Topics

صفوة الناس وخيارهم

جاء في السيرة النبوية للعلامة ابن هشـام ما نصه “قال ابن اسحاق حدثني رجل من أسلم كان واعية: أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا، فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبدالله بن جدعان بن عمرو في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب – رضي الله عنه – أن أقبل متوشحا أي متقلدا قوسه راجعا من قنص أي صيد له وكان صاحب قنص برمحه وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم. وكان أعز فتى في قريش وأشد شكيمة. فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، قالت له يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم.

فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى ولم يقف على أحد، معدّا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول فرد ذلك علي إن استطعت فقامت رجال من بني مخزوم على حمزة لينصروا أبا جهل فقال أبو جهل: دعـــوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن اخيه سباً قبيحاً، وقوي حمزة رضى الله عنه في إسلامه متّبعاً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وازدادت قوة المسلمين في مكة بسبب إسلام حمزة لأنه كان رجلا منيعاً ومن أبطال قريش وبعد إسلامه دخل عدد وجيه من الناس في الاسلام وبلغ عدد المسلمين في مكة ٣٠ مسلما وازدادت مخاوف قريش لما رأوا هذه السرعة في انتشار الإسلام وإقبال الناس عليه. واجتمعت قريش في دار الندوة اكثر من مرة تناقش رجالها مع بعضهم البعض كي يتوصلوا إلى حل يفيدهم في منع الإسلام من الانتشار ولكن دون جدوى وعندئذ قرر عمر بن الخطاب أن يقتل النبي صلى الله عليه وسلم فخرج عمر يوما متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين  ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه حمزة ابن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق وعلى بن أبي طالب، في رجال من المسلمين رضى الله عنهم ممن كان أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة فلقيه نعيم بن عبد الله فقال له أين تريـد يا عمر ؟

فقال أريد محمدا هذا الصابىء، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها وسب آلهتها فأقتله فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركوك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟ قال وأي أهل بيتي؟ قال أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما، قال. فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة، فيها “طه”ويقرئهما إياها، فلما سمعوا حسّ عمر تغيّب خبّاب في مخدع – أي بيت صغير يكون داخل البيت الكبير لهم، أو في بعض البيت وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما فلما دخل قال ما هذه الهينمة أي: (صوت كلام لا يفهم) التي سمعت؟ قالا له ما سمعت شيئا قال بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجّها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك فلما رأى عمر ما بأخته من الدّم، ندم على ما صنع، فارعوى أي: (رجع) وقال لأخته أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفاً أنظر ما هذا الذي جاء به محمد وكان عمر كاتباً أي كان يعرف القراءة والكتابة، فلما قال ذلك قالت له أخته إنا نخشاك عليها قال لا تخافي ووعدها أن يردّها إليها إذا قرأها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له يا أخي إنك نجس، على شركك وإنه لا يمسها إلا طاهر فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْ‌آنَ لِتَشْقَىٰ * إِلَّا تَذْكِرَ‌ةً لِّمَن يَخْشَىٰ * تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْ‌ضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّ‌حْمَـٰنُ عَلَى الْعَرْ‌شِ اسْتَوَىٰ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْ‌ضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَ‌ىٰ * وَإِن تَجْهَرْ‌ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ‌ وَأَخْفَى* اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ *وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَ‌أَىٰ نَارً‌ا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارً‌ا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ‌ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَ‌بُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى *وَأَنَا اخْتَرْ‌تُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِ‌ي * [1]

فقرأها فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه فلما سمع ذلك خباب خرج إليه فقال له ياعمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإني سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله ياعمر فقال له عند ذلك عمر: تدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب هو في بيت (١) عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه فأخذ عمر سيفه متوشحاً ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من خلال الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فزع.

(١)    كان في دار الأرقم وهي دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وكانت مقراً للاجتماع برسول الله عليه الصلاة والسلام مع المسلمين والإستماع إليه وتعلم الآيات الجديدة النازلة عليه وذلك في السنة الخامسة من النبوة.

فقال يارسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحاً سيفه فقال حمزة بن عبد المطلب إئذن له فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له وإن كان يريد شرا قتلناه بسيفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إئذن له فأذن له الرجل، ونهض اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جذبة به جذبة شديدة وقال: ما جاء بك يا ابن الخطاب فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة فقال عمر يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله قال فكبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم. ثم أخذ عمر رضى الله عنه النبي - عليه الصلاة والسلام - والمسلمين إلى الكعبة وكانوا يومئذ يصلون في خفاء دون علن وجعل عمر هؤلاء في مجموعتين مجموعة فيها عمر وحمزة بن عبد المطلب والنبي عليه الصلاة والسلام من بينهما ومجموعة أخرى فيها بقية المسلمين ولما رآهم رجال قريش ازداد حزنهم ولكنهم سكتوا ودخل المسلمون في جوف الكعبة وصلوا هناك علناً وهنا لقب الرسول صلى عليه وسلم عمر بالفاروق.
روى ابن اسحاق بسنده عن عمر قال لما أسلمت تذكرت من أهل مكة من هو أشد عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت أبو جهل فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إليّ وقال أهلاً وسهلاً ما جاء بك: قال جئت لأخبرك اني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به قال فضرب الباب فى وجهي وقال: قبحك الله وقبــح ما جئت به.

كان بمكة رجل يدعى جميل بن معمر الجمحي وكان دأبه أن ينقل أي حديث أو واقع إلى الناس بأسرع ما يمكن فأخبره عمر عن إسلامـه وما أن سمع ذلك حتى نادى بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ فقال عمر وهو خلفه كذب ولكنني قد أسلمت وكان الناس رغم احترامهم لعمر وخضوعهم لقوته ومكانته من بينهم إلا أن الخبر وقع عليهم كالصاعقة. وثاروا عليه فما زال يقاتلهم وهم يقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. وتعب عمر فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدالكم، فأحلف بالله أن لوكنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.

ولم يكن في وسع أحد من المشركين أن يجترئ على إيذاء سيدنا عمر رضى الله عنه – منفردا فجمع بعضهم بعضا وزحفوا إلى بيته ليقضوا عليـه. وفي البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بينما هو أي عمر في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة سبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم حلفاءنا في الجاهلية فقال له مالك ؟ قال: زعم قومك ِأنهم سيقتلوني إن أسلمت قال لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنت - فخرج العاص فلقى الناس قد سال بهم الوادي فقال أين تريدون ؟ فقالوا هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ قال: لا سبيل إليه فكرّ الناس[2] وفي لفظ في رواية ابن اسحاق والله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه[3].

 



[1] سورة طه:الآيات 1-14

[2]           صحيح البخاري، باب إسلام عمر بن الخطاب ١/٥٤٥

[3]           ابن هشام ١/٣٤٩


Mohammad Rasool Allah_Arabic

خواجۃ شمس الدين عظيمي


لابد لأفراد السلسلة العظيمية  المعينون لتسيير المهمة الروحانية من مطالعة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الطيبة وقراءتها مراراً وتكراراً ، والتفكر فيما عاناه وتحمله الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى لأجل إشاعة المهمة ونشر الوحدانية وإدخال الكفار في حلقة ونطاق التوحيد.

بجعل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نبض قلوبنا فإن مدد ودعم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم  سيكون معنا في كل خطوة نخطوها في طريق نشر تعليمات السلسلة العظيمية وإشاعة العلوم الروحانية وإيصالها للنوع الإنساني...وبلا شك  سنفلح في الدنيا ونسعد في الآخرة أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ، فنتمكن من اتخاذ خطوات جريئة ومواجهة الظروف القاهرة  المحطمة للقلب والإعراض عن افتراءات الناس واتهاماتهم.