Topics

السرّ التخليقيّ بين المؤنّث والمذكّر:

 

يرى الباحثون أنّ القرآن الكريم لا يذكر خلق حوّاء فقط، بل يُظهر حقيقةً تتعلّق بخلق المرأة، وهي أنّها جزءٌ من الرجل نفسه. ويمكن فهم ذلك بأنّ وجود المرأة كان كامنًا داخل آدم عليه السلام، فلمّا شاء الله أن يظهر الوجهان الكامنان في آدم، فصل وجود المرأة عنه.

ويقول علماء الباطن إنّ كلَّ شيء هنا مركّبٌ من وجهين. فوجود الرجل قائمٌ أيضًا على وجهين، وكذلك وجود المرأة قائمٌ على وجهين. فالرجل مستورٌ داخل المرأة، والمرأة مستورةٌ داخل الرجل. ولو لم تكن حوّاء موجودةً في آدم، لما أمكن ظهور حوّاء. والمثال الثاني هو ظهور آدم من داخل حوّاء، وهو الذي سمّته الكتب السماويّة «عيسىٰ».

وكلُّ فردٍ مركّبٌ من طبقتين؛ طبقةٌ ظاهرةٌ وغالبة، وطبقةٌ مغلوبةٌ ومستورة. سواءٌ كان الإنسان رجلًا أو امرأةً، فهو مركّبٌ من وجهين: وجهٍ ظاهر ووجهٍ باطن.

فالمرأة تظهر لنا في ملامح المرأة الظاهرة، أمّا وجهها الباطن فلا يُرى. وكذلك الرجل، فإنّ وجهه الظاهر يتمثّل في ملامح الرجل، أمّا وجهه الباطن فيبقى مستورًا. ومعنى ذلك أنّ الرجل بوصفه رجلًا هو الوجه الظاهر، والمرأة بوصفها امرأةً هي الوجه الظاهر. والوجه الباطن المقابل للوجه الظاهر عند الرجل هو «المرأة» الملتصقة به، والوجه الباطن المقابل للوجه الظاهر عند المرأة هو «الرجل» الملتصق بها.

وقانون التناسل والجاذبيّة الجنسيّة قائمٌ على هذين الوجهين. فالرجل الكامن داخل المرأة مغلوب، ولم يظهر في صورةٍ غالبةٍ كاملة، ولذلك يريد أن يحصل على الوجه الغالب الكامل ويضطرب للاندماج فيه. وكذلك الطبقة المستورة داخل الرجل، وهي «المرأة»، لمّا كانت مغلوبةً وغير كاملة، فإنّها تريد هي أيضًا أن تتعانق مع الوجه الظاهر للمرأة لتنال كمالها.

ويقول علماء الباطن إنّه إذا استقرّت المركزيّة الذهنيّة ـ بحسب قانون القدرة ـ على أحد الوجهين، وتحركت الروح داخل الإنسان، وهي التي سمّاها القرآن الكريم «أمر الرب»، فإنّ الطبقة المغلوبة تتشكّل.

وهذا هو الحال نفسه الذي وقع لآدم عليه السلام.

هابيل وقابيل:

كان هابيل وقابيل ابني آدم عليه السلام. ولم يذكر القرآن الكريم اسميهما، وإنّما قال: «ابنا آدم». أمّا التوراة فقد ذكرت هذين الاسمين.

وجاءت رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنّ العادة في زمن آدم عليه السلام، من أجل تكثير النسل البشريّ، كانت أن يُزوَّج الذكرُ من التوأم بالأنثى التي وُلدت في بطنٍ آخر. ووفق هذا النظام وقع أمر زواج قابيل وهابيل. وكان قابيل أكبر سنًّا، وكانت أخته «أقليما» أجملَ من أخت هابيل «غازة»، ولذلك كان يشقّ عليه أن تُزوَّج أخته من هابيل بحسب النظام الجاري.

ولأجل إنهاء هذا النزاع، قرّر آدم عليه السلام أن يقدّم كلٌّ منهما قربانًا لله، فمن قُبل قربانه كان أحقّ بتحقيق مراده.

وبحسب التوراة، كان النظام الإلهاميّ للقربان في ذلك الزمان أن تُوضع النذور في موضعٍ مرتفع، ثمّ تنزل نارٌ من السماء فتحرق القربان المقبول. فقرّب هابيل كبشًا سمينًا من غنمه، وقرّب قابيل حبوبًا رديئةً من زرعه. ووفق الروايات قُبل قربان هابيل.

فلم يستطع قابيل تحمّل هذه الإهانة، وقال لأخيه في شدّة الغضب: لأقتلنّك حتّى لا تبلغ مرادك. فأجابه هابيل:

«أنا لن أرفع عليك يدًا، فافعل ما تشاء. أمّا القربان، فإنّ الله لا يقبل إلّا من صاحب النيّة الصالحة، ولا تنفع عنده التهديدات وسوء الغضب».

غير أنّ هذا النصح زاد قابيل اشتعالًا، فقتل أخاه هابيل.

وبعد القتل بقي قابيل متحيّرًا ماذا يصنع بالجسد، إذ لم يكن نسل آدم قد عرف الموت من قبل، ولذلك لم يكن آدم عليه السلام قد بلّغ حكمًا إلهيًّا في شأن الميّت. وقد ذكر القرآن الكريم أنّ قابيل تعلّم الدفن من الغراب؛ فقد رأى غرابًا يحفر الأرض بمنقاره، وفي بعض الروايات أنّ غرابًا دفن غرابًا ميتًا، فلمّا رأى قابيل ذلك قال:

﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾

[المائدة: ٣١]

ثمّ دفن جثمان أخيه وهو مملوءٌ ندمًا وحسرة.

ومن هذا الحدث تظهر طريقتان من التفكير: طريقةٌ شيطانيّة، وطريقةٌ رحمانيّة. فطريقة قابيل كانت شيطانيّة، أمّا طريقة هابيل فكانت رحمانيّة. والغضب انعكاسٌ للطريقة الشيطان، أمّا الحلم والصبر فهما أثرٌ للطريقة الرحمانيّة. وكلُّ عملٍ يقع تحت تأثير الطريقة الشيطان هو خسران، بينما الأعمال التي تتمّ تحت الطريقة الرحمانيّة خيرٌ كلُّها.

وبحسب التوراة، عاش آدم عليه السلام تسعمئةٍ وثلاثين سنة، وتعرّفت البشريّة في زمانه إلى علم الطبّ، وعلم الحساب، وعلم الموسيقى، كما بدأت الزراعة على الأرض لأوّل مرّة على يده.

«فأخرجه الربُّ الإلهُ من جنّة عدن ليعمل الأرض التي أُخذ منها».

[التوراة]

وبعد نزوله إلى الأرض بدأ آدم عليه السلام الزراعة من أجل المعيشة. وقد اكتشف علماء الآثار أنّ أوّل الأدوات والأسلحة كانت مصنوعةً من الحجر، وتنتمي إلى العصر المعروف بالعصر الحجريّ.

وقد وضع آدم عليه السلام أساس أوّل حضارة على الأرض، وهو أوّل من صنع الأدوات والأسلحة من الحجارة، كما أنّ استعمال النار من مكتشفاته أيضًا.

ورُزق آدم عليه السلام وحوّاء عليها السلام أولادًا كثيرين، وكان ثالث أولادهما بعد هابيل وقابيل «شيث».

والمعنى اللغويّ لكلمة «شيث» هو «عطيّة الله». وكان أوّل نبيّ بعد آدم عليه السلام. وقد ورد في سفر التكوين، الإصحاح الرابع، أنّه كان على صورة آدم وهيئته. وعاش تسعمئةٍ واثنتي عشرة سنة، قضى منها مئةً واثنتي عشرة سنة في مقام النبوّة.

وكان يعلّم الصلح والمسالمة، وكانت الأمّة شديدةَ المحبّة له، وبعد وفاته أيضًا ظلّت أمّتُه متمسّكةً بتعاليمه تمسّكًا شديدًا.


 


محمد رسول الله الجزء الثالث

خواجۃ شمس الدين عظيمي

لقد صدق من قال من كبار الناس إن كل إنسان لابد أن يكون له هدف لحياته و إلا لايعد من الإنسان مع كونه من ذرية آدم. و مما يجدر بالذكر أن الله عرف آدم بآدم نفسه و  دعاه بكلمة آدم إلى أن شرفه بعلوم صفاته و أسرار الكون فقال للملائكة بأن يخضعوا لحكمه. وإذا يذكر الله تعالى التخليق في القراآن يأتي بأنواع من الأمثلة لتوضيح نظام التخليق كما أنه يقول عن خلق الإنسان:

"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (سورة التين )