Topics

ما هي المكانيّةُ والزمانيّة

إنّ القوانينَ الأساسيّةَ التي يقومُ عليها الكونُ ويسيرُ بها تُوضَّحُ مرارًا بالأمثلة. فالإنسانُ، وسائرُ الأنواعِ الأخرى—بما فيها الجنّ، والملائكة، والأجرامُ السماويّة، وجميعُ الأنظمةِ المجرّيّة—تبدأُ من داخلِ الشعور، ومن خلالِ تغيّرِ الشعورِ تتحوّلُ البداياتُ إلى نهاياتٍ تُعطى لها أسماءٌ مختلفة. فإذا سمّينا البدايةَ «ولادةً»، سمّينا النهايةَ «موتًا»، ولكن عند التأمّلِ في مرحلةِ الموتِ ضمنَ الحواسِّ الشعوريّة، يتبيّن أنّ الموتَ خطوةٌ من خطواتِ الحياة، تعقبُها خطوةٌ أخرى. فالمراحلُ التي يمرُّ بها الإنسانُ والكونُ كلُّه إنّما تقومُ على أربعةِ شعورات، وهذه الشعوراتُ ليست إلّا تحوّلاتٍ في الحالات.

ومن طبيعةِ الشعورِ أنّ الإنسانَ—لضعفِه وقصورِه—إذا أرادَ فهمَ شيءٍ، غلبت عليه محدوديّتُه، فيضيقُ شعورُه إلى حدٍّ أنّ أدنى حجابٍ يمنعُ إدراكَه. أمّا إذا خرجَ من المحدوديّةِ إلى اللّامحدوديّة، دخلت فيه طاقةٌ تمكّنه من إدراكِ ما يشاهدُه. وقد تبيّن أنّ شعورَ الفرد، وشعورَ النوع، وشعورَ الكون، وشعورَ ما وراءَ الكون، هي التي تحدّدُ مراحلَ الحياة.

وقد أُعطيَ الإنسانُ علمًا يفيدُ أنّ الكونَ مركّبٌ من أربعةِ شعورات، وقد سمّاها العالِمُ العظيمُ قلندر بابا أولياء: نَسَمةٌ مركّبة، ونَسَمةٌ مفردة، ونورٌ مركّب، ونورٌ مفرد. وهذه الشعوراتُ الأربعُ تمثّلُ حقيقةَ الكونِ التي تقومُ عليها جميعُ الحركاتِ الكونيّة. وقد قُسِّمت هذه الشعوراتُ ليتيسّرَ فهمُ الكونِ وأجزائِه، وإلّا فالحقيقةُ أنّ الشعورَ واحد، وهو الذي يعملُ في كلِّ شيءٍ بدرجاتٍ مختلفة بحسبِ الحركة.

وتُظهرُ طريقةُ تعليمِ الأنبياءِ أنّهم عرّفوا الناسَ بأمرِ خالقِ الكون، وأكّدوا ضرورةَ معرفةِ الذاتِ التي صدرَ عنها الوجود. إذ لا يمكنُ فهمُ الأمرِ الإلهيّ ما لم تُدرَكِ الذاتُ المطلقة. وقد يعترضُ بعضُ الناسِ بأنّ فهمَ هذا الأمرِ غيرُ ممكن، لأنّه لا يُدرَكُ إلّا إذا صارَ إدراكًا ذاتيًّا. ويقولُ العالِمُ العظيمُ قلندر بابا أولياء إنّ ذلك صحيح؛ لأنّ الأمرَ لا يُدرَكُ ما لم يسعَ الإنسانُ إلى معرفةِ حقيقتِه بنفسِه.

لفهمِ الأمرِ لا بدَّ للإنسانِ أن يكتسبَ معرفةً بحقيقتِه الباطنة، إذ إنّ هذه الحقيقةَ هي في صورةِ الإنسان نفسُها الأمر. والمقصودُ أنّ الإنسانَ يبتدئُ أوّلًا بالتعرّفِ إلى أمرِ خالقِ الكون. وهو الإنسانُ نفسُه؛ أي إنّ حقيقتَه هي الأمر. فإذا تعرّفَ الإنسانُ إلى نفسِه، وتعرّفَ في داخلِه إلى الحكمِ الإلهيّ، استطاعَ أن يَعرِفَ الذاتَ المطلقة. وما لم يَعرِفِ الإنسانُ الروحانيُّ الأمرَ، فلا يمكنُه أن يَعرِفَ نفسَه ولا أن يَعرِفَ خالقَ الكون.

عندما رأى موسى عليه السلام النورَ على طورِ سيناء قال: «مَن؟»

فأجابه خالقُ الكون: «أنا ربُّك».

والنورُ الذي رآه موسى عليه السلام كان نورَ أمرِ الربّ. فهذا النورُ لِمَن كان؟ كان نورَ الذاتِ المطلقة. ومن هذه الواقعةِ يتبيّنُ حدُّ الذاتِ المطلقةِ وحدُّ ذاتِ الأمر. فموسى عليه السلام ذاتُ الأمر، وخالقُ الكون هو الذاتُ المطلقة. ومع أنّ موسى عليه السلام ذاتُ أمر، فإنّه عندما شاهدَ الأمرَ في صورةِ النورِ سأل: «مَن؟»؛ أي إنّ الأمرَ شعرَ بالحاجةِ إلى معرفةِ الذاتِ المطلقة. وعندما رأى موسى عليه السلام النورَ أدركَ أنّه ربُّه، ومع ذلك احتاجَ إلى أن يعرّفَه نورُ الأمر بنفسِه.

وهنا تبرزُ أربعُ قضايا:

أولًا: من جهةٍ الذاتُ المطلقةُ وصفاتُها، ومن جهةٍ أخرى ذاتُ الأمر واحتياجُها.

ثانيًا: من جهةٍ الذاتُ المطلقةُ من حيثُ هي، ومن جهةٍ أخرى موسى عليه السلام—أو العبد—من حيثُ عبوديّتُه.

ثالثًا: الذاتُ المطلقةُ وصفاتُها، وهي جميعُ الصفاتِ التي تُحيطُ بالربوبيّة.

رابعًا: موسى عليه السلام من حيثُ هو ذاتُ أمرٍ وذو احتياج.

الأمرُ محتاجٌ إلى الذاتِ المطلقة، أمّا الذاتُ المطلقةُ فلا تحتاجُ إلى شيء. وهذه هي القضايا الأربعُ التي يقومُ عليها علمُ النبوّة. وقد سمّى بعضُ الناسِ الذاتَ المطلقةَ «الحقيقةَ المطلقة»، وسمّوا الأمرَ المطلقَ «الكون». وهذا الأسلوبُ في البيانِ هو منهجُ الحكماءِ الربّانيّين، والمقصودُ بهم الذين في داخلِهم تفكّرٌ وبحثٌ وسعيٌ. الذين يخرجون من مستوى شعورهم ويدخلون في اللاشعور، ثمّ يحاولون فهمَ الكون. أمّا الأنبياءُ فلهم منهجٌ خاصّ غيرُ منهجِ الحكماءِ الربّانيّين؛ فالفرقُ بين الحكماءِ والأنبياءِ أنّ الأنبياءَ يسعونَ—بعلمٍ حضوريّ—إلى بلوغِ كُنهِ الأشياء، أمّا الحكماءُ الربّانيّون فيبدؤون بالنظرِ إلى الظاهر، ثمّ يبحثون عن الباطنِ الذي يقومُ عليه، ومن خلالِ هذا البحثِ يصلون إلى نتيجة. ولكنّنا نرى في الكون أشياءَ لا تُحصى ولا حدَّ لها، وهي غيرُ ظاهرة. وفي العصرِ العلميّ الحاضر انكشفَ—ولا يزالُ ينكشف—من الأشياءِ ما لا تُبصرُه العين. والحكماءُ الربّانيّون، إذا لم يرَوا دلائلَ الأشياءِ في الخارج، يُعرضون عنها، وبهذا يبقى أكثرُ الخفايا الكونيّة مجهولًا.

أمّا الأنبياءُ، فعلى خلافِ الحكماءِ الربّانيّين، فإنّ منهجَهم قائمٌ على الحقيقة، ولا يقعُ فيه هذا النقص؛ لأنّهم لا يطلبون الباطنَ من الظاهر، بل يطلبون الظاهرَ من الباطن، ويبحثون عن الأمرِ المطلق من خلالِ الذاتِ المطلقة. وبهذا تُدرِكُ أفكارُهم عناصرَ لا تخضعُ للمظاهر. والأنبياءُ لا يُهمِلون المظاهر، غيرَ أنّهم لا يجعلونها أصلًا فينحصرون فيها، بل يُعطون المظاهرَ من الأهميّةِ بقدرِ ما يُعطون أصولَها. ومنهجُ الأنبياءِ قائمٌ على أنّ المظاهرَ ليست هي الأصل، بل الأصلُ هو الباطن. وفي فكرِهم أنّ الذاتَ المطلقةَ هي الحياة، ولذلك يجعلون الحياةَ أبديّة، ويجعلون الكونَ في مرتبةٍ ثانويّة. يقولُ الأنبياءُ: الحياةُ أوّلًا ثمّ الكون. فلماذا لا يكونُ الكونُ أوّلًا ثمّ الحياة؟ إنّ وجودَ الحياةِ هو الذي يقتضي وجودَ الكون. وعلى خلافِ ذلك، فإنّ الحكماءَ الذين يُقدّمون المظاهرَ لا يستطيعون بلوغَ أعماقِ الحياةِ وأسرارِها؛ لأنّهم يبدؤون بإعطاءِ الأهميّةِ للكون ثمّ للحياة. وقد قرّرَ الأنبياءُ—بمنهجِهم—أنّ في فكرِ الإنسانِ نورًا يمكّنه من مشاهدةِ باطنِ الظاهر، وغيبِ الحضور. وبعبارةٍ أخرى، ينكشفُ للذهنِ الإنسانيّ موضعُ ابتداءِ الحياةِ وحدودُ نهايتِها. وعند الحديثِ عن الابتداء، يظهرُ أنّ الطريقَ إلى النهايةِ قائمٌ على الفناء، ولهذا أكّدَ الأنبياءُ على فهمِ الحياةِ بعد الموت.

قالَ خاتمُ الأنبياءِ محمدٌ رسولُ اللهِ ﷺ:

«موتوا قبلَ أن تموتوا».

اطلبوا في الحياةِ الظاهرةِ تلك الحياةَ الباطنةَ التي هي أصلُ الحياة، وفي هذه الحياةِ يُؤكَّدُ أنّ الإنسانَ—عبرَ مراحلِ الفناءِ في الفناء—يصلُ إلى نقطةٍ لا فناءَ لها، وهذه هي النقطةُ التي هي الذاتُ المطلقة.


نظرية اللون والنور

خواجۃ شمس الدين عظيمي

إن الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.