Topics
فإذا أعادت هذه النقطةُ نفسَها، أفضى فعلُ التكرار إلى
أن تصيرَ نقطتين. ثم تعيدُ النقطةُ نفسَها مرةً أخرى، فينشأُ عنها مزيدٌ من
النقاط. ومنذُ الأزلِ والأمرُ جارٍ على هذا النسق؛ إذ إنّ تكرارَ الشعورِ يُنتجُ
عددًا لا يُحصى من النقاط، وهذه النقاطُ الكثيرةُ تتخذُ هيئةَ دائرة، وجميعُ
الدوائرِ إذا اجتمعت تكوِّنُ دائرةً كبرى، وهذه الدائرةُ الكبرى هي الكون.
وعندما نذكرُ الدائرةَ، فإنّ ذكرَ المثلثِ يلازمُها
بالضرورة؛ فالنقطةُ حين تعيدُ نفسَها تتكوّنُ الدائرة، ومن دائرةٍ تنشأُ أخرى، ثم
ثالثة، حتى تتشكّلَ دائرةٌ كبرى. وهذه الدائرةُ الكبرى (أي الكونُ بأسره) قائمةٌ
في حقيقتها على الأفراد؛ فهؤلاء الأفرادُ من جهةٍ دوائر، ومن جهةٍ أخرى مثلثات.
وما هو موجودٌ في إدراكِ الإنسانِ ينقسمُ إلى قسمين:
قسمٌ يتعلّقُ بحواسِّ الليل، وقسمٌ يتعلّقُ بحواسِّ النهار. يُسمّى الأولُ ليلًا،
والثاني نهارًا. وإحدى الدائرتين تُسمّى حلمًا، والأخرى يقظةً. وقد جرى في نوعِ
الإنسانِ اعتبارُ حواسِّ الليل—من ظلمةٍ أو غنودٍ أو نوم—أمرًا غيرَ حقيقي، وليس
الأمرُ كذلك؛ إذ لا وجودَ في الكونِ لتصوّرٍ غيرِ حقيقي. وإذا تأمّلنا تبيّن أنّ
حواسَّ النهارِ تحظى بشهادةٍ جماعية، بينما حواسُّ الليلِ شهادتُها فردية؛ غير
أنّه لا يمكنُ إغفالُ أنّ في الشهادةِ الجماعيةِ أخطاءً كثيرة.
وعندما يتعارفُ فردٌ مع آخر، وبما أنّهما موجودانِ في
الزمانِ بينهما رابطةٌ مشتركة، فإنّ الذاتَ تستقرُّ عند نقطةٍ واحدة، وهذا
الاستقرارُ هو في حقيقتهِ الرؤية.
وحين يستخدمُ الشعورُ الإنسانيُّ السمعَ أو البصرَ
اللذينِ وهبهما اللهُ له، يبدأُ بنسبتِهما إلى نفسه، فيقولُ: رأيتُ وسمعتُ؛
والحقيقةُ أنّه سمعَ بسمعِ اللهِ ورأى ببصرِ الله. فإذا نسبَ الإنسانُ سمعَ اللهِ
وبصرَه إلى نفسه، ابتدأ من هنا تسلسلٌ لا نهائيٌّ من الأخطاء، فيقعُ في الخطأِ في
معاني ما يرى.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ
نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ سورة الأعراف 7:189
إنّ نوعَ الإنسانِ كلَّه قد أُنشئ وفقَ مخطّطٍ خفيّ،
وهذا المخطّطُ لا يظهرُ للحواسِّ المقيّدة، ولذلك فهو يعملُ من وراءِ المظاهر.
وقال اللهُ تعالى في القرآنِ الكريمِ:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ﴾ سورة القصص 28:7
إنّ الإيحاءَ إلى مريمَ عليها السلام يدلّ على أنّ
الإلقاءَ أو الوحيَ لا يختصّ بالأنبياء، بل يشملُ عامّةَ الناس أيضًا؛ إذ لم تكن
مريمُ رسولًا ولا نبيّة. فالوحيُ أو الإلقاءُ مرتبطٌ بالسَّمعِ والبصرِ اللذين
وهبهما خالقُ الكون؛ وهذان السمعُ والبصرُ الإلهيّان هما في الحقيقةِ سمعُ الناسِ
وبصرُهم. وقد أُودِعت هذه الصفةُ في كلِّ إنسان، ويُدرِكُها
الإنسانُ باسمِ الضمير؛ فهو يُصغي إلى صوتِ ضميرِه، ويستنبطُ النتائجَ على هُداه.
وصوتُ الضميرِ في حقيقتهِ صوتُ الخالق، وما يترتّبُ عليه من نتائجَ هو عطاءٌ من
الخالق. فإذا أرشدَ الضميرُ، ابتدأ نقدُ النفس، وهذا النقدُ هو الذي يُقوِّمُ
نيّةَ الإنسان، فيجعلُها صائبةً أو منحرفةً.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.