Topics

الشمس في يمينه والقمر في يساره

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته الناس إلى الإسلام وكثر ذكره وتذمر الناس وتباغضوا وحض بعضهم بعضاً عليه فمشوا إلى عمه أبي طالب وقالوا لـه يا أباطالب، إن لك سناً وشرفاً ومنزلةً فينا وإنا قد طلبنا منك أن تكف عنا ما يقوله ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على من يشتم آبائنا ويسفه أحلامنا ويعيب آلهتنا. فإما أن تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين أو كما قالوا له، حينها بعث أبوطالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق.وظن رسول الله صلى  الله عليه وسلم أن عمه قد تغير رأيه في نصرته له وأنه خاذله ومسلمه لهم أو أنه قد ضعف عن نصرته والدفاع عنه فقال صلى الله عليه وسلــم: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته.

وعندما لاحظ أبوطالب أن ابن أخيه جادّ في أمره وماض في سبيله قال اذهــب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلّمك لشيء أبداً.

واقترب موسم الحج. وخافت قريش أن يقوم النبي عليه السلام بتبليغ الدين أمام الحجاج الذين يحضرون للحج من كافة المناطق. فبدأت تفكر في حيلة تمنع ذلك واجتمع رجال قريش في “دار النّدوة”وكانت مخصصة للاجتماعات الثقافية وإقامة الأمسيات الشعرية. وكانت قريش إذا رأت أمراً هاماً، اجتمعت فيها وتشاورت.

وبدأ الحوار يرأسهم الوليد بن المغيرة. فرأى أحد الحاضرين أن يقال إنه مجنون. وقال آخر إنه كاهن وتفوه الثالث إنه شاعر. وأخيراً اتفقوا على مقولة الوليد بن المغيرة بأن يقال إنه ساحر. وقد قرروا أن يتم تعيين أفراد منهم على جميع مفترق الطرق ومداخل مكة حتى لم يجد الوليد بن المغيرة ما يكيده على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال بأنه ساحر فقال: وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر، جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّق الناس عنه بذلك. وقد وصف القرآن الكريم عمل الوليد المشين فجاءت الآيات:

﴿إ نَّهُ فَكَّرَ‌ وَقَدَّرَ‌ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ‌ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ‌ * ثُمَّ نَظَرَ‌ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ‌  [1] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على الناس في مجالسهم وفي سوق عكاظ والمجنة وذي المجاز ويدعوهم إلى الإسلام ويبلغ الدين. فكان أبولهب يتبعه في كل مكان و ينادي أيها الناس لا تسمعوا كلامه إنه ساحر، ومع ذلك نجح الرسول صلى الله عليه وسلم في إعلان نبوته. وعاد الناس من مكة وعلموا أن محمدا – صلى الله عليه وسلم – قد أعلن برسالته ونبوته وشاع الخبر في كل مكان رغم أنف الكفار.

أدركت قريش أن دعوة النبي عليه السلام تنتشر يوما فيوما وأن الناس يقبلون عليه على كل حال. فازدادوا هماً وحزناً وباتوا يبحثون عن مخرج يصد التيار الإسلامي من الانتشار في مكة.

كان عتبة بن ربيعة سيد القوم. وكانت له مكانة من بين أهل مكة. وذات مرة وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده قال عتبة بن ربيعة يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، فقالوا بلى يا أباالوليد، قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السدة أي من الشرف في العشيرة، والمكان في النسب. وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقّت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني، أعرض عليك أموراً، تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد: أسمع. قال: يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وان كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه، لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.

فلما فرغ عتبة بن ربيعة من كلامه قال له الرسول صلى الله عليه وسلم فاسمع مني، قال أفعل: فقال عليه السلام: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّ‌حْمَـٰنِ الرَّ‌حِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْ‌آنًا عَرَ‌بِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرً‌ا وَنَذِيرً‌ا فَأَعْرَ‌ضَ أَكْثَرُ‌هُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ *. وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه*[2] .ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة، أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك.

فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي. وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم. فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم. وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه. قال هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.

وحدث أن الرسول صلى الله عليه وسلم بينما هو يطوف بالبيت، حضر إليه رجال من قريش وقالوا له هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر. وفي رواية عرضوا عليه صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك لمدة سنة. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُ‌ونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ *﴾[3].

ولم يكتف كفار مكة بهذا الإقتراح فقط بل حاولوا بين فترة وأخرى عدة محاولات لصد الدعوة الاسلامية النبوية وعدم إقبال الناس عليها. وذكر الله تعالى هذا كله في كتابه الكريم حيث قال:
﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ‌ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [4]
﴿وَعَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ‌ مِّنْهُمْ ۖ وَقَالَ الْكَافِرُ‌ونَ هَـٰذَا سَاحِرٌ‌ كَذَّابٌ [5].

  ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِ‌هِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ‌ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * [6]

 ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَـٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّـهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّـهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِ‌ينَ [7]

 ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَ‌مُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّ‌وا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَ‌أَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَـٰؤُلَاءِ لَضَالُّونَ * [8]

﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ‌ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَ‌ةً وَأَصِيلًا [9] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ‌وا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَ‌اهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُ‌ونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورً‌ا [10]

 ﴿وَقَالُوا مَالِ هَـٰذَا الرَّ‌سُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرً‌ا [11]



[1] سورة المدثر: الآيات 18-22

[2] سورة فصلت:الآيات 1-5

[3] سورة الكافرون

[4] سورة الحجر: الآية 6

[5] سورة ص:الآية 4

[6]  سورة القلم:الآية 51

[7]  سورة الأنعام:الآية 53

[8]  سورة المطففين:الآيات 29-32

[9]  سورة الفرقان: الآية 5

[10]  سورة الفرقان:الآية 4

[11]  سورة الفرقان: الآية 7


Mohammad Rasool Allah_Arabic

خواجۃ شمس الدين عظيمي


لابد لأفراد السلسلة العظيمية  المعينون لتسيير المهمة الروحانية من مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الطيبة وقراءتها مراراً وتكراراً ، والتفكر فيما عاناه وتحمله الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى لأجل إشاعة المهمة ونشر الوحدانية وإدخال الكفار في حلقة ونطاق التوحيد.

بجعل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نبض قلوبنا فإن مدد ودعم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  سيكون معنا في كل خطوة نخطوها في طريق نشر تعليمات السلسلة العظيمية وإشاعة العلوم الروحانية وإيصالها للنوع الإنساني...وبلا شك  سنفلح في الدنيا ونسعد في الآخرة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنتمكن من اتخاذ خطوات جريئة ومواجهة الظروف القاهرة  المحطمة للقلب والإعراض عن افتراءات الناس واتهاماتهم.