Topics
لقد ذكرنا في الصفحاتِ
السابقةِ الحواسَّ المنقسمةَ وغيرَ المنقسمة، وهذه الحواسُّ المنقسمةُ (الأمرُ
المطلق) هي التي تُظهِرُ نفسَها من الأزلِ إلى الأبدِ في صورةِ الكون. ولا يمكنُ
الوصولُ إلى الروحِ من خلالِ الشكلِ والصورة، ولكن يمكنُ بلوغُ كُنْهِ الشكلِ والصورةِ
من خلالِ الروح. ومن
هذا المقامِ يتّضحُ خطأُ الذين يُعطونَ الأولويّةَ للمظاهر، إذ يظنّونَ أنّ
«المظاهر» هي «سعةُ الحياة». وما معنى هذا القول إلّا إنكارُ الماضي والمستقبل
معًا، أي إنّهم قد أغفلوا نسبيّةَ الزمانِ إغفالًا تامًّا، مع أنّ نسبيّةَ الزمانِ
هي عينُ «الأمرِ المطلق» والكون. والحقيقةُ
أنّ الماضي هو نفسُ الكون، أمّا الحاضرُ والمستقبلُ فليس لهما وجودٌ، بل هما من
أجزاءِ الماضي. فكلُّ لحظةٍ تسيرُ من المستقبلِ إلى الماضي.
وقولُ حضرتِ محمدٍ صلّى
اللهُ عليهِ وسلّم: « جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ» يدلُّ على هذا المعنى،
إذ لا يُعلَمُ للزمانِ أسلوبٌ آخرُ غيرُ الماضي، ويكونُ الحاضرُ والمستقبلُ جزءًا
منه. ومن
هنا يتّضحُ سرُّ بنيةِ الكون. وقد قال اللهُ تعالى في القرآن:
إِنَّمَا
أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (يس: 82)
في هذه الآيةِ بيانٌ
لماهيّةِ الإرادةِ وأجزائِها. ولسنا ندري كيف استُعمِل لفظُ «الماهيّة» عند
السابقين، غيرَ أنّنا نرى فيه نورًا، أي إنّ إرادةَ اللهِ نورٌ لا متناهٍ. وقد بيّن اللهُ تعالى في
هذه الآيةِ أمرَه، إذ إنّ قوله: إنّ ما أُريدُه يكون، يدلُّ على أنّ «الأمرَ
الإلهيّ» ذو ثلاثةِ أجزاء:
أوّلها: الإرادة.
وثانيها: ما تتعلّقُ به
الإرادةُ، أي الشيء.
وثالثها: ظهورُ ذلك
الشيءِ.
ومن هذا البيانِ يتبيّنُ
أنّ ما يريده اللهُ تعالى هو موجودٌ في علمِه من قبل، وكلُّ ما هو موجودٌ في علمِه
يُعدُّ ماضيًا. فإذا
طُرِحَ السؤالُ عن مقدارِ الماضي، فإنّ لدينا طرائقَ عديدةً لفهمِه. ومن ذلك ما
يذكره علماءُ العصر من أنّ سرعةَ الضوء تبلغُ مائةً وستًّا وثمانين ألفًا ومئتين
واثنين وثمانين ميلًا في الثانية، وعلى هذا يكونُ طولُ الثانيةِ الواحدةِ مائةً
وستًّا وثمانين ألفًا ومئتين واثنين وثمانين ميلًا.
إنّ مائةً وستًّا
وثمانين ألفَ ميلٍ من الكون —وهي مقدارُ مكانيّتِه في ثانيةٍ واحدة— يقعُ في
داخلِها في آنٍ واحدٍ من الأفعالِ والحوادثِ ما لا يمكنُ تقديرُه.
فينبغي أن يُفهمَ أنّ
جميعَ الأفعالِ التي يمكنُ أن تصدرَ في الكونِ كلِّه خلالَ ثانيةٍ واحدةٍ إنّما هي
حوادثُ واقعةٌ في تلك الثانيةِ بعينِها. ولو أمكنَ إحصاءُ هذه الأفعال، لأمكنَ
معرفةُ سعةِ الثانيةِ الواحدة. وهذه
مسألةٌ جديرةٌ بالتأمّل، فإنّ تدوينَ الحوادثِ الكونيّةِ التي تقعُ في ثانيةٍ
واحدةٍ يحتاجُ —لا محالة— إلى مدّةٍ تمتدُّ من الأزلِ إلى الأبد. فإذا قيل إنّ
الثانيةَ الواحدةَ تعادلُ مدّةَ الأزلِ إلى الأبد، فلا مجالَ للشكِّ في هذا القول. فإذا كان من الأزلِ إلى
الأبدِ كلُّه قائمًا في ثانيةٍ واحدةٍ (لحظةٍ واحدة)، فإنّ مفهومَ الزمانِ
المتواترِ لا يبقى له معنى. وفي الحقيقةِ فإنّ «شُؤُونَ» اللهِ تعالى هي حقيقةُ
الزمان.
وفي الكونِ ثلاثةُ
أزمنةٍ معروفة: الزمانُ الحقيقيّ، والزمانُ المتواترُ، والزمانُ غيرُ المتواتر.
الزَّمانُ المُتَواتِرُ
هو الزمانُ الذي نختبرُه في الحواسِّ المنقسمة. وعلى السطحِ الخارجيِّ للكونِ
تُقاسُ جميعُ الأفعالِ والحوادثِ بمقياسِ الزمانِ المتواتر. فكلُّ خطوةٍ يخطوها
الكونُ مقيدةٌ بلحظةٍ معيّنة، وكذلك الخطوةُ التي تليها مقيدةٌ بلحظةٍ أخرى. وعليه، فإنّ مسيرَ
الكونِ من نقطةٍ إلى أخرى ثمّ إلى ثالثةٍ لا يكونُ بلا تغيّر، بل إنّ كلَّ لحظةٍ
تمثّلُ تغيّرًا، واللحظةُ التي تليها تمثّلُ تغيّرًا آخر. وبعبارةٍ أخرى: اللحظةُ
هي اسمٌ للتغيّرِ الكونيّ. ومن
ثَمَّ فإنّ تمايزَ اللحظاتِ يدلّ على أنّ لكلِّ لحظةٍ وارداتِها وحوادثَها
الخاصّة. كما أنّ تفرُّدَ وحداتِ الزمانِ يدلّ على وجودِ فاصلٍ بينها، وهذه
الفواصلُ وحداتٌ متضادّة، لكلٍّ منها صفاتُها المستقلّة. ويُطلَقُ على هذه —في
الاصطلاح— «الزَّمانُ غيرُ المتواتر». فإذا
كان الزمانُ المتواترُ وارداتٍ معلومة، فإنّ الزمانَ غيرَ المتواترِ وارداتٌ
مجهولة. وإذا كانت وحداتُ الزمانِ المتواترِ مجموعَ وارداتٍ يُدرِكُها الشعور،
فإنّ وحداتِ الزمانِ غيرِ المتواترِ هي وارداتٌ لا يُدرِكُها الشعور.
وقد ذكرَ اللهُ تعالى في
القرآنِ كلا الزمانينِ في قوله: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وَعَلَّمْتُهُ
الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا».
فهما هَيْئَتان:
الرُّوحُ الإلهيّةُ وعِلْمُ الأشياء.
ويقابلُ «علمَ الأشياء»
عالمُ الطبيعةِ (الزَّمانُ المتواتر)، وهو ما يُسمّى في القرآنِ «عالمَ الشهادة»،
ويقابلُ «الرُّوحَ الإلهيّة» العالمُ الروحانيّ (الزَّمانُ غيرُ المتواتر)، وهو ما
يُسمّى في القرآنِ «عالمَ الغيب».
ولفهمِ تفصيلاتِ هاتينِ
الهيئتين، لا بدّ من الإحاطةِ —إلى حدٍّ ما— بمفهومَي «النور» و«النَّسَمة»، فإنّ
الكيانَ الإنسانيَّ مركّبٌ منهما، وهما معًا ميزانا الشعورِ واللاشعورِ في الذهنِ
الإنسانيّ.
لِلذِّهْنِ الإنسانيِّ
ثلاثُ سطوح. فالسَّطحُ الأوّلُ له وجهان: «وراءَ الوهم» و«الوهم». وكذلك السطحُ
الثاني له وجهان: «الإحساس» و«المشاهدة». ويقابلُ
إحدى سطوحِ الذهن —وهي «وراءُ الوهم» (الرُّوح)— «عالَمُ الغيب». وهذا العالمُ
انشراحُه في الرُّوح، أمّا الشعورُ فلا يَعرفُه. وهو عالمٌ يشتملُ على ما وراءَ
الكونِ وباطنِ الكون. وهذا العالمُ مجموعُ «الزمانِ الحقيقيّ (Timelessness)» و«الزمانِ
غيرِ المتواتر (Non-serial
Time)». فالزمانُ
الحقيقيّ هو «العلمُ الإلهيّ» الذي يُسمّى في الاصطلاح «غيبَ الغيب»، وأمّا
الزمانُ غيرُ المتواتر فهو عالمُ الملائكة، ويُسمّى في الاصطلاح «الغيب». وعليه، فإنّ هاتينِ
الهيئتينِ من عالمِ الغيب —«غيبَ الغيب» و«الغيب»— وقوعُهما في مقابلِ الرُّوح.
فـ«غيبُ الغيب» في «النورِ المفرد»، و«الغيب» في «النورِ المركّب». وأمّا الأوجهُ الخمسةُ
الأخرى للذهنِ الإنسانيّ —الوهم، والخيال، والتصوّر، والإحساس، والمشاهدة— فهي في
مجموعِها تقابلُ «عالَمَ الطبيعة». وعلى
هذا يكونُ بيانُ الحياةِ الكونيّة أنّ لحظةً من «عالَمِ الغيب» تسبق، ثمّ تعقبُها
لحظةٌ من «عالَمِ الطبيعة». فشعورُنا لا يَشعُرُ بلحظةِ عالمِ الغيب، أمّا الرُّوحُ
فتبقى على وعيٍ بها.
غيبُ الغيب هو
اللاتناهي، أي الزمانُ الحقيقيّ. وفي مقابلةِ هذه اللاتناهي تكونُ ماهيّةُ كلِّ
متناهٍ، واسمُها الآخر «العلم». وبعبارةٍ
أخرى: العلمُ هو الكينونةُ التي تستكشفُ في اللاتناهي، وتبقى مشغولةً بأفهامِه
وتفهيمِه. فكينونةُ العلمِ تسعى إلى معرفةِ تلك الأنوارِ في اللاتناهي التي لم
تَظهرْ لها بعد، وتظلُّ تبحثُ عنها، فما أدركتْه منها جذبتْه إلى داخلِ كيانِها. والنورُ الذي تجذبُه
يثبتُ في كيانِ العلمِ نقشًا دائمًا، وهذا النقشُ يُسمّى «نوعًا»، وهو «الزمانُ
غيرُ المتواتر». وكونُ
نقشِ النوعِ قائمًا في كيانِ العلمِ يدلُّ على أنّ النوعَ يَعلَمُ نفسَه، ولذلك
يُعيدُ نفسَه ليحافظَ على علمِه بذاتِه، ومن هذا التكرارِ تتكوَّنُ أفرادُ النوع،
وهذا هو «الزمانُ المتواتر». ويُلاحظُ
أنّ تكرارَ النوعِ لنفسِه يقعُ في مرتبةِ التناهي بإزاءِ مرتبةِ اللاتناهي.
فمرتبةُ اللاتناهي هي «غيبُ الغيب»، ومرتبةُ التناهي هي «الغيب». ودرجةُ التناهي في
العلمِ هي «النوع»، وأمّا درجةُ التناهي في النوعِ فهي «الفرد». وظهورُ الفردِ هو
«عالمُ الشهادة»، ويُسمّى هذا الظهورُ في الاصطلاح «الزمانَ المتواتر».
لقد بيَّنّا أنّ لعلمِ
الغيبِ مرتبتين: «غيبَ الغيب» و«الغيب». فمرتبةُ غيبِ الغيب هي لحظةُ «النورِ
المفرد»، وقد سمَّينا هذه اللحظةَ «الزمانَ الحقيقيّ». وهذه لحظةٌ غيرُ متغيّرة،
وسعتُها من الأزلِ إلى الأبد. وكينونةُ
العلمِ تبقى مشغولةً بمعرفةِ أوصافِ هذه اللحظة، أي إنّ العلمَ يظلُّ في حركةٍ من
اللاتناهي إلى التناهي. وهذه اللحظةُ العبورِيّةُ للعلم —في انتقالِه من اللاتناهي
إلى التناهي— هي لحظةُ «النورِ المركّب». وأمّا
مدّةُ هذه اللحظة فهي خارجُ نطاقِ الشعورِ الإنسانيّ، لأنّ الشعورَ الإنسانيّ
يبدأُ من التناهي. وأمّا لحظةُ التناهي فهي زمانُ عالمِنا، وقد سُمّيت «الزمانَ
المتواتر». وهذه اللحظةُ تبدأُ من «النَّسَمةِ المفردة» وتنتهي إلى «النَّسَمةِ
المركّبة». والشعورُ
الإنسانيّ يتعرّفُ إلى «النَّسَمةِ المفردة» في حدودِ المدركات (الوهم، الخيال،
التصوّر)، ويتعرّفُ إلى «النَّسَمةِ المركّبة» في حدودِ المحسوساتِ والمشاهدات.
وإنّ عمليّةَ الإحاطةِ بتغيّراتِ الشعورِ هي نفسُ كينونةِ الشعور، ومن ثَمَّ فإنّ
كينونةَ الشعورِ تتكوَّنُ داخلَ هذه اللحظة. وفي
لغةِ القرآنِ تُسمّى لحظةُ «النَّسَمة» «الآفاق»، وتُسمّى لحظةُ «النور» «الأنفس».
فلحظةُ النورِ تقعُ في مقابلةِ الرُّوحِ الإنسانيّة، ولحظةُ النَّسَمةِ تقعُ في
مقابلةِ الذهنِ الإنسانيّ.
مثال:
زيدٌ فردٌ. فإذا سُئل: مَن زيد؟ قيل: هو
ابنُ فلان، وأخو فلان، وزيدٌ عالم، وعمرُه خمسٌ وعشرون سنة، وهو حَسَنُ الأخلاق،
عاقل، شابّ، وجيه، حليم. ومعنى ذلك أنّ زيدًا مجموعُ هذه الصفات، وأنّ هذه الأوصاف
كلَّها قائمةٌ فيه. فوجودُ زيدٍ ليس مجرّدَ عروقٍ وعضلاتٍ وعظامٍ ولحم، بل هو
مجموعُ أعمال. ولو
صُوِّرت حياةُ زيدٍ في هيئةِ فيلمٍ تصويريّ، لكان اسمُ هذا الفيلم «وراءَ الشعور»
أي «اللاشعور»، أو كينونةُ «نورٍ مركّب» مشتملٍ على «الزمانِ غيرِ المتواتر». وهنا
يلزمُ فهمُ الزمانِ غيرِ المتواتر في كينونةِ زيد.
مثال:
إذا خطرَ لزيدٍ تصورُ الشمس، فمعناه أنّ ذهنَه قد أحاط —على نحوٍ غيرِ شعوريّ—
بنظامِ الشمس، فكأنّ النظامَ الكاملَ للشمس قد حضر في مقابلِ كينونتِه الداخليّة
(الرُّوح) في صورةِ فيلمٍ تصويريّ. وهذا الفيلمُ يشتملُ على تفاصيلِ نظامِ الشمس،
وهي في حقيقتِها لحظةٌ من «الزمانِ غيرِ المتواتر».
إذا طويت تفاصيل اللحظة
— أعني آثارها وأحوالها وكيفياتها وحوادثها — صارت لحظة واحدة من حياة زيد، وهذه
اللحظة هي لحظة الزمان المتواتر. ولهذه اللحظة أيضًا مستويان: أحدهما يقابل
الحواس، ويسمى «عالم الفطرة». ومجموع هذه اللحظات التي لا تحصى هو «زيد». وهو ذلك
الزيد الذي تدركه الحواس، فتراه وتلمسه وتعرفه. فكأن زيدًا فيلم مطوي محكم من عدد
لا يحصى من اللحظات — أي من عالم الفطرة — واسم هذا الفيلم المطوي هو «زيد المحسوس
المتجسم». وبعبارة أخرى: زيد عنوان لوحدة (Unit) من الزمان المتواتر.
وتفصيل هذا العنوان هو وحدة من الزمان غير المتواتر، وهي التي ينبغي أن تسمى
«ماهية زيد». ويمكن أن نقول أيضًا: إن وحدة الزمان غير المتواتر هي ماهية زيد.
وقد بينا أن الماهية هي
بسط النور، أو نور منبسط هو فيلم تصويري لأجزاء الوحدة. وفي هذا الفيلم مسجل كل
وهم، وكل خيال، وكل تصور، وكل إحساس لتلك الوحدة. ويمكن أن نعبر عن ذلك أيضًا بأن
لحظة الزمان المتواتر هي العنوان أو الجسم، ولحظة الزمان غير المتواتر هي فيلمه
التفصيلي. ومن الضروري أن نعلم أن لحظة الزمان غير المتواتر حاضرة أمامنا دائمًا،
ولكن الذهن لا يتوجه إليها، ولذلك تعد من الغيب.
مثال: عندما نرى شيئًا، فإن لحظة الزمان غير
المتواتر تقيس الفاصل الأوسط بين الشيء وبيننا في حال عدم علمنا قياسًا دقيقًا،
بحيث لا تنفصل إضاءة الشيء عن ذهننا قدر هباء، ولا يدخل الفاصل قدر هباء في سطح
الذهن. ولذلك نستطيع أن نرى الشيء. فلو انفصل الذهن عن الشيء قدر هباء، أو دخل فيه
قدر هباء، لغاب الشيء، ولما أمكننا رؤيته أبدًا.
أما الشعور المتواتر
ففيه تواتر، مثلًا:
لا يأتي يوم ما بعد الغد
حتى يمر يوم الغد، وكذلك لا يأتي شهر ذي القعدة بعد ربيع الأول حتى تمر الأشهر
الوسطى بينهما. أما الزمان غير المتواتر فليس مقيدًا بالترتيب. ومن أمثلته الرؤيا
(الحلم)، فإن الرائي قد يرى أحداثًا بعد عشر سنين دفعة واحدة، مع أن الفاصلة الوسطى
لم تمض بعد. وعلى هذا، فإن جميع حوادث الأزمنة يمكن مشاهدتها في الزمان غير
المتواتر، دون تقيد بشرط الماضي أو الحاضر أو المستقبل. ففي هذا الزمان موازين
تقيس الحوادث الكونية بغير ترتيب، فيمكن قياس الماضي والحاضر والمستقبل دون تعاقب.
وفي الرؤيا أو الخيال نستطيع أن نعيد زمنًا قد مضى منذ آلاف السنين، من غير أن
نلتفت إلى الفاصلة الوسطى. وهذه إحدى سطوح الزمان غير المتواتر التي سبق ذكرها،
وأما سطحه الآخر فهو مرتبط بذهننا دومًا ويعمل معه. فمثال ذلك أننا إذا رأينا
شخصًا كنا قد رأيناه قبل خمس وعشرين سنة، لا نحتاج إلى تذكر جميع الأحداث
المتتالية في تلك المدة، بل نعيد صورة وجهه إلى الذهن دفعة واحدة. والحقيقة أنه
يبقى محفوظًا في دائرة الزمان غير المتواتر، ويقوم الذهن بحذف جميع الفواصل الوسطى
لاستحضاره. وبعبارة أخرى: إما أن يدخل الذهن في دائرة الزمان غير المتواتر التي فيها
تلك الشخصية محفوظة، وإما أن تدخل تلك الدائرة في الذهن. ومن أمثلته أيضًا أننا
عندما ننزل الدرج، فإن مقياس الدرج — وهو مسجل مسبقًا في الزمان غير المتواتر —
يوجه خطواتنا بدقة، ولذلك لا نحتاج إلى التفكير الشعوري عند النزول. ولكن قد يحدث
أحيانًا أن تضطرب خطواتنا فنقع، وفي هذه الحالة يكون الذهن قد انفصل — لسبب ما —
عن دائرة الزمان غير المتواتر، فتنتقل القيادة إلى الزمان المتواتر، ومن ثم تقع
الأخطاء، لأن مقياس الدرج ليس مسجلًا فيه. وقد عبر القرآن عن الزمان غير المتواتر
بـ«علم الأسماء». فعلم الأسماء هو ذلك الشعور الذي سميناه في اصطلاحنا «الزمان غير
المتواتر»، أي أنه صفة إضافية له.
الصفة الذاتية للروح هي
الزمان الحقيقي، وفيه محفوظة جميع الأفلام التصويرية من الأزل إلى الأبد. وقد عبر
عنه في لسان القرآن بـ«اللوح المحفوظ». وهذا الزمان منقوش في «تجلي الذات»،
وحيثيته الذاتية هي «تجلي الصفات». وقد قال الله تعالى: «ونفخت فيه من روحي»، وهذه
الروح هي شعور الزمان الحقيقي. ويقع في مقابل هذا الشعور «تجلي الذات (علم القلم)»
و«تجلي الصفات (اللوح المحفوظ)»، وهما مرتبتان من مراتب عالم النور. وفي مرتبة
«تجلي الصفات» محفوظة جميع مدونات الزمان غير المتواتر والزمان المتواتر معًا.
و«تجلي الصفات» هو ذلك الشعور الذي تستمد منه الحياة كل من الشعور غير المتواتر
والشعور المتواتر. وفي لسان القرآن يسمى «تجلي الصفات» «عالم الأمر»، وأما
الزمانان الآخران فيسميان «عالم الخلق».
ولعالم الخلق مرتبتان:
إحداهما «عالم التمثال»، وهو الزمان غير المتواتر، والأخرى «عالم الفطرة»، وهو
الزمان المتواتر، وهو الذي يسمى أيضًا «العالم العنصري» أو «عالم التاريخ» أو
«عالم المظاهر».
قالَ اللهُ تعالى:
نَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (ق: 16)
وفي هذه الآيةِ ذُكِرَتْ
ثلاثُ مراتب: المرتبةُ الأولى مرتبةُ ذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِه، وهي الزمانُ
الحقيقيّ، أي شعورُ العلمِ الحضوريّ للهِ تعالى. والمرتبةُ الثانية مرتبةُ «حبلِ
الوريد»، وهي «الأنا» الإنسانيّة، أي شعورُ «علمِ الأسماء». والمرتبةُ الثالثة مرتبةُ
ذلك الذي أُشيرَ إلى حبلِ وريدِه، وهو الإنسانُ من حيثُ هو شيء، واسمُه الآخر
«الزمانُ المتواتر» . فالزمانُ المتواترُ هو
شعورُ الأفراد، وفي هذا الشعورِ يَعرِفُ كلُّ فردٍ من الكونِ —بل كلُّ ذرّة— نفسَه
ضمنَ حدودِ فرديّتِه. وأمّا الزمانُ غيرُ المتواتر فهو الشعورُ الكونيّ، وهو يعملُ
في الأفرادِ على نحوٍ غيرِ شعوريّ.
والزمانُ الحقيقيّ هو
علمُ اللهِ تعالى (العلمُ الحضوريّ)، وهو الشعورُ الذي يَعمَلُ في كلِّ ذرّةٍ من
ذرّاتِ الكون. فإذا عملَ هذا الشعورُ في الكونِ عَرَفَهُ الكونُ على أنّه شعورُه
الذاتيّ، وإذا عملَ في الذرّةِ عرَفَتْهُ الذرّةُ على أنّه شعورُها الفرديّ. فما دامَ هذا الشعورُ
متجاوزًا للكونِ فهو «زمانٌ حقيقيّ»، فإذا سَرَى في الكونِ سُمِّي «زمانًا غيرَ
متواتر»، وإذا تحرّكَ في الذرّةِ صار «زمانًا متواترًا». وفي قوله تعالى: «اللَّهُ
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ» أُشيرَ إلى هذا الشعورِ باسمِ «النور».
وفي ذاتِ الإنسانِ تعملُ
مراتبُ هذه الشعوراتِ الثلاثة. وقد قال اللهُ تعالى:
وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ
المُحْسِنِينَ (العنكبوت: 69)
وقد أشارَ اللهُ تعالى
في هذه الآيةِ إلى الزمانِ الحقيقيّ والزمانِ غيرِ المتواتر معًا. فالذين يطلبونَ
اللهَ تعالى تنكشفُ لهم هاتانِ المرتبتان، وتحدثُ في ذواتِهم يقظةٌ تجعلُهم
يُدرِكونَ هذينِ الزمانين ويشعرونَ بهما في نطاقِ الزمانِ المتواتر. وكثيرًا ما تنكشفُ لهم
أمورٌ كانت قد انتقلتْ من الزمانِ الحقيقيّ إلى غيرِ المتواتر، أو من غيرِ
المتواتر إلى المتواتر، أو ستنتقلُ في المستقبل. وقد ترى أبصارُهم، وتُدرِكُ
أفهامُهم، وتُحِسُّ مشاعرُهم —في بعضِ الأحيان— معالمَ الماضي والحاضر والمستقبل
معًا، ثمّ تميّزُ أفهامُهم بين حركاتِ هذه الأزمنةِ الثلاثة. فالزمانُ
المتواترُ متّصلٌ في كلِّ طرفٍ من أطرافِه بالزمانِ غيرِ المتواتر، والزمانُ غيرُ
المتواتر متّصلٌ في كلِّ طرفٍ من أطرافِه بالزمانِ الحقيقيّ.
كلُّ شيءٍ موجودٍ في
الوقت الحاضر هو وحدة (Unit) من الزمان المتواتر. لا
يمكن أن يكون خارج دائرة الحياة قبل أن يوجد، لأن الشيء الذي هو خارج دائرة الحياة
لا يملك قابلية الدخول فيها. فالشجرة
التي نمت نموًا كاملًا وظهرت أمامنا، كانت موجودة في باطن أسلافها. وبعبارة أخرى:
باطن أسلاف الشجرة هو الذي تَشكَّل في صورة الظاهر فأصبح شجرة. وباطن أسلاف الشجرة
هو الزمان غير المتواتر.
وقد ذكر الله تعالى
تركيب الكون في القرآن الكريم بقوله:
«الذي خلق فسوى والذي قدر
فهدى»
أي أن الله تعالى خلق،
وأعطى الحس المشترك، وقدر، ثم هدى.
الشرح:
إن وجود أي شيء في حقيقته هو مجموع التقاضيات المركوزة في طبيعته، أي أن الشيء
كأنه غلاف مملوء بهذه التقاضيات، ويمكن تشبيهها بالمقاييس. وهذا هو المرحلة الأولى
من الخلق.
والمرحلة الثانية هي
الحس المشترك، وهو طريقة استعمال هذه المقاييس، أي كيفية استخدام تلك التقاضيات.
والمرحلة الثالثة هي
قانون نتائج الاستعمال. فمثلًا النار تحرق، فإذا ألقي شيء في النار احترق، والماء
يبلل، فإذا وضع شيء في الماء ابتل. وهذا هو قانون نتائج الاستعمال.
والمرحلة الرابعة هي
الحصيلة. فإذا استُعمل الشيء لهدف نافع كان ذلك العمل حسنًا، وإلا عُدَّ عملًا
سيئًا أو غير مفيد. وكلا الفعلين لهما نتيجة، وتسمية هذه النتيجة نافعة أو ضارة هو
ما يسمى «الهداية».
عندما يستعمل الإنسان
تقاضياته استعمالًا صحيحًا، وتظهر منها نتائج نافعة لنوع الإنسان، ينبثق في طبيعته
ينبوع إخلاص للنوع الإنساني. وهذا الينبوع ينمي فكره حتى يبلغ مقامًا يبدأ فيه
بفهم تقاضيات النوع الإنساني الكلية والإحساس بها. ثم يتجاوز الفكر الإنساني هذا
المقام ليصل إلى آفاق أوسع تنكشف له فيها تقاضيات الكون الكلية. وبعد ذلك يبقى له خطوة
أخرى، وفي هذه الخطوة يتعرف الفكر الإنساني إلى ما وراء الكون. وهذه المعرفة هي
حقيقة الوعي والمعرفة الإلهية. وعند هذا المقام يدرك الإنسان الزمان غير المتواتر
والزمان الحقيقي معًا. وانكشاف
تقاضيات الكون الكلية يوقظ في الإنسان شعور الزمان غير المتواتر، وتسمى هذه الحالة
في اصطلاح التصوف «الجمع»، وأما تمركز الفكر الإنساني في ما وراء الكون فيسمى «جمع
الجمع». وهذه المركزية توقظ شعور الزمان الحقيقي.
متشابه:
قد يظن من يتفكر في هذه المسألة أن الكون وفرد الكون شيئان منفصلان، وهذا مجرد
تشابه. والحقيقة أن الكون هو مجموع إثبات ونفي أي فرد من أفراده.
فإذا كان أمامنا وردة،
فإن هذه اللحظة — والمقصود باللحظة أصغر جزء منها، أي جزء لا يتجزأ في تصورنا — لا
يكون فيها إلا الوردة، أي يكون في ذهننا وجود الوردة وعدم غيرها. ففي تلك الحال لا
يكون أمامنا إلا إثبات وجود الوردة، ويكون مركز فكرنا منصبًا عليها دون سواها.
عندما يكون أمامنا وردٌ،
فإن هذه اللحظة — والمقصود باللحظة أصغر جزء منها، أي الجزء الأدنى الذي يمكن
تصوره، كجزء من مليون جزء من اللحظة أو أقل، وهو ما يمكن أن نسميه في تصورنا أصغر
فاصلة ممكنة، أي تلك الفاصلة التي لا يمكن تصور ما هو أصغر منها — فلا
يكون هناك شيء غير الورد، أي إن في ذهننا وجود الورد وعدم غيره. وفي هذه الحال لا
يكون أمامنا إلا إثبات وجود الورد، ولا يكون مركز فكرنا منصبًا على شيء سواه. نعدّ الكون في هذه
اللحظة الخاصة وحدة واحدة (Unit)، وهذه الوحدة اسمها «الورد». وما لم نترك
هذه الوحدة ونصرف الذهن عنها، لا نستطيع أن نقيم ارتباطًا مع وحدة أخرى. وفي الزمان المتواتر،
أيّ لحظة نحلل فيها فكرنا، لا نستطيع أن نتعرف إلا على فرد واحد من الكون، فنسمّي
هذا الفرد وحده الكون كله. ولا نستطيع أن ندرك هذا الفرد أو نشاهده ما لم تسقط من
وعينا سائر أفراد الكون غيره. ومن هنا يتبين قانون الإدراك بالحواس. فنحن لا نستطيع أن ندرك
في آن واحد إلا شيئًا واحدًا، بعد نفي جميع الأشياء الأخرى. وإذا بُيّنت هذه
الحقيقة بشيء من التفصيل، لزم القول إن للذهن جهة واحدة فقط، وفي هذه الجهة وحدها
تتحرك تقاضياتنا الطبيعية. فلا نستطيع أن نرى يمينًا ولا يسارًا، ولا أمامًا ولا
خلفًا، ولا فوقًا ولا تحتًا؛ فهذه الجهات الست من نتاج القياس، والحقيقة أن الجهة
هي فقط تلك التي تسير إليها تقاضيات الذهن. وهذه الجهة هي التي تسمى الزمان
المتواتر (Serial-Time). وفي
ملاحظاتنا اليومية نختبر هذا الزمان تحت اسم الإدراك بالحواس. ويُظن أن الزمان
يمضي، والحقيقة أنه لا يمضي، بل يُسجَّل. فكأننا لا نجد في الزمان إلا تلك الحوادث
(الأشياء) التي يكون عنوانها حاضرًا في أذهاننا بكامل معناها. وقد سمّى القرآن هذا
الزمان «كتابًا مرقومًا»، وهو «علم الأسماء». ولنا كامل الصلاحية في
أن نطلق اسمًا على أي معنوية، غير أننا قبل تسميتها لا نستطيع إلا أن ندركها في
صورة مرئية أو غير مرئية، سواء ظهرت في هيئة خيال أو في صورة شهود. وفي كلتا
الحالتين تنطبع هذه الصورة، وهذا الانطباع هو صورة الإدراك بالحواس. وعليه، فإن القيم التي
يملكها المشاهدة يملكها الخيال أيضًا. وهذا الخيال يسافر من السطح الداخلي للذهن
إلى سطحه الخارجي، فيتجلى في صورة مظاهر.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
بمصداقِ
القول: «گفتۂ او گفتۂ الله بود، گرچہ از حلقومِ عبد الله بود»،
«قَولُهُ قَولُ اللهِ، وإن خرجَ من حلقِ عبدِ الله»
فإن كلَّ لفظٍ
خرج من اللسانِ الفيضِ الترجمان لحضرةِ قلندر بابا أولياءؒ،
حاملِ العلمِ اللدني، والواقفِ على أسرارِ «كن فيكون»، وشيخي الكريم، و"ابدال
حق، حسن أُخرىٰ محمد عظيم برخياؒ،
كان يرتسم على لوح
ذهني بتصرّفٍ روحانيٍّ مباشرٍ من حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
نفسها...ثم تحوّلت هذه الكتابة الإلهامية، من لسان حضرةِ قلندر بابا أولياءؒ
المبارك، وبقلم هذا العاجز، إلى
الورق، حتى صارت كتاب «لوح والقلم».وهذه العلوم الروحانية التي عندي هي ميراثٌ لنوعُ
الإنسانِ ونوعُ الجان.وأنا أودع هذه الأمانة عند الكبار، وعند الجيل الحاضر والآتي
من الإنسان والجنّات.