ سلالاتٍ لاحقةٍ للوردة أمرٌ
مؤكَّد، مع أنّ هذه السلالاتِ المستقبليّةَ كذلك ليست حاضرةً أمامَ البستانيّ.
وعلمُ الشيءِ له بقاءٌ
دائم، واسمُه الآخر «العدم». ومن هنا تبدأُ معرفةُ التوحيد؛ فإنّ علمَ الشيء لا
يفنى أبدًا، وإنّما الذي يفنى هو الشيءُ نفسُه، كآباءِ الوردةِ وأبنائِها.
فالوردةُ هي الشيء، وأمّا الآباءُ والأبناءُ فهم علمُ الشيء، وهذا العلمُ هو صفةُ
الربوبيّة. فالذي يفنى هو الشيءُ فقط —أي الوردة— أمّا علمُ الشيء أو صفةُ
الربوبيّة فباقٍ على الدوام.
إنّ التجلّي يتنزّلُ
فيصيرُ نورًا، ثمّ يتنزّلُ النورُ فيغدو مرئيًّا أو مظهرًا، وهو الشيءُ بعينِه، أي
الصورةُ المظهريّةُ للتجلّي والنور.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ
التجلّي تنزّل فصار نورًا، ثمّ تنزّل النورُ فصار شيئًا أو مظهرًا. فالمظهرُ قد
خُلق من التجلّي والنور، ثمّ فني فيهما، وإذا شاءَ اللهُ تعالى أعادَ هذا المعدومَ
إلى الوجود.
والعارفُ إنّما يتصرّفُ
في علمِ الشيءِ، فيقعُ أثرُ ذلك مباشرةً على الشيءِ.
والتصرّفُ على ثلاثةِ
أقسام:
١۔ المعجزة
٢۔ الكرامة
٣۔ الاستدراج
وهنا لا بدّ من فهمِ
الفرقِ بين هذه الأقسامِ الثلاثة. فالاستدراجُ هو ذلك العلمُ الذي ينشأُ في
الإنسان —لأسبابٍ خاصّة— تحتَ تأثيرِ الأرواحِ الخبيثةِ من الأعراف أو الجنّ
الشيطانيّ. وقد وقعَ مثالٌ لذلك في عهدِ النبيّ عليه الصلاة والسلام.
ففي ذلك الزمان كان
غلامٌ يُسمّى ابن صيّاد يعيشُ في بستانٍ قريبٍ من المدينة. فاغتنمَ شياطينُ الجنّ
الفرصةَ فأخذوه، وأيقظوا عنده الحاسّةَ السادسة. فكان يلتفُّ بغطاءٍ ويُغمضُ
عينيه، فيرى نشاطاتِ الملائكة ويستمعُ إليها، ثمّ يُخبرُ الناسَ بما يشاهدُه
ويسمعُه.
فلما بلغَ خبرُه النبيَّ
عليه الصلاة والسلام، قال يومًا لعمرَ الفاروق رضي الله عنه: «تعالَ نذهبْ فننظرْ
إلى ابنِ صيّاد».
وكان في ذلك الوقت يلعبُ
على تلٍّ أحمرَ قريبٍ من المدينة. فسأله النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «أخبرني،
مَن أنا؟»
فتوقّف قليلًا وأخذ
يفكّر، ثمّ قال: «أنت رسولُ الأُمّيّين، ولكنّك تقولُ إنّك رسولُ الله».
فقال النبيُّ عليه
الصلاة والسلام: «علمُك ناقصٌ، فوقعْتَ في الشكّ. أخبرني إذن: ماذا في قلبي؟»
فقال: «دخ»، أي إنّك
تظنُّ أنّي لا أؤمن.
فقال النبيُّ عليه
الصلاة والسلام: «علمُك محدودٌ، فلا تستطيعُ الترقّي، ولا تعرفُ سببَ ذلك».
فقال عمرُ الفاروق رضي
الله عنه: «يا رسولَ الله، إن أذنتَ لي ضربتُ عنقَه».
فقال النبيُّ عليه
الصلاة والسلام: «يا عمر، إن كان هو الدجّالَ فلن تقدرَ عليه، وإن لم يكنه فقتلُه
لا وجهَ له، فدَعْه».
في عالمِ الغيب لا يكونُ
للفظِ والمعنى وجودٌ على هذا النحو، بل كلُّ شيءٍ يكونُ ذا شكلٍ وصورة، سواءٌ كان
وَهْمًا أو خيالًا أو إحساسًا. فإذا استيقظتِ الحاسّةُ السادسةُ عندَ الإنسان،
ظهرت فيه قوّةُ الغيبِ بينيّة. وفي اللغةِ العِبرانيّة يُسمّى النبيُّ «الغيبَ
بَين»، ويُسمّى الرسولُ «رسولَ الغيب».
ولهذا لم يستطع ابنُ
صيّاد أن يفهمَ مرتبةَ الرسالةِ للنبيّ عليه الصلاة والسلام فهمًا صحيحًا؛ إذ إنّه
لم يُدرك إلّا أنّه رسولٌ للغيب، وكان إدراكُه للغيب محدودًا بحدودِه أو بحدودِ
الجنّ الذين كانوا يتّصلون به. فلمّا حاولَ أن يفهمَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام،
ولم تكن له معرفةٌ إلهيّة، حكم عليه بأنّه رسولُ الغيب.
وكانت غيبُ بَينيّتِه
مقتصرةً على أنّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد بُعث في قومٍ أُمّيّين، وأنّ
معجزاتِه ظهرت فيهم، فبناءً على ذلك قال إنّه رسولُ الأُمّيّين.
ولمّا رآه النبيُّ عليه
الصلاة والسلام محصورًا في حدودِ الاستدراج، فسأله: أخبرني ماذا في قلبي؟ فأجاب:
«دخ». فلمّا رأى النبيُّ ﷺ أنّ ابنَ صيّاد لا ينالُ المعرفةَ، قال له: إنّك لا
ترتقي.
وعليه، فإنّ كلَّ من كان
صاحبَ استدراجٍ —كابنِ صيّاد— لا يمكنُه أن ينالَ معرفةَ الله تعالى. والفرقُ بين
علمِ الاستدراج وعلمِ النبوّة هو أنّ علمَ الاستدراج يظلّ محدودًا في حدودِ الغيبِ
بينيّة، أمّا علمُ النبوّة فإنّه يُجاوزُ بالإنسان هذه الحدودَ حتّى يبلُغَ معرفةَ
الله تعالى.
إذا صدرَ عن النبيِّ
أمرٌ خارقٌ للعادةِ تحتَ تأثيرِ علمِ النبوّة، سُمِّي «معجزةً»، وإذا صدرَ أمرٌ
خارقٌ للعادةِ عن وليٍّ سُمِّي «كرامةً»، غيرَ أنّها أيضًا تكونُ تحتَ تأثيرِ علمِ
النبوّة. وأمّا التصرّفُ في المعجزةِ والكرامةِ فمستمرٌّ؛ أي إنّه يبقى ما لم يرفعه
صاحبُ التصرّف بنفسِه. وأمّا ما يكونُ تحتَ تأثيرِ الاستدراج فليس بمستمرٍّ، بل
يزولُ أثرُه من تلقاءِ نفسِه بتغيّرِ تأثيراتِ الجوّ. وما يقعُ تحتَ تأثيرِ
الاستدراج يُسمّى سحرًا.
وأمّا التجلّي الذي هو
أعلى من وراءِ الشُّعور، فإنّ جميعَ أصولِ الخلقِ متّصلةٌ به. وهو يسري في كلِّ
ذرّةٍ من ذرّاتِ الكون إلى أقصى حدودِ المركزيّةِ الدقيقة. فإذا عَرَضَ له —عندَ
مرورِه بالمركزِ الأدقّ— أمرٌ غيرُ ملائم، نشأت فيه حالةٌ من الجلال.
فإنّ أصولَ الاستدراج
تُحدِثُ في هذا المركزِ الأدقّ أثرًا غيرَ محمود، ونتيجةً لذلك تنصرفُ التجلّيات
—وهي حقيقةُ الخير— عنه، ومن هذا الانصراف ينشأُ أثرٌ تخريبيّ. فإذا أحدثَ
الإنسانُ في غلافِ هذا المركزِ الأدقّ نوعًا من الفساد أو الكثافة، غلبت فيه قوى
الهدمِ والتفكّك، وذلك لأنّ التجلّي قد أعرض عنه، فتعطّلت آثارُ الخير. وغلافُ هذا
المركزِ الأدقّ هو الجسدُ الإنسانيّ.
مثلًا، إنّ بعضُ
الزُّهّاد يطْلون أجسادَهم بالرَّماد، فيُغلقون مسامَّ الجلدِ إغلاقًا تامًّا،
وبذلك تصيرُ الأنوارُ الداخليّةُ في أجسادِهم —التي ينبغي أن تُسمّى قِوامَ
الحياة— كثيفةً بعد أن كانت لطيفةً. ثمّ يسري هذا التلوّثُ إلى المراكزِ الأدقّ في
أجسادٍ أخرى، فيُحدِثُ فيها آثارًا خاصّةً، فتقعُ تلك الأجسادُ في أنشطةٍ تخريبيّة.
وفي كلِّ دينٍ يُراعى
الغُسلُ أو الوضوءُ لأجلِ العبادة، مع أنّ العبادةَ متعلّقةٌ بالذهنِ لا بالجسد.
والمقصودُ من الغُسلِ والوضوءِ إيناسُ الطبيعةِ وإحداثُ حالةٍ من الانغماسِ
والتركيز.
قانون: ينبغي هنا أن يُفهَم أنّ أشغالَنا وأعمالَنا —التي تصدرُ عن الأعضاءِ
الجسديّة— أين تُخلَق، وكيفيّةُ خلقِها. فلنرجعْ إلى «الماهيّة»، فإنّها من خصائصِ
«الشخصِ الأكبر»، و«الشخصُ الأكبر» هو مجموعُ أنواعِ المخلوقاتِ كلِّها. ومن هذه
الأنواع ما نعرفُه: كالأسدِ، والحصانِ، والصقرِ، والنجومِ، والقمرِ، والشمسِ،
والأرضِ، والسماءِ، والجنّ، والملائكةِ، والإنسانِ، والهواءِ، والماءِ، والفضّةِ،
والذهبِ، والجواهرِ، والحصى، والجبالِ، والبحارِ، والنباتِ، والحشراتِ؛ فكلُّ
واحدٍ من هذه نوعٌ قائمٌ بذاتِه، ونوعيّتُه هي ماهيّتُه.
وهذه الماهيّةُ تقعُ
دائمًا على طرازٍ واحد؛ فالأسدُ مثلًا له صورةٌ وهيئةٌ مخصوصة، وطبيعةٌ معيّنة،
وصوتٌ خاصّ، وهذه الأمورُ تشتملُ على تمامِ نوعِه. وكذلك الإنسانُ له صورةٌ خاصّة،
وعاداتٌ معيّنة، وقدراتٌ مخصوصة، غيرَ أنّ هذين النوعين —الإنسانَ والأسد— متباينان
تمامًا في ماهيّتِهما.
غيرَ أنّ أصلَ الماهيّة
فيهما واحد، فكلاهما يشتركان في المطالبِ الجسديّة، وفي المحبّةِ والألمِ والغضب.
وهذا الاشتراكُ ليس في ماهيّةِ النوع، بل في أصلِ الماهيّة، وهو ذلك المركزُ الذي
تجتمعُ فيه —في أقصى مراتبِ الحياة— حياةُ أصغرِ كائنٍ مع حياةِ الشمسِ والقمر.
ومن هذا القانون نفهمُ
أنّ للرُّوح قسمين: ماهيّةً خاصّةً بكلِّ نوع، وماهيّةً واحدةً تشملُ جميعَ
الأنواع. وهذه الماهيّةُ الواحدةُ هي «الرُّوحُ الأعظم» و«الشخصُ الأكبر»، وأمّا
الماهيّةُ الخاصّةُ بكلِّ نوع فهي «الشخصُ الأصغر»، ومظاهرُ هذا «الشخصِ الأصغر»
هي الأفراد. فمثلًا، جميعُ البشر —في حدودِ الشخصِ الأصغر— يشتركون في ماهيّةٍ
واحدة.
مثلًا، إنّ بعضُ
النُّسّاكِ الهندوسِ يطلون أجسادَهم بالرَّماد، فيُغلقون مسامَّ الجلدِ
إغلاقًا تامًّا، وبذلك تصيرُ الأنوارُ الداخليّةُ في أجسادِهم —التي ينبغي أن
تُسمّى قِوامَ الحياة— كثيفةً بعد أن كانت لطيفةً. ثمّ يسري هذا التلوّثُ إلى
المراكزِ الأدقّ في أجسادٍ أخرى، فيُحدِثُ فيها آثارًا خاصّةً، فتقعُ تلك الأجسادُ
في أنشطةٍ تخريبيّة.
وفي كلِّ دينٍ يُراعى
الغُسلُ أو الوضوءُ لأجلِ العبادة، مع أنّ العبادةَ متعلّقةٌ بالذهنِ لا بالجسد.
والمقصودُ من الغُسلِ والوضوءِ إيناسُ الطبيعةِ وإحداثُ حالةٍ من الانغماسِ
والتركيز.
قانون: ينبغي هنا أن يُفهَم أنّ أشغالَنا وأعمالَنا —التي تصدرُ عن الأعضاءِ
الجسديّة— أين تُخلَق، وكيفيّةُ خلقِها. فلنرجعْ إلى «الماهيّة»، فإنّها من خصائصِ
«الشخصِ الأكبر»، و«الشخصُ الأكبر» هو مجموعُ أنواعِ المخلوقاتِ كلِّها. ومن هذه
الأنواع ما نعرفُه: كالأسدِ، والحصانِ، والصقرِ، والنجومِ، والقمرِ، والشمسِ،
والأرضِ، والسماءِ، والجنّ، والملائكةِ، والإنسانِ، والهواءِ، والماءِ، والفضّةِ،
والذهبِ، والجواهرِ، والحصى، والجبالِ، والبحارِ، والنباتِ، والحشراتِ؛ فكلُّ
واحدٍ من هذه نوعٌ قائمٌ بذاتِه، ونوعيّتُه هي ماهيّتُه.
وهذه الماهيّةُ تقعُ
دائمًا على طرازٍ واحد؛ فالأسدُ مثلًا له صورةٌ وهيئةٌ مخصوصة، وطبيعةٌ معيّنة،
وصوتٌ خاصّ، وهذه الأمورُ تشتملُ على تمامِ نوعِه. وكذلك الإنسانُ له صورةٌ خاصّة،
وعاداتٌ معيّنة، وقدراتٌ مخصوصة، غيرَ أنّ هذين النوعين —الإنسانَ والأسد— متباينان
تمامًا في ماهيّتِهما.
غيرَ أنّ أصلَ الماهيّة
فيهما واحد، فكلاهما يشتركان في المطالبِ الجسديّة، وفي المحبّةِ والألمِ والغضب.
وهذا الاشتراكُ ليس في ماهيّةِ النوع، بل في أصلِ الماهيّة، وهو ذلك المركزُ الذي
تجتمعُ فيه —في أقصى مراتبِ الحياة— حياةُ أصغرِ كائنٍ مع حياةِ الشمسِ والقمر.
ومن هذا القانون نفهمُ
أنّ للرُّوح قسمين: ماهيّةً خاصّةً بكلِّ نوع، وماهيّةً واحدةً تشملُ جميعَ
الأنواع. وهذه الماهيّةُ الواحدةُ هي «الرُّوحُ الأعظم» و«الشخصُ الأكبر»، وأمّا
الماهيّةُ الخاصّةُ بكلِّ نوع فهي «الشخصُ الأصغر»، ومظاهرُ هذا «الشخصِ الأصغر»
هي الأفراد. فمثلًا، جميعُ البشر —في حدودِ الشخصِ الأصغر— يشتركون في ماهيّةٍ
واحدة.
أوّلًا: إنّ أفرادَ كلِّ
نوعٍ يتعارفون فيما بينهم ضمنَ حدودِ «الشخصِ الأصغر»، أي في دائرةِ الماهيّةِ
الصغرى. وثانيًا: إنّ كلَّ فردٍ يتعارفُ مع أفرادِ
جميعِ الأنواع ضمنَ حدودِ «الشخصِ الأكبر»، أي في دائرةِ الماهيّةِ الكبرى. فالأسدُ يتعرّفُ على الأسدِ الآخر بصفته
أسدًا من خلالِ قابليّةِ «الشخصِ الأصغر»، ولكنّ هذا الأسدَ نفسَه يتعرّفُ على
الإنسان، وعلى ماءِ النهر، وعلى الأرضِ التي يعيشُ عليها، وعلى الحرِّ والبرد، من
خلالِ قابليّةِ «الشخصِ الأكبر». إنّ قابليّةَ الماهيّةِ الصغرى تُقرِّبُ أسدًا من أسدٍ آخر، ولكن
حين يعطشُ الأسدُ ويميلُ إلى الماء، فإنّ هذه الحركةَ في طبيعتِه إنّما تنشأُ من
الماهيّةِ الكبرى، وهو إنّما يفهمُ —بفضلِ «الشخصِ الأكبر»— أنّ شربَ الماء يُزيلُ
العطش.
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.