Topics
جاء في القرآن الكريم:
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ سورة القمر،
54:49
وعند التأمّل يتبيّن أنّ هذا القانون جارٍ في الكون
كلّه؛ فكلُّ شيء، وكلُّ نوعٍ، قائمٌ على مقاديرَ معيّنةٍ مخصوصة، يحفظها ويُبقيها،
وينقلها من جيلٍ إلى جيل. فنسلُ القطّة لا يتحوّل كلبًا، ولا تلدُ الماعزُ أسدًا،
ولا يخرج من النوع الإنساني نوعٌ غيرُ الإنسان.
فثبت أنّ كلَّ نوعٍ يحتفظُ بهويّةٍ مستقلّةٍ بسبب هذه
المقادير المعيّنة، وأنّ انتقالها عبر الأجيال هو الذي يُبقي لكلّ نوعٍ تشخّصَه
الخاص.
فما هذه المقاديرُ المعيّنة؟
إنّها في حقيقتها أنوارٌ تتبدّل بنِسَبٍ مخصوصة، فتُنشئ
نوعًا معيّنًا. وقد سمّى العالِمُ الروحانيّ العظيم قلندر بابا أولياء
رحمه الله عليه هذه الأنوارَ المُنشِئةَ بـ«النَّسَمة المركّبة».
ويُعبّر القرآن عن هذه الحقيقة بقوله:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سورة النور،
24:35
وقال عيسى بن مريم عليه السلام:
God said Light and there was Light
«قال الله: نورٌ! فكان النور».
ومن خلال التصوير الكيرلياني، أطلق العالم Semyon Kirlian على الصورة الضوئيّة للنَّسَمة اسم «Aura».
وتُبيّن لنا البصيرةُ اللامحدودة في علم ما وراء النفس
أنّ هذه المقادير المعيّنة كيفيّةُ تجلّيها؛ فهذه النِّسَب من الأنوار تتجلّى
تارةً في صورة إلكتروناتٍ وبروتوناتٍ ونيوترونات، وتارةً تنشط في عددٍ معيّنٍ من
الكروموسومات. ولدينا شواهدُ كثيرة لفهم ذلك.
فكلُّ عنصرٍ—إذا نُظر إليه—له عددٌ ذرّيّ ووزنٌ ذرّيّ.
فما هو العددُ الذرّيّ؟
وهذا العددُ يدلّ على مقدارِ الإلكترونات أو البروتونات
الموجودة في العنصر؛ أي إنّ كلَّ عنصرٍ هو مظهرٌ لعددٍ مخصوصٍ من هذه الجسيمات.
فإذا أمكن—بأيّ طريقة—تغييرُ عددِ البروتونات في عنصرٍ ما، فإنّه يتحوّل تبعًا
لذلك إلى عنصرٍ آخر.
ويُخبرنا شعورُ نظريّةِ اللونِ والنور أنّ هذه المقادير
المعيّنة من الأنوار في الكائنات الحيّة تتجلّى في صورة الكروموسومات.
وقد أصبح علماءُ الوراثة على درايةٍ تامّةٍ بأنّ لكلّ
نوعٍ عددًا خاصًّا ومميّزًا من الكروموسومات؛ فللقطّة عددٌ، وللماعز عددٌ، وللأسد
عددٌ، وللإنسان عددٌ آخر مخصوص.
وفي النوع الإنساني يوجد اثنان وعشرون زوجًا من
الكروموسومات (أي ستّةٌ وأربعون كروموسومًا). وهذا التناسبُ الخاصّ من الأنوار، أو
هذه المقاديرُ المعيّنة، هو في الحقيقة الصيغةُ الخلقيّة لكلّ نوع، وهي الصيغةُ
التي تنتقل من جيلٍ إلى جيل، وبها يبقى لكلّ نوعٍ تشخّصُه المستقل.
فكيف تبقى هذه الصيغةُ النوعيّة محفوظةً عبر الأجيال؟
لفهم ذلك، لا بدّ من النظر في عمليّة الخلق.
ففي الجسد الإنسانيّ تستمرّ عمليّةُ تكسّر الخلايا
وانقسامها في كلّ وقت، ومن خلال هذا الانقسام تتكوّن خلايا جديدة. وهذا الانقسام
نوعان؛ وقد سمّاهما العلماء: Mitosis و Meiosis.
فالـ Mitosis هو انقسام جميع خلايا الجسم—باستثناء الخلايا التناسليّة—وتكمن
أهميّته في أنّ الخلايا الجديدة تحتفظ بنفس عدد الكروموسومات الموجود في الخلايا
القديمة؛ فإذا كانت الخلايا القديمة تحتوي على ستّةٍ وأربعين كروموسومًا، فإنّ
الخلايا الجديدة تكون كذلك.
أمّا في الجهاز التناسليّ، حيث تتكوّن الخلايا الخلقيّة،
أي الحيوانات المنويّة (Sperms) عند الرجل والبويضات (Ova) عند المرأة، فإنّ الانقسام يتمّ بطريقةٍ تُنقص عدد
الكروموسومات إلى النصف، ويُسمّى ذلك Meiosis.
وقد عرض القرآن الكريم عمليّة الخلق بأسلوبٍ بليغٍ يسير:
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ
نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ
مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ
خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ سورة
المؤمنون، 23:12–14
يلتقي الحيوانُ المنويّ (Sperm) والبويضةُ (Ovum)، وينشأ عن هذا اللقاء ما
يسمّيه القرآنُ الكريم «عَلَقَة» (Zygote). ثم تنقسم العلقةُ انقسامًا بعد انقسام حتى تتّخذ هيئةَ
«مُضْغَة»
(Blastocyst).
وبعد سبعةٍ أو ثمانيةِ أيّامٍ من تكوّن العلقة، تستقرّ
في قرارٍ مكين، أي في رحم الأم. وحيثما تستقرّ المضغة تتشكّل شبكاتٌ دقيقةٌ من
الشرايين والأوردة بينها وبين الأم، تكون في غاية القرب، وعن طريق هذا الارتباط
يصل الغذاءُ إلى الجنين. ثم تتكوّن العظامُ من المضغة، ويُكسى العظامُ لحمًا، فتتشكّل
الصورةُ الأولى للجنين (Embryo)، ثم يتكامل تدريجيًّا حتى يصير
طفلًا كاملَ الخلقة. وكلُّ هذا المسار الخلقيّ يتمّ داخل رحم الأم.
وسواءٌ كان المولودُ ذكرًا أم أنثى، فإنّه إذا كانت
كثافةُ الأنوار العاملة في «النَّسَمة المركّبة» منخفضةً وُلدت أنثى، وإذا كانت
الكثافةُ مرتفعةً وُلد ذكر. ولإيضاح ذلك أكثر نرجع إلى الكروموسومات.
ففي النوع الإنساني، من بين ثلاثةٍ وعشرين زوجًا من الكروموسومات، يُسمّى الزوجُ الثالث والعشرون «الكروموسومات الجنسيّة» (Sex Chromosomes)، وهو الذي يختلف بين الذكر والأنثى؛ إذ يكون عند الذكر على هيئة (XY)، وعند الأنثى على هيئة (XX).
إذا
ازدادت كثافةُ الأنوار في عمليّة الخلق وفقَ مقاديرَ معيّنة، فإنّ الكروموسومين X و Y يجتمعان،
وينتجُ عن هذا الاجتماع تكوينُ الجنسِ الذكريّ (إذ
إنّ كثافةَ الأنوار العاملة في كروموسوم Y تكون
أعلى). أمّا
إذا كانت كثافةُ الأنوار منخفضة—أي إنّ فيها مزيدًا من اللطافة—فإنّ اجتماع
الكروموسومين X و X يؤدّي إلى تكوين الجنسِ الأنثويّ.
وفي
رحمِ الأم، إذا كان في الأنوار توازنٌ، جاء الطفلُ حاملًا للخصائص الذكريّة
الكاملة. أمّا إذا زادت كثافةُ الأنوار كثيرًا أو انخفضت كثيرًا، وُلدت أنثى. ونرى
في بعض الرجال قلّةً في السِّمات الذكريّة وغلبةً للأنوثة، فتظهر في أسلوب الحديث،
والحركة، والهيئة ملامحُ الرِّقّة؛ وسببُ ذلك عدمُ تساوي الأنوار.
ومن
حيثُ الخلق، يغلب اللونُ الأزرق في النساء، ويغلب اللونُ الورديّ في الرجال.
وإذا
تأمّلنا تركيبَ الكروموسومات، وجدناها في صورة أزواج؛ يكون أحدُ طرفي الزوج من
الأمّ، والآخر من الأب. وتتكوّن الكروموسومات من بروتين وDNA، ووحدةُ الـDNA
تُسمّى «جين» (Gene). وعن
طريق الجينات تنتقل خصائصُ الوالدين، من وعيٍ وعاداتٍ وسلوك، إلى الطفل. كما أنّ
ما يتعلّمه الطفل من البيئة يُخزَّن في هذه الجينات. فالأمراضُ الوراثيّة،
والأفكار، والتصوّرات، والقدرات، والملامح، وفصيلة الدم، واللون، والقيم
العائليّة—كلّها محفوظةٌ في الجين على هيئة سجلّ. ومن حيثُ النظر المادّي، فإنّ
الجين هو في الحقيقة سجلٌّ نوعيّ.
ويتكوّن
نصفُ وعي الطفل من والديه، والنصفُ الآخر من البيئة. فالنَّسَمةُ تتلقّى الفكرة
أوّلًا، ثم تنتقل هذه الفكرة إلى الجين، ومنه تصدر التوجيهات إلى الخلايا، فتتحقّق
الفكرةُ في صورةٍ عمليّة. وتستمرّ الحياةُ كلّها على تنفيذ هذه التوجيهات.
وتوجد
أمثلةٌ كثيرة على تأثير تصوّرات الأمّ في الجنين أثناء الحمل؛ فمثلًا، إذا كانت
الأمّ مضطربةً قلقةً، جاء الطفلُ ضعيفًا من الناحية الذهنيّة.
وأُجريَت
تجربةٌ أخرى؛ فعندما حَمَلَت مرّةً ثانية، عُلِّقَت في الغرفة صورةُ طفلٍ إنجليزيّ
جميل، وطُلب من الأمّ—على سبيلِ التجربة—أن تُكثِر من النظر إلى هذه الصورة. فكانت النتيجةُ أنّ ملامحَ الطفلِ المولود جاءت قريبةً
جدًّا من الملامحِ الظاهرةِ في الصورةِ المُعلَّقة على الجدار.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.