Topics
فقال لهم نوح عليه السلام:
«لو هممتُ فقط بتحقيق رغبتكم هذه، لما وجدتُ ملجأً من
عذاب الله. إنّ الله يقدّر الإخلاص، وكلُّ الناس عبادُه، والله لا يحبّ الكِبر
والتعالي، بل يحبّ الأخلاق والتواضع. لقد جئتكم بالهداية، وأنا رسولٌ مرسلٌ من
الله، ودعوتي إلى توحيد الله هي غايتي. أمّا النظام الرأسماليّ فهو من صنع البشر،
وليس للدين به علاقة، كما أنّ الله لا يبعث الملائكة رسلًا لهداية الناس. وإنّ
هؤلاء الفقراء الذين آمنوا بالله بإخلاص تحتقرونهم لأنّهم لا يملكون كنوز الأموال.
واعلموا أنّ السعادة في الدين والدنيا ليست تابعةً للمال والجاه، بل السعيد من
وُفّق للإخلاص والعمل الصالح، ونال سكينة القلب وطمأنينة النفس ورضا الله».
وكان الفاسقون يدخلون مجلسه بالقوّة، ويفسدون المجالس
ويؤذون الحاضرين، ويحاولون بكلّ وسيلةٍ أن يمنعوه من تبليغ الدين.
﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾
[الشعراء: ١١٦]
﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾
[القمر: ٩]
وفي حملة الإيذاء هذه أصبحت زوجتُه نفسها مؤيّدةً
للمشركين.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ
عَلَيْكُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً ۖ مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾
[المؤمنون: ٢٤-٢٥]
وكان نوح عليه السلام يقول لهم مرارًا:
«لا أطلب منكم مالًا، ولا أريد جاهًا ومنصبًا، ولا أطلب
أجرًا، فأجري عند الله، وهو خيرُ من يجزي».
واستمرّ نوح عليه السلام في دعوته، لكنّ قومه لم يتركوا
الكفر والعناد، بل كلّما زادهم دعوةً ازدادوا بغضًا وعداوة، واستعملوا كلَّ أنواع
الأذى والإهانة، وأصرّ أهلُ الضلال على المحافظة على تقاليد آبائهم بعنادٍ
واستكبار.
﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا
تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾
[نوح: ٢٣]
وقالوا لنوح عليه السلام:
﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا
فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
[هود: ٣٢]
فقال لهم نوح عليه السلام:
﴿إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ
شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾
[هود: ٣٣]
تسعمئةٍ وخمسون سنة:
ولمّا يئس نوح عليه السلام من قومه، بعدما غطّاهم
العنادُ والضلال، حزن حزنًا شديدًا.
وقد لبث نوح عليه السلام يدعو قومه تسعمئةٍ وخمسين سنة،
فلم يؤمن معه إلّا أربعون شخصًا، وفي بعض الروايات ثمانون. فسلّاه الله تعالى،
وأخبره أنّ الحزن على أعمال الكافرين لا فائدة منه، وأنّه أدّى ما عليه، وأنّ من
كان مقدّرًا له الإيمان فقد آمن.
ولمّا علم نوح عليه السلام أنّه لم يُقصّر، وأنّ الذنب
ذنب قومه، دعا ربَّه:
﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ
الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ
يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ
بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ
إِلَّا تَبَارًا﴾
[نوح: ٢٦-٢٨]
فاستجاب الله دعاء نوح عليه السلام، وأمره أن يصنع سفينةً
لينجو المؤمنون من العذاب القادم على العصاة. فبدأ يصنع السفينة من ألواح الخشب.
ووفقًا لرواية الإنجيل، كان طول السفينة ثلاثمئة ذراع،
وعرضها خمسين ذراعًا، وارتفاعها ثلاثين ذراعًا. والذراع وحدةُ قياسٍ قديمة، وقدّر
الباحثون من خلال النِّسَب المذكورة أنّ طول السفينة كان نحو ٤٥٠ قدمًا، وعرضها ٧٥
قدمًا، وارتفاعها ٣٠ قدمًا.
وتذكر بعض النسخ القديمة من الإنجيل أنّ جانبي السفينة
كانا يرتفعان تدريجيًّا حتّى يقتربا من بعضهما، فلا يبقى في الأعلى إلّا ذراعٌ
واحد.
وكانت السفينة متعدّدة الطوابق، ويرى خبراء صناعة السفن
في العصر الحديث أنّها كانت نموذجًا متقدّمًا جدًّا في التكنولوجيا البحريّة، وأنّ
أبعادها كانت مثاليّةً لمقاومة الرياح العاصفة، والمياه الهائجة، والأمطار،
والطين، والوحل.
وقد صنع شخصٌ يُدعى I.K.
Brunel سنة 1842
سفينةً تُسمّى «Great Britain» بالمقاييس نفسها تقريبًا، وقامت بمئات الرحلات البحريّة الناجحة، وصمدت
أمام عواصف كثيرة. وما تزال ناقلات النفط الكبرى تُصنع على هذا النمط.
وتكشف الآية ٤١ من سورة يس أنّ الإنسان قبل ذلك لم يكن
يعرف كيف يقطع الأنهار والبحار، ولذلك كانت سفينة نوح عليه السلام أوّل سفينةٍ في
تاريخ البشر.
وقد منح الله نوحًا عليه السلام هذا العلم، وكانت
السفينة التي صنعها قبل آلاف السنين آيةً من آيات التكنولوجيا المتقدّمة، ولا يزال
هذا الفنّ ينتقل من جيلٍ إلى جيل.
وكان الكفّار يسخرون منه وهو يصنع السفينة، ويستهزئون به
كلّما مرّوا به، حتّى اكتمل بناء السفينة، واقترب موعد العذاب، فرأى نوح عليه
السلام أوّل علامةٍ للعذاب حين بدأ الماء يفور.
فأُمر أن يركب السفينة مع المؤمنين، وأن يحمل فيها من
كلّ زوجين اثنين. فلمّا تمّ تنفيذ الأمر الإلهيّ، أُمر المطر أن يهطل، وأُمرت عيون
الأرض أن تتفجّر.
وفي ذلك الطوفان العظيم ظلّت السفينة تجري بأمان،
واستمرّت الرياح والأمطار زمنًا طويلًا حتّى غرق جميع منكري التوحيد، وجرى عليهم
قانون الجزاء.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
لقد صدق من قال من كبار الناس إن كل إنسان لابد أن يكون له هدف
لحياته و إلا لايعد من الإنسان مع كونه من ذرية آدم. و مما يجدر بالذكر أن الله
عرف آدم بآدم نفسه و دعاه بكلمة آدم إلى
أن شرفه بعلوم صفاته و أسرار الكون فقال للملائكة بأن يخضعوا لحكمه. وإذا يذكر
الله تعالى التخليق في القراآن يأتي بأنواع من الأمثلة لتوضيح نظام التخليق كما
أنه يقول عن خلق الإنسان:
"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (سورة التين )