Topics

مفاسد السوق السوداء

إذا وضع الإنسان قدمه على عتبة الحياة فإنما يضع قدمه انطلاقا من فكرة معينة وهي أن تأتي له هذه الفكرة بناتج جيد يتمتع به ويقضي أيام الحياة معه، كما أنه قد تعترضه بعض المشاكل فيندفع مع فكرة أخرى وهي أن يحل مشاكله التي تعتريه كل حين على وفقها وعليه أن يجعل حياته في المستوى الأفضل في ضوء تجارب أسلافه ومن هو أكبر منه.

والله تعالى ربنا وهو أكبر من كل كبير وأصدق من كل صديق وأعطف المتعاطفين معنا فقد شرع لنا أولا من القوانين ما يحسن حياتنا وتلاه بإبلاغنا إليه بواسطة رسله وأنبيائه قاصدا خيرنا وفلاحنا، ولما انتهى مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا من الأنبياء والرسل الكرام من أداء رسالتهم الإلهية إلى بني البشر، أعطى الله تعالى تلك المجموعة التشريعية مسحة نهائية وختمها حتى لا تعبث بها يد عابث، فحبيبنا هو الله تعالى رب العالمين وحبيبه هو نبينا رحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم، فلما بعثه الله تعالى إلى البشرية جمعاء وضع كافة الشرائع التي أتى بها الأنبياء السابقون نصب عينية ووضع في الحسبان ما اجترأت عليه أممهم من التحريف والتبديل فوضع قانونا يصحح كافة البشرية لغزارة معطياته، وطبق نفس القانون على كل بوصة من مسيرة حياته ليكون أسوة لغيره.

وحبيب الله رب العالمين هو نبينا رحمة للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم، فحياته صلى الله عليه وسلم عبارة عن كل الشؤون والمراحل التي يجتازها البشر إلى يوم البعث، وحياته على وجه الجملة سيرته، ومن براعة هذه السيرة أنها ترشد الإنسان في كل منعطف من منعطفات الحياة وإن حياته الطبية لم تبق ولن تبقى حكرا على طائفة خاصة أو جنسية خاصة أو دولة خاصة أو عهد خاص، فحياته وسيرته معنية بكل العالمين الذين خلقهم الله رب العالمين، وكل شخص في العالم يمكنه تحسين حياته في ضوء سيرته الوضاءة، وليس هناك جانب من جوانب السلوك والاجتماع والاقتصاد والمعيشة والعدل والوفاء بالعهد إلا وحياته حافلة به.

فمثلا التجارة: إن من أبرز سمات حياة التاجر أن يكون دائبا على حسن التعامل وملتزما بإنجاز المواعيد وإيفاء المواثيق عالي المعنويات، وإذا لم تتحل سيرة تاجر بهذه الخصال لم يعتبر تاجرا جيدا.

وانجاز المواعيد: أشهر شيء في هذا الباب ما رواه أحد الصحابة رضوان الله عليهم جميعا عنه صلى الله عليه وسلم عن تجربة معه قبل البعثة بأنه دخل معه في صفقة، ثم تذكر شيئا دفعه إلى فراق ذلك المكان، فذهب راجيا منه صلى الله عليه وسلم أن ينتظر هناك حتى يرجع وإذا بالرجل ينسى موعده ثم يتذكر بعد فترة فرجع إليه فوجده قائما ينتظره، فلما رآه صلى الله عليه وسلم لم يزد على أن قال في غير خشونة ولا تذمر: لقد شققت علي، فاني لا أزال منتظرا لك هنا – أو كما قال.

والعدل: لما فتح المسلمون مكة قاموا بمحاصرة الطائف لمدة عشرين يوما تقريبا فلم يفتح عليهم فرفعوا الحصار، وكان صخر بن عبلة رئيسا من الرؤساء فألجأ أهل الطائف إلى المصالحة، وأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فلما انضمت الطائف إلى نطاق الإسلام، جاء المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، وهو من أهل الطائف، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله: عمتي عند صخر، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بردها إليه، وجاءه صلى الله عليه وسلم قوم من بني سليم وشكوا إليه أن صخرا استولى على أرضهم ومياههم فأمر صخرا بردها إليهم وقال: إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله".

وإذا ألقيت نظرة عميقة على الصداقة والعلاقات أدركت أن أسس الحب إنما تقوم على الإخلاص والترابط والتعاطف، فانظر كيف كان تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كصاحب وحبيب: فقد روي أنه صلى الله عليه وسلم كان مع رفقته في السفر، فلما أرادوا تحضير الطعام تحمل كل واحد منهم مسئولية، وكلف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه حمل الحطب من الغابة، فقالوا: فداك آباؤنا وأمهاتنا، إنما نغنيك عن أية مسؤولية فقدر منهم عاطفة الاحترام هذه وأوقفهم على أن الله تعالى لا يحب من العبد أن يرفع نفسه على غيره- أو كما قال.

الاقتصاد والمعيشة: النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خطوة عملاقة في حل مشاكل العمال حيث أرشد الناس إلى دفع أجرتهم قبل جفاف العرق عن جبينهم ، ولقد فتح صلى الله عليه وسلم على الدنيا أبواب الرفاهية والسلام والسيرة السامية واجتث العقلية الرأسمالية والنظام الرأسمالي والسيرة الرأسمالية.

والبلايا الكبرى التي جرها الإنسان من هؤلاء الرأسماليون المغرضون يأتي على رأسها السوق السوداء التي ليست على الفقراء بأقل من العذاب الأليم، ولقد ألقى صلى الله عليه وسلم مسئولية كبرى على من يقوم باحتكار الحبوب الغذائية والسلع الأخرى ليستغلها لدى ارتفاع الأسعار، فقد حذر صلى الله عليه وسلم في كلمة صريحة: من الاحتكار لاستغلال أوضاع الغلاء، وبشر برحمة الله تعالى لمن يمارس الرفق واللين في البيع والشراء والمطالبة.

Topics


تجلیات

خواجۃ شمس الدين عظيمي

((( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ )))