Topics

تشييع الجثمان

صديقنا الحاج كان يقطع الطريق بخطى حثيثة في وجوم وعيناه مغرورقتان، فسلمت عليه وسألته عن سر إسراعه في كآبة ووجوم.  فأجاب بأن صديقاً له وهو الحاج رمضان قد توفى إلى رحمة الله تعالى فاسترجعت وعزيته في هذا المصاب الجلل وقلت: (( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ )) (آية 57 سورة العنكبوت).  ولا شك أن كل إنسان له أن يجتاز هذه المرحلة، ونحن –أنا وأنت- أيضا نعيش جزءاً من الحياة حيث يجرفنا سيل الحياة إلى مصب الموت، وإذا ودع اليوم الحاج رمضان أهله فغدا يأتي –ولا بد- دورنا في توديع أهالينا،فهذه عملية مستمرة من البداية حتى النهاية، وكان صديقي الحاج رجلاً جيداً متواضعا، وعلق على انطباعاتي قائلاً:  ليس المهم لماذا توفى الحاج رمضان إنما المهم أن ورثته حالوا دون تشييع جثمانه، والقضية غير المرضية أن له أربع بنات وابنا، وأن له من المال والعقار ما لا يحصره العد، وأن بناته الأربع وأزواجهن وأقاربه وذويه احتشدوا في قصره وهم يطالبون في إلحاح شديد بتوزيع تركه المتوفى أولاً وتشييع جثمانه لاحقا، وأنا صديق له ولقد طعنت في السن بحيث ابيض حاجباي، فحاولت قصارى جهدي أن يتم أولاً تشيع الجثمان ثم توزيع التركة ولكنهم لم يعيروا أناً لرجائي والذي يجري الآن أن المحامين من الطرفين المتخاصمين قابعون في غرفة الزيارة ويجري أمامهم إعداد القائمات بما ترك المتوفي رحمه الله تعالى من الأموال المرصودة بالإضافة إلى الحلي والمجوهرات والأمتعة المنزلية الأخرى، واستقر رأيهم على أن تشييع جثمان المتوفى يبقى غير مسموح به حتى تنتهي عملية توزيع الميراث على الأخوات والأخ، ولقد طال هذا الأمر إلى أن تميع جثمان المتوفي وسال، وإن غرفته مشحونة بالكتل الثلجية التي تذوب مع كل دقة ساعة وتذوب معها الشحوم المتراكمة في جسم المتوفي في عفونة متزايدة والحاج رمضان من أصدقائي، ولا يكاد صديق يصبر على انتهاك حرمة صديقه إلى هذا الحد، فهذا هو سبب وجومي وقلقي وكأني فقدت وعيي وبصيرتي، ولم أجد همة تسمو بي إلى البحث عن مصير الجثمان النهائي للشيخ الحاج رحمه الله تعالى وإيانا جميعا.

عصر قلبي كل ما وقع على مسامعي من هذا الحدث الفظيع ولما أرخيت زمام التفكير في هذا الوضع الشنيع.  نادتني آية من القرآن الكريم قائلة: (( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  )) (آية 24 سورة التوبة). 

ولما قرعت هذه الآية ذهني انفتح الباب وتأكدت بأن جمع القناطير المقنطرة يجر إلى عواقب وخيمة، ومثل هؤلاء الرجال أولا يخربون بيوت صحتهم بأيديهم فقلوبهم واهنة وأكبادهم معتلة وأجسامهم مليئة بمجموعة من الأمراض الفتاكة نحو البول السكري وضغط الدم والضعف الجنسي وحصى الكلى وقروح الرئة والأحجار في حوصلة المرارة والدزنطاريا في الأمعاء، فيطير نومهم ويتولى هدوءهم ويبغضهم كل أحد ولا تبقى كرامتهم في الأقارب والأصدقاء، وإذا أكرمهم أحد فهذا الإكرام لا يتوجه لشخصياتهم بل لمالهم الزائل،وإن مصائرهم النهائية لعبرة، وأما من ورثهم من الأولاد فإذا طمت بهم سورة الشباب تحرروا من كل القيود الأخلاقية ونبذوا ثقافتهم وراء ظهورهم وقصدوا أوكار المومسات لا يلوون على شيء، وإذا كان الوالدان على قيد الحياة فإن هؤلاء الأولاد الطالحين لا يكترثون لهما بل يبذرون ما جمعاه من المال في نوادي الخمور وأوكار المومسات حيث تجري أنهار من الخبث والخبائث، وهما لا يدخران جهداً في إرشادهم وردعهم ويذرفان دموع الدم ويقطعان مهجعهما إياباً وذهابا في انتظارهم ولكنهم لا يعلقون أهمية لأي شيء من هذا، فهل يستطيع أحد أن يدعي بأن مثل هؤلاء الأولاد ومثل هذه الأموال تفيض شيئاً من الراحة والانبساط؟

لا: و كلا:

مثل هذه الثروة ليست سوى صورة من العذاب، فالثروة لها صورتان:  الصورة الأولى أنها تحرق صاحبها وتذره رمادا في عذاب وجحيم، والصورة الثانية أنها تغمر قلبه بالسرور والحبور والرحابة والقناعة والتفتح للحياة وذلك إن أقبل على إنشاء الملاجئ لتأوي إليها الأرامل والأيتام، ويلوذ بها المنكوب بالكوارث والمحن، ولا يعيش مثل هذا الغني حياة الحيوان بل يحلى قلبه بقناعة، ولا يكون أخرق عقل ولا أعمى عين، ويقصى نفسه عن ممارسة الهمجية. 

إن كل فرد يطمح إلى تحصيل الغنى واقتناء الثروة ولا يرغب أن يقتدي بسيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فهو مهدد بآية (55) من سورة التوبة: (( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ))

وإن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تكتشف لنا أنه ما هم قط بجمع المال واقتناء الثراء وموقفه صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله تعالى عليهم أجمعين من المال يتجلى للمتبصر بكل وضوح في أن بيت مال المسلمين كان يملأ بكميات هائلة من أموال فارس والروم ولكنهم مع نفوذ كلمتهم في أرض لا تقل مساحتها من خمسمائة ألف ميل مربع إلا أنهم فضلوا إعاشة أهليهم وأولادهم بالكد والكدح البالغين والتصدق بما فضل على فقراء المجتمع وما سال لعابهم على تلك الأموال الطائلة التي كانت في أعناقهم أمانة للأمة. 

وليس هناك شيء أخذل من المال فالمال لم يقابل أحد بالوفاء بل هو شيء لا يزال يتقلب من يد إلى أخرى، وعلى العكس من ذلك فإن الرجل الذي يقوم غير عابئ بالمال ويعتبره شيئاً جديراً بجعله تحت الأقدام فالمال يلاحقه من كل الاتجاهات، ولقد قال الله تعالى في محكم تنزيله : ((إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ  )) (آية 49 سورة القمر).  فهذه المقادير الموزونة إنما تعين الهوية، وبالرغم من أن الإنسان ربما يلتصق بإنسان آخر بإرادته الحرة واختياره الحر ولا يترك فراغاً ولو بقدر مليمتر ولكنهما يبقيان منفصلين متمايزين، فمن ثم استنتجوا أن القصد من تعيين المقادير هو التشخيص وإقامة الهوية، ولا يستطيع إنساناً أن يخرق هذا القانون، وكما أن الإنسان يملك الإدراك فكذلك المال –هو الآخر- يملك الإدراك، فإذا فر الإنسان من هوية المال فالمال يطارده حفاظاً للاتزان الذي يفرضه قانون المقادير، وإذا سعى الإنسان وراء المال فالمال يخدعه ويسيطر عليه عذاب قاسي.  

Topics


تجلیات

خواجۃ شمس الدين عظيمي

((( أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ، فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ )))