Topics

اعتداء الكفار على أصحاب محمد

بالرغم من أن كفار مكة كانوا يقرون بخلق أعلى للنبي صلى الله عليه وسلم وصفاته النموذجية العليا، وبالرغم من أن عمه أبا طالب يحميه و يذود عنه، إلا أن الكفار كانوا لا يهدأ بالهم، ما لم يجدوا طرقاً للنيل من النبي عليه الصلاة والسلام ويزيدوا من حقدهم وشماتتهم. وكانت هجماتهم تنصب على ضعفاء المسلمين في المجتمع فكانوا لا يألون جهدهم في تعذيبهم والتشديد عليهم.

فكان أبو جهل إذا علم بإسلام شخص وقور له مكانة في المجتمع سبه وغلظ في سبه وأهانه وهدده بالخسارة في ماله وأنه سوف يتعرض للمشاكل وإذا دخل في الإسلام شخص ضعيف لا سند له في المجتمع أو ركن شديد ضربه واعتدى عليه وحرض الآخرين أيضا ضده. ولما أسلم سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه غضب عليه عمه وجعله ملفوفا بحصير مصنوع من أوراق النخيل وأوقد من تحته  المدخنة ليخنقه أنفاسه[1].

وكان مصعب بن عمير رضي الله عنه شابا أنيقا ومنعماً منذ طفولته وعندما علم أهله عن إسلامه قاطعوه وطردوه من البيت. وضاقت عليه الدنيا بما رحبت وافتقر إلى شيء يسد به رمقه فأصبح هزيلا وتخشف جلده. وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه غلاما لبني مخزوم أسلم هو ووالداه. فتعرضوا جميعا لأنواع من العذاب الشديد أدى إلى وفاة والديه ياسر وسمية.

ففي الظهيرة عندما يشتد الحر يطرحونهم أرضا على ظهورهم ويضعون الصخر الأحمر على صدورهم ويغرقونهم أحيانا في الماء لفترة يصعب فيها التنفس وكانوا يطلبون منهم أن يسبوا محمدا وأن يقولوا في اللات والعزى خيرا وفعل عمار رضي الله عنه ماطلبوا منه كرها ثم بكى وحضر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره ما بدر منه فنزلت الآية ﴿مَن كَفَرَ‌ بِاللَّـهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِ‌هَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَ‌حَ بِالْكُفْرِ‌ صَدْرً‌ا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّـهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [2]

ونتيجة لهذا الظلم الشديد توفى ياسر والد عمار – رضى الله عنه – ونال درجة الشهادة عند ربه وزوجه سمية – رضى الله عنها – استشهدت أيضا في سبيل ربها حيث طعنها أبو جهل فماتت وهي أول شهيدة في الإسلام[3].

وسيدنا خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية. قررت قبيلتها بتشديد العذاب عليه فأضجعوه أكثر من مرة على فحام ملتهبة يضعون الحجر على صدره الشريف ويجذبونه بشعر رأسه ويلوون عنقه بطريقة وحشية[4].

أبو فكيهة واسمه الحقيقي أفلح وكان مولى لبني عبد الدار كانوا يربطون أرجله بالحبل ويشدونه ويجرونه على الأرض.

وسيدنا عمر رضي الله عنه كان من قبيلة بن عدي فلما أسلمت جارية لبني مؤمل – وهم حي من بني عدي – استشاط عمر – وهو مشرك آنذاك. غضبا وجعل يضربها واستمر فيه حتى مل. فكان يقول لها: إني لم أترك إملالة[5].

وكان المشركون يقومون بلف بعض من آمن منهم في إهاب الإبل والبقر ويلقونهم فــي حر الرمضاء وبعض من هؤلاء المؤمنين يلبسونهم درعا حديديا ويلقونهم بعد ذلك على صخـرة ملتهبة[6]. وأول من دخل من الموالى بعد زيد رضي الله عنه هو سيدنا بلال الحبشي  رضي الله عنه. 

وكان غريبا عليهم وكان مولى لـ أمية بن خلف الجمحي وكان بلال رجلا أسود من الحبشة فلما علم مالكه الشقي عن إسلامه اصطحبه إلى خارج مكة وجرده من ثيابه وأضجعه على الرمال الحارة في حرّ الشمس بعد بسط يديه وأرجله ويضع صخرة كبيرة على صدره ويقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد. وكان بلال يعلم جيدا أن مالكه يفعل ما يقول لا محالة ولكنه أيضا كان قد تذوق حلاوة الإيمان فلم يرض إلا أن يقول وهو في تلك الحالة التعسة: أحد، أحد واستمر سيدنا بلال الحبشي رضي الله عنه في هذا الاضطهاد صابرا محتسبا حتى مر به يوما أبو بكر – رضي الله عنه فاشتراه بغلام أسود وقبل بسبع أواق أو بخمس من الفضة ثم اعتقه لوجه الله الكريم.

كان لعمر – رضي الله عنه – لبينة و زنيرة من الإماء دخلتا في الإسلام وأسلمتا. وعمر وإن لم يكن شقي القلب مثل أمية بن خلف الجمحي ولكن لكونه كان مشركا آنذاك لم يعجبه إسلام الجاريتين فقرر أن يعذبهما بالسوط وقال لهما: إما أن تكفرا بدين محمد أو أن أضربكما حتى تموتا وأدمى عمر الجاريتين ولكنهما ظلتا على الإسلام حتى علم أبو بكر رضي الله عنه بحالهما فعرض على عمر أن يبتاعهما فباعهما لأبي بكر وكعادته الجريئة أعتقهما أبو بكر – رضي الله عنه – لوجه الله[7]. ومن بين من أسلم من النساء في مكة يؤمئذ غزية – رضي الله عنها- كانت من المناطق البدوية ولم تكن جارية مملوكة. أقامت في مكة ودخل الإسلام قلبها فأسلمت. وبدأت تدعو الناس علنا إلى الإسلام.

لأن نساء البدو مثل رجالهم، سمعتهم الجرأة والإقدام وحاولت قريش تخويفها وأوعدوها ولكنها لم تتزعزع في عملها الدعوي.

ولما رأت قريش أنها لا تبالي بأي تهديد ولا تتنازل عن دعوتها، قاموا باختطافها وأخذوها إلى خارج مكة وسلموها لإحدى القوافل وربطوها على إبل بشدة وقالوا لرجال القافلة: خذوها معكم ولا تدعوها تأكل أو تشرب حتى تموت جوعا وعطشا. وارموها بعد موتها في الصحراء. وجاء في رواية عنها تقول غزية: مرت ثلاثة أيام مع لياليها وما تذوقت طعاما أو شرابا حتى أوشكت على الهلاك وفي اليوم الرابع وأنا مغشية شعرت ببلل على شفتي فشربت منه ما شربت حتى رويت. وظن رجال القافلة أنني هلكت ولما وجدوني على قيد الحياة وعلى نشاط استغربوا وحكيت لهم ما جرى لي في الليل فندموا وأطلقوا سراحي.

وسمية – رضي الله عنها – جارية أبي جهل: لما أسلمت، أمرها أبو جهل أن تتخلى عن دينها الجديد فأبت وقالت أنها لا تتخلى عن دين محمد صلى الله عليه وسلم – واستشاط أبو جهل غضبا وعداءً وانهال عليها بالضرب بالسوط حتى سقطت مغشيا عليها على الأرض. وعلم سيدنا أبوبكر بذلك فتوجه إلى بيته وعرض عليه أن يشتري منه هذه الجارية المسلمة ولم يرغب أبو جهل فيه فعرض عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يعطيه مائة دينار ويشتري الجارية منه فأبى وزاد أبو بكر السعر وأصر أبو جهل على رفضه وعندئذ اقترح عليه أبو بكر رضي الله عنه اقتراحا مغريا وقال له: لو بعتني هذه الجارية  فإني سأدفع لك “الابل القاضية”وهي لدى البدو إبل تمنح لأهل المقتول مثل الدية وتكون ذات قيمة كبرى ولكن أبا جهل كان غارقا في عداوة النبي ودينه فلم يرض. وأبو بكر رضي الله عنه الذي اعتق رجلين من الموالي وأربع من الجاريات لم ينجح في تحرير رقبة سمية.

ولما سمعت نساء قريش أن سمية تعذب يوميا في بيت أبي جهل ومع ذلك لا تتخلى عن الإسلام ذهبن إلى أبي جهل و التمسن منه أن لا يضربها وهي التي كانت تعين كثيرا من نساء قريش ولكن أبا جهل أبى إلا أن يواصل اعتداءه عليها واستمر يضرب بالسوط حتى نزف كل جسمها ورغم ذلك أصرت على إسلامها وأنهـــا لا تترك دينها.
ولما يئس أبو جهل من ارتدادها عزم على قتلها. فأخذها في أحد الأيام إلى الكعبة وأوقفها أمام الحاضرين ثم سألها هل هي تترك دين محمد صلى الله عليه وسلم أم لا. ورفضت هذه المؤمنة الصابرة الردة عن الدين الإسلامي فقال أبو جهل إذن سوف أقتلك الآن ثم رماها برمح رمية قوية خرج من صدرها إلى ظهرها وماتت شهيدة في سبيل الله. وجاء في رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم عن جهد أبي بكر رضى الله عنه في تحرير سمية دعا أن يجعل وجه أبي بكر رضي الله عنه ناضرا دائما.

وبعد قتل سمية – رضي الله عنها – قرر أسياد قريش ومنهم أبو سفيان وأبو لهب وزوجته أم جميل أن لا يبيع أحد من أهل مكة جاريته أو مولاه، لأبي بكر – رضي الله عنه – وذلك لعلمهم وإدراكهم أن الإسلام يشق طريقه إلى الطبقة الكادحة وأن أبا بكر يبذل ماله لتحرير الموالي المسلمين ولا يبالي.

ولم يكن الإسلام يدخل في قلوب ضعفاء المجتمع فقط بل كان شرفاء الناس أيضا ينجذبون إليه ويدخلون فيه ومنهم عثمان بن عفان، وعبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، ابن أخ لآمنة رضي الله عنها – وطلحة بن عبيد الله وسعد بن عمرو – رضي الله عنهم أجمعين – وآخرون أمثالهم وبذلك زادت قوة الإسلام ومتبعيه وزادت كذلك شراسة قريش وحقدهم على الإسلام والمسلمين وبدأو يتفتنون في الإيذاء وإقامة العراقيل.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما خرج من بيته، كان واجه الخطر. كان السفلة من الناس ينتظرونه على الطرق فإذا رأوه رموه بالحجارة أو يلقون الأذى عليه. وقد أعمت عداوة قريش لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أبصارهم وبصيرتهم فانتزعت منهم كل شرف وخلق حتى احترام الكعبة فقد حاول الكفار القضاء عليه مرتين وهو في جوف الكعبة.

كان أبو ذر الغفاري رضي الله عنه صحابيا جليلا من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وكان من قبيلة غفار التي كانت تسكن في شمال مكة المكرمة. والعرب البدو كانوا يمتنعون عن السرقة والقرصنة والأعمال السيئة الأخرى خلال أربعة أشهر من كل سنة ويسمون تلك الأشهر “الأشهر الحرم”وكانت القوافل تأتي إلى مكة أيضا في أمان في تلك الفترة ولكن قبيلة غفار كان لها شأن آخر فهي لم تكن تحترم تلك الفترة وتمس من كرامة القوافل وتنهب أموالها وتعتدي حتى على القوافل المتجهة لزيارة الكعبة أيضا وكان هذا من دأبها. وفي إحدى المرات وبالتحديد في شهر ذي القعدة هجمت هذه القبيلة على قافلة تمر من منطقتها فنهبت أموالها وقتلت رجالها ونساءها وأطفالها. وكان أبو ذر – رضي الله عنه – يؤمئذ مشركا ولكنه مع ذلك شعر بندم بالغ الأثر فانفصل عن قبيلته وذهب هنا وهناك حتى وصل إلى مكة فسمع عن النبي عليه السلام وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده وينهى عن الفحشاء والمنكر وأن لا يشركوا بالله شيئا.

فأراد أن يزوره وسأل أحد المارة عنه وحدق الرجل نظره في أبي ذر متعجبا بما يسأله ثم نادى بصوت عال أيها الناس خذوه فإنه مسلم واقتلوه وتهافت الناس عليه يعتدون عليه بالضرب وهرب أبو ذر منهم وحاول التخلص منهم ولكن كفار قريش واصلوا رميه بالحجر عليه وأدموه وسقط على الأرض فتركه الكفار ظنا منهم أنه قد هلك وبلغ الخبر إلى سيدنا أبي بكر – رضي الله عنه – فسار إليه في الليل وأحضره إلى بيته بمساعدة المسلميـن الآخرين وفي اليوم التالي دخل أبو ذر – رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم وبذل قصارى جهوده في دعوة قبيلته إلى الإسلام حتى أسلموا وتابوا من أعمالهم السابقة. وتدل هذه الواقعة على مدى العداوة والبغضاء في قلوب الكفار الذين لم يتركوا شخصا سألهم فقط عن عنوان الرسول عليه الصلاة والسلام. رضى الله عن الرعيل الأول وأرضاهم. اللهم وفقنا مثلهم.



[1]  انظر كتاب (رحمة للعالمين) ١/٥٧ محمد سليمان سلمان المنصور فوري

 [2]  سورة النحل:الآية 106

[3]  انظر ابن هشام ١/٣١٩، ٣٢٠

[4]  انظر رحمة للعالمين للمنصور فوري ١/٥٧

[5]  ابن هشام ١/٣١٧-٣١٨

[6]  وانظر تلقيح الفهون لابن الحوزي ص ٦١

[7]  ابن هشام ١/٣١٧-٣١٩


Mohammad Rasool Allah_Arabic

خواجۃ شمس الدين عظيمي


لابد لأفراد السلسلة العظيمية  المعينون لتسيير المهمة الروحانية من مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الطيبة وقراءتها مراراً وتكراراً ، والتفكر فيما عاناه وتحمله الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى لأجل إشاعة المهمة ونشر الوحدانية وإدخال الكفار في حلقة ونطاق التوحيد.

بجعل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نبض قلوبنا فإن مدد ودعم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  سيكون معنا في كل خطوة نخطوها في طريق نشر تعليمات السلسلة العظيمية وإشاعة العلوم الروحانية وإيصالها للنوع الإنساني...وبلا شك  سنفلح في الدنيا ونسعد في الآخرة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنتمكن من اتخاذ خطوات جريئة ومواجهة الظروف القاهرة  المحطمة للقلب والإعراض عن افتراءات الناس واتهاماتهم.