Topics
حم * وَالْكِتَابِ
الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ
إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ
عِندِنَا ۚ
إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
ۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ
(الدخان: 1–7)
يقولُ اللهُ تعالى:
في هذه الليلةِ يُفصَلُ
كلُّ أمرٍ حكيمٍ بأمرٍ صادرٍ من عندِنا.
والمقصودُ بالأمرِ
الحكيم سَعاتُ الفكرِ الإنسانيّ وأعمالُه؛ إذ إنّ كلَّ توفيقٍ يناله الإنسانُ فهو
من عندِ الله تعالى. فالطُّرُزُ التي يُعيِّنها الله تعالى لعالمِ الظاهر تكونُ في
«عالمِ الأمر» أو «عالمِ المثال» على هيئةِ نقوشٍ أصليّة، ثمّ تنتقلُ بترتيبٍ إلى
«عالمِ الخلق» أو «عالمِ الظاهر». ومع أنّ «عالمَ الأمر» مُحيطٌ بعالمِ الخلق، فإنّ النظرَ الخارجيّ
لا يستطيعُ رؤيتَه، وإنّما يُدرَكُ من خلالِ الجهةِ التي تُبصِرُ إلى الداخل.
وعندما ننظرُ إلى شيءٍ،
يكونُ بيننا وبينَه عنصرٌ مشترك، وهذا العنصرُ هو وسيلةُ الرؤية، وهو سببُ
اتصالِنا بسائرِ الموجودات. فمثلًا، عندما تظهرُ الشمسُ أمامَ أعينِنا، فإنّ بيننا
وبينها —إلى جانبِ نقطةِ ذاتِها ونقطةِ ذاتِنا— عنصرًا ثالثًا موجودًا، وهو شديدُ السُّرعة،
بحيثُ يحفظُ الصِّلةَ في كلِّ آنٍ بين نقطتَي الذات. وبواسطتِه تكونُ ذاتُ الإنسانِ على تعارفٍ
مع ذاتِ الشمس منذُ ابتداءِ الخلق؛ فالعالمُ قبلَ آلافِ السنين كان على هذا
التعارف نفسِه الذي هو عليه اليوم. واختلافُ أساليبِ التعارف لا يؤثّرُ في نقوشِه
الأصليّة. وإذا طُلِبَ هذا التعارفُ من خلالِ تلك النقوش، أمكنَ إدراكُ صفاتِ
التعارف فهمًا صحيحًا.
ومن صفاتِ هذا التَّعارف
أنّ الإنسانَ قبلَ آلافِ السنين كان يرى الشمسَ بالصورةِ نفسِها التي يراها بها
إنسانُ هذا العصر. ومن هذه الحقيقة يتّضحُ أنّ نورَ التَّعارف ثابتٌ منذُ الأزل
على نسقٍ واحد. فنقطةُ ذاتِ كلِّ فردٍ متميّزةٌ عن غيرِها،
ومع ذلك فهي على معرفةٍ بسائرِ النقاط. وهذه المعرفةُ قائمةٌ بنورٍ لا تُبصِره
العينُ الظاهرة، وإنّما يُدرَكُ من الجهةِ الداخليّة. وهذا النورُ على قسمين: قسمٌ يُدرَكُ بالجهةِ الظاهرةِ من النظر،
وقسمٌ يُدرَكُ بالجهةِ الداخليّة. والقسمُ الذي يُدرَكُ بالجهةِ الداخليّة ثابتٌ منذُ الأزل على
حالةٍ واحدة، لا يطرأُ عليه تغيّر، ولا تكونُ فيه نقوشٌ ولا صور، بل يصيرُ «عينًا»
للكون، وهذه «العين» هي أصلُ جميعِ نقوشِ المظاهر وصورها. وحركةُ هذه «العين» تنقسمُ إلى مراتب،
وتُسمّى هاتان المرتبتان: «الجَذْب» و«الكَشْش».
فأصلُ النورِ الذي لا
يتغيّر يُسمّى «صادرَ العين»، وأمّا الذي يقبلُ التغيّر فيُسمّى «العين». وهذان
الأصلان في «عالمِ الأمر» ثمّ يبدآن —بعد «صادرِ العين» و«العين»— في حدودِ
الإمكان. وأوّلُ مرحلةٍ من هذه الحدود هي
«المثاليّة»، والمرحلةُ الثانية «العنصريّة». فالمثاليّةُ هي الهيولى النورانيّة،
أي جسمُ النور، تُدرِكُها البصيرةُ الداخليّة ويشعرُ بها الإدراك، وفيها أبعادٌ،
غيرَ أنّ مركزَها ليس في العالمِ المادّي. وأمّا المرحلةُ الثانية —وهي «العنصريّة»—
فمركزُها في العالمِ المادّي.
وهذان العالمان هما من
مراتبِ الإمكان. وبهذا تكونُ في الكون أربعةُ أبعاد:
البُعدُ الأوّل: صادرُ
العَيْن (غيرُ متغيّر)
البُعدُ الثاني: العَيْن
(متغيّر)
البُعدُ الثالث:
المثاليّة
البُعدُ الرابع:
العنصريّة
وقد ذكرنا الأنهارَ من
قبل، فكلُّ نهرٍ ضمنَ حدودِه يُسمّى «بُعدًا»، وله صفاتٌ مخصوصة. وعندما سُئِل النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
ماذا كان قبلَ هذا الكون؟ قال: «عماء». فقيل له: ثمّ ماذا كان بعد ذلك؟ فقال: «ماء».
و«عماء» في الاصطلاحِ
العربيّ يُرادُ به تلك «المنفيّة» التي لا تُدرِكُها العقولُ الإنسانيّة، وأمّا
«ماء» فيُرادُ به «المُثبِتيّة» التي هي أُسُسُ الكون، وهذه المُثبِتيّة نفسُها هي
«عالمُ الأمر».
وأمّا «عماء» —الذي يُسمّى في الاصطلاح «ما وراءَ الماوراء»— فيُعرَّفُ بـ«عالمِ
النور». وأقصى ما تبلغهُ طاقةُ الفهمِ الإنسانيّ يُسمّى اصطلاحًا «الحجابَ
المحمود». وهذا الحجابُ هو تلك العلوّاتُ التي تُرادُ بها نهايةُ العرشِ العظيم. وهذا هو كمالُ معراجِ نقطةِ الذاتِ
الإنسانيّة، أن تتدرّبَ على إدراكِ «الحجابِ المحمود» وتفهمَ الصفاتِ الإلهيّةَ
العاملةَ في تلك العلوّات. وهذا العالمُ متعالٍ عن مدى طيرانِ الملائكةِ
المقرّبين؛ فإنّ غايةَ طيرانِهم تُسمّى «سِدرةَ المنتهى»، ولا يستطيعون تجاوزَها. وتحتَ سِدرةِ المنتهى مرتبةٌ أخرى من
العلوّ، تُسمّى سِعاتُها «بيتَ المعمور».
الملائكةُ الذين يقيمون
ويطيرون في حدودِ «سِدرةِ المنتهى» و«بيتِ المعمور» ينقسمون إلى ثلاثةِ أصناف:
صنفٌ يلازمُ حضرةَ الله
تعالى مشتغلًا بالتسبيح، وصنفٌ يبلِّغُ أوامرَ الله تعالى إلى العالَم، وصنفٌ
يحفظُ أوامرَ الله تعالى في «عالمِ الأمر» في ذاكرتِه. وجميعُ هؤلاءِ الملائكةِ مرتبطون بـ«اللوحِ
المحفوظ».
ودون «عالمِ النور» تقعُ حدودُ الملائكةِ المقرّبين، أي «الملأ الأعلى»، وفيهم
ملائكةٌ ذوو ستّةِ أجنحة. وقد أُوتوا فراسةَ إدراكِ «عالمِ النور»، ولهم القدرةُ
على تحمّلِ رسائله. وأوامرُ «عالمِ النور» هي نفسُ الأوامرِ التي يُنفّذها الله
تعالى من «العرشِ الأعظم». ودون هذه الطبقة طبقةُ «الملائكةِ الروحانيّة»، وهم يدركون رسائلَ
«الملأ الأعلى». ودونهم طبقةُ «الملائكةِ السماويّة»، وهم يفهمون رسائلَ الملائكةِ
الروحانيّة. وفي المرتبةِ الرابعةِ «الملائكةُ الأدنى»،
وهم الذين يملكون فراسةَ تنفيذِ الأوامرِ التي تصلُ إليهم. وهؤلاءِ الملائكةُ
منتشرون في طبقاتِ الأرض كلِّها. والملائكةُ ذوو الستّةِ أجنحةٍ هم أهلُ ستِّ فراسات، وكلُّ فراسةٍ
منها نور:
الأولى: لهم نصيبٌ من
معرفةِ الذات.
الثانية: لهم معرفةٌ
بالصفات.
الثالثة: يدركون «صادرَ
العين» في «عالمِ الأمر».
الرابعة: يعرفون ترتيبَ
«العين» وكيفيّةَ خلقِها.
الخامسة: لهم إحاطةٌ
تامّةٌ بعلومِ «المثاليّة» في «عالمِ الإمكان» أو «عالمِ الخلق».
السادسة: لهم إلمامٌ
بأجزاءِ «عالمِ الخلق» أو «عالمِ الإمكان».
وبعبارةٍ أخرى، فإنّ
«الملأ الأعلى» هو مجموعُ أنوارِ هذه العلومِ الستّة. ولا ينبغي أن يُظنَّ أنّ
العلمَ شيءٌ منفصلٌ عن النور، بل إنّ النورَ هو نفسُه العلم. فإذا تمثّلَ العلمُ
—والمقصودُ به «العلمُ الحضوريّ» أو «علمُ الحقيقة»— فإنّه يظهرُ في صورةِ نورٍ
يتجلّى بألوانِ صفاتِه الخاصّة.
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.