Topics
إنّ قانون الروحانيّة، أي «علم ما وراء النفس»، يبيّن لنا أنّ الإنسان
مركّبٌ من ثلاث طبقات: الصفات، والذات، والطبقة الثالثة التي ترسم خطَّ التمييز
بين الذات والصفات. وتُسمّى هذه الجهة الفاصلة «التخليط» أو «الجسد الترابيّ».
والجسد الترابيّ هو اسم هذا القالب الذي يُسمّى في العرف العام «الإنسان». ولكلّ
طبقةٍ إحساساتٌ مستقلّةٌ متميّزة عن الأخرى.
فطبقة الذات هي النقش الذي يحوّل الوهمَ والخيال إلى تصوّر وينقله إلى
الذهن، ثمّ يُلبس الذهنُ التصوّراتِ لباسَ المعاني ويعطيها معنى الفرح والحزن.
فإذا قُدّمت إليه معلوماتٌ تتعلّق ببستانٍ جميل، بدأت تظهر فيه الأنوار الملوّنة،
وعواصف الروائح، وتصوّرات الجمال.
وفي العرف العام يُسمّى البناءُ العصبيّ والعضليّ والهيكلُ العظميّ
إنسانًا، غير أنّ هذا ليس هو الإنسان الذي تسمّيه القدرة الإلهيّة إنسانًا.
فالإنسان المركّب من اللحم والجلد والعروق والعضلات يمكن أن نسمّيه لباسَ الإنسان
الحقيقيّ. وما دام الإنسان، أي الروح، موجودًا، بقي اللباس موجودًا، فإذا قطع الإنسان
علاقته بهذا اللباس ـ وهو ما نسمّيه الموت ـ لم تبقَ في الجسد المادّيّ أيُّ حركة.
وقد جعل الله تعالى لكلّ شيءٍ صيغًا تخليقيّة، وكلُّ صيغة تعمل وفق مقادير
محدّدة. وفي الجزء الثلاثين من القرآن الكريم جاء:
﴿إِنَّا
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
[القمر: ٤٩]
والإنسان الحقيقيّ هو الروح، ومن الظاهر أنّ الروح منزّهةٌ عن الاضطراب
والصراع والشعور بالحرمان والأمراض. والروح تُنشئ بين نفسها وبين الجسد وسيطًا،
ويمكن أن نسمّي هذا الوسيط إنسانًا غير مرئيّ بين الروح والجسد الإنسانيّ. وهذا
الإنسان غير المرئيّ أيضًا صاحبُ اختيار، وله القدرة على أن يُلبس المعلوماتِ التي
تمنحها الروح معانيَ بحسب إرادته.
وكما تعمل الصيغ المحدّدة في الروح وفي كلّ ما يتخلّق من الروح، كذلك يعمل
الجسد غير المرئيّ الكائن بين الروح والجسد وفق صيغٍ محدّدة. وفيه تعمل مليارات
الصيغ، ويمكن تقسيمها إلى أربعة عناوين:
١ ـ طاقة الماء (Water Energy)
٢ ـ الطاقة الكهربائيّة (Electric Energy)
٣ ـ الطاقة الحراريّة (Heat Energy)
٤ ـ طاقة الرياح (Wind Energy)
ويعمل داخل الإنسان دماغان: الدماغ الأوّل يستقبل المعلومات مباشرة،
والدماغ الثاني يُلبس هذه المعلومات معاني بحسب مصلحته. فإذا اعتاد هذا الدماغ
إلباس المعلومات معانيَ خاطئةً أو غير واضحة أو هدّامة، بدأ الخلل يقع في المقادير
المحدّدة، وفقدت الطاقات المذكورة خصائصها الصحيحة، وإذا اختلّ التوازن بينها ظهرت
الأمراض المختلفة في الجسد.
وللذهن الإنسانيّ مستويان: أحدهما يربط الحركة الذهنيّة للفرد بالحركة
الكونيّة، أي ينقل إرادات الفرد وإحساساته إلى الإرادات والإحساسات الكونيّة
الشاملة. وهذان المستويان من الذهن يُنشئان نوعين من الحواس.
فيمكن تسمية الحواس الناتجة من المستوى الأوّل «الحواس الإيجابيّة»،
والحواس الناتجة من المستوى الثاني «الحواس السلبيّة». وفي دماغ كلّ إنسان ألفا
مليار خلية أساسيّة، ويحيط بكلّ خلية خمس خلايا أخرى، وبهذا يكون في الدماغ اثنا
عشر ألف مليار خليّة عاملة.
وفي الحقيقة، الحواس الإيجابيّة هي نوعٌ من تقسيم الحواس، وأجزاء هذا
التقسيم هي أعضاء الجسد، ولذلك تعمل هذه القسمة في وظائفنا الجسديّة؛ ففي الوقت
نفسه ترى العين شيئًا، وتسمع الأذن صوتًا، وتنشغل اليد بشيءٍ ثالث، وتقيس القدمان
شيئًا رابعًا، وتتذوّق اللسان شيئًا خامسًا، وتشمّ الأنف شيئًا سادسًا، بينما تمرّ
في الدماغ خواطرُ كثيرة أخرى. وكلّ هذا من عمل الحواس الإيجابيّة.
أمّا في الحواس السلبيّة، فإنّ التحرّكات لا تتعلّق بإرادة الإنسان، فمثلًا
في المنام تعمل الحواس المذكورة كلّها، مع أنّ أعضاء الجسد تبقى ساكنة.
ومن سكون الأعضاء الجسديّة يُعلم أنّ اجتماع الحواس قائمٌ في نقطةٍ ذهنيّة
واحدة، والحركة التي تقع في هذه النقطة أثناء المنام هي نفسها التي تتوزّع في حالة
اليقظة داخل الأعضاء الجسديّة. وقبل هذا التوزيع يمكن تسمية هذه الحواس «حواسّ
سلبيّة»، وبعد توزيعها في الأعضاء الجسديّة يكون من الصحيح تسميتها «حواسّ
إيجابيّة». ومن الجدير بالتفكّر أنّ الحواس السلبيّة والإيجابيّة لا يمكن أن
تستقرّا في مستوىً واحد، بل لا بدّ من التسليم بأنّ قيامهما في مستويين من مستويات
الذهن.
وفي اصطلاح التصوّف يُسمّى المستوى السلبيّ «نسمه مفرد»، والمستوى
الإيجابيّ «نسمه مركّب».
والنسمه المركّب اسمٌ لحركةٍ تقع بتواتر، أي لحظةً بعد لحظة، وفي هذه
الحركة ترتيبٌ يُنشئ المكانيّة، فكلُّ لحظةٍ مكان، وكأنّ المكانيّة كلّها مقيدةٌ
باللحظات.
واللحظات تتحرّك في مستويين معًا؛ ففي أحدهما تقع الحركة منفصلةً في كلّ
شيءٍ من أشياء الكون، وهذه الحركة تُنشئ الشعور الذي يُبقي الشيءَ داخل دائرة
وجوده المنفرد. أمّا المستوى الثاني، فالحركة فيه جاريةٌ في جميع الأشياء الكونيّة
معًا، وهي التي تُنشئ الشعور الجامع لجميع الأشياء في دائرةٍ واحدة.
ففي المستوى الأوّل من اللحظات تكون أفراد الكون منفصلةً، أي إنّ شعورها
منفصل، أمّا في المستوى الثاني فإنّ شعور جميع أفراد الكون مركّزٌ في نقطة واحدة.
فالمستوى الأوّل هو الشعور الفرديّ، والمستوى الثاني هو الشعور الجماعيّ.
وقد تعرّف العلم الحديث إلى الأنظمة المجرّيّة والشمسيّة، وإلى علاقة
أنوارها بأرضنا وتأثيرها في الإنسان والحيوان والنبات والجماد، غير أنّ العلم لم
يُحط بعدُ علمًا كاملًا بكيفيّة عمل أنوار الأنظمة الشمسيّة داخل الإنسان والنبات
والجماد، وكيف تُغيّر أحوالها.
ويعتقد العلم أنّ أساس كلّ شيءٍ في الأرض قائمٌ على موجة، موجةٍ لا يمكن أن
تُسمّى إلّا نورًا، وأنّ الكون كلَّه ليس إلّا مظاهر مختلفة لقوّةٍ واحدة. ومن حيث
إنّ الإنسان متميّز في الكون، ينبغي أن يتفكّر: ما هذه الموجة؟ وما هذا النور؟
وقد قال عيسىٰ عليه السلام:
“God said light and there was light”
أي: «قال الله: نور، فكان النور».
وعبّر القرآن الكريم عن هذا المعنى بقوله:
﴿اللَّهُ
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[النور: ٣٥]
أي إنّ السماوات والأرض والنور قائمةٌ مباشرةً بالذات المطلقة. وإذا كانت
الملائكة والجنّ والإنسان والحيوان والنبات والجماد قائمةً على الأنوار والأمواج،
فالمعنى الواضح أنّ الموجودات كلَّها مظاهرُ لنور الله، وهذا النور نفسه هو الذي
سمّته الأديان «الروح».
خواجۃ شمس الدين عظيمي
لقد صدق من قال من كبار الناس إن كل إنسان لابد أن يكون له هدف
لحياته و إلا لايعد من الإنسان مع كونه من ذرية آدم. و مما يجدر بالذكر أن الله
عرف آدم بآدم نفسه و دعاه بكلمة آدم إلى
أن شرفه بعلوم صفاته و أسرار الكون فقال للملائكة بأن يخضعوا لحكمه. وإذا يذكر
الله تعالى التخليق في القراآن يأتي بأنواع من الأمثلة لتوضيح نظام التخليق كما
أنه يقول عن خلق الإنسان:
"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (سورة التين )