Topics
تُبيّنُ
لنا نظريّةُ اللونِ والنور أنّ ما كُتِبَ إلى الآن في الروحانيّةِ قد تناولَ ذكرَ
العلومِ الماورائيّة، غيرَ أنّ هذا العلمَ لم يُجعَلْ شائعًا بينَ الناسِ على نحوٍ
بسيطٍ كقولِنا: واحدٌ زائدُ واحدٍ يساوي اثنين، واثنانِ زائدُ اثنين يساوي أربعة.
فقد ذُكِرَت رموزٌ ونكاتٌ كثيرة، ولكن بقيت أسرارٌ لا تُحصى مستورة.
ويقولُ
أهلُ الاختصاص إنَّ العلومَ الماورائيّة—لأنّها تُنقَل—ينبغي أن تُحفَظ ويُحافَظَ
عليها، وأنّه بعد تحصيلِ العلومِ الروحانيّة ينبغي كتمانُ نتائجِها، أي الأمورِ
فوقَ الطبيعيّة. ولِمَ
كان ذلك؟ لا يُفهَم من هذا إلا أنّ قدرةَ الإنسانِ على التفكيرِ والفهمِ وتحصيلِ
العلمِ لم تكن في الماضي كما هي اليوم.
فقبلَ
هذا العصرِ العلميِّ المتقدّم كانت وصولُ الأصواتِ من مسافاتٍ بعيدةٍ يُعدُّ من
الكرامات، أمّا اليوم فقد اكتشفَ العلماءُ موجاتِ الصوت. وكذلك كان انتقالُ
الأفكارِ من مكانٍ إلى آخر يُعَدُّ أمرًا فوقَ الطبيعيّة، بينما أصبحَ في عصرِنا
نقلُ الصورِ عبرَ آلافِ الأميال أمرًا مألوفًا.
وليس
ببعيدٍ، فقبلَ نحوِ خمسينَ سنةً فقط، لو قيلَ للناس إنَّ الإنسانَ مكوَّنٌ من
أضواءٍ لسخروا من ذلك، أمّا اليوم فقد أثبتَ العلمُ أنّ الإنسانَ مركَّبٌ من
موجات. ولم يقتصرِ الأمرُ على بيانِ كونِه مركَّبًا من موجات، بل أصبحَ من الممكنِ
التقاطُ صورةٍ لشيءٍ بعدَ مرورِه من مكانٍ ما.
في الأزمنةِ السابقةِ كانتِ الجدّاتُ يروينَ للأطفالِ
حكاياتِ “المركبةِ الطائرة”، أنّ أميرًا وأميرةً ركباها فطارا بها. أمّا اليوم
فإنَّ تلك المركبةَ الطائرة—أي الطائرة—أصبحت ماثلةً أمامَ أعينِنا، ونركبُها
ونسافرُ بها حيثُ نشاء.
والمقصودُ من هذه الأمثلةِ أنَّه قبلَ تطوّرِ العلمِ لم
تكن لدى الإنسانِ القدرةُ الكافيةُ لفهمِ الرموزِ والإشاراتِ الماورائيّة، ولذلك
كان أهلُ هذا العلمِ يختارون أفرادًا معدودين وينقلون إليهم هذه العلوم. أمّا في
هذا العصر فقد بلغت القدرةُ الذهنيّةُ والتفكّرُ عند الإنسانِ حدًّا كبيرًا، حتى
إنَّ ما كان يُعَدُّ كشفًا وكراماتٍ صارَ اليوم جزءًا من الحياةِ اليوميّة. وكلّما
ازدادت قدرةُ الإنسانِ من خلالِ العلوم، ازدادَ شعورُه قوّةً، ونمتْ ذكاؤه،
وازدادت قدرتُه على فهمِ المعاني العميقة.
والمقصودُ من هذه الأمثلةِ أنّه قبلَ تطوّرِ العلمِ لم
تكن لدى الإنسانِ القدرةُ الكافيةُ لفهمِ الرموزِ والإشاراتِ الماورائيّة، ولذلك
كان المتخصّصون في العلومِ الروحانيّة يختارون عددًا قليلاً من الناس ثم ينقلون
إليهم هذه العلوم. أمّا في هذا العصر فقد بلغت القدرةُ الذهنيّةُ والتفكّرُ
عند الإنسانِ حدًّا كبيرًا، حتى إنَّ ما كان يُعَدُّ كشفًا وكراماتٍ صارَ اليوم
جزءًا من الحياةِ اليوميّة. ومع ازديادِ قدرةِ الإنسانِ من خلالِ العلوم، ازدادَ
شعورُه قوّةً. وازدادَتِ الذكاءُ، وتعاظمت القدرةُ على فهمِ المعاني
العميقةِ وإدراكِها. غيرَ أنّ لتطوّرِ العِلمِ الحديثِ (العِلم) جانبًا آخرَ من
الأثر، فكلّما ازدادت قوّةُ الشعورِ ضعفتْ في الإنسانِ قوّةُ اليقين.
ومعنى ضعفِ قوّةِ اليقين أنّ الإنسانَ أخذَ يبتعدُ شيئًا
فشيئًا عن الذاتِ الماورائيّة. ويرجعُ السببُ الأساسيُّ في ذلك إلى أنّ هدفَ
تطوّرِ العِلمِ الحديثِ أصبحَ في الغالبِ تحصيلَ وسائلِ الراحةِ والرفاهيّةِ
الدنيويّة. وبما أنّ الدنيا ترمزُ إلى عدمِ اليقين، وتقومُ على الفرضيّاتِ
الحسّيّةِ ولا تملكُ حقيقةً مستقلّةً، فقد أصبحَ هذا التقدّمُ في جانبٍ منه عذابًا
للإنسان. ولو أنّ هذا التقدّمَ قامَ على الجمعِ بين الأسبابِ الظاهرةِ والبحثِ عن القدراتِ
الماورائيّة، لكان اليقينُ يزدادُ قوّةً بدلَ أن يضعف. ومع ذلك فقد أدّى انتشارُ
العلومِ العلميّةِ إلى فائدةٍ مهمّة، وهي أنّه أوجدَ في الإنسانِ شغفًا بتحصيلِ
العلومِ الماورائيّة.
قبلَ خمسينَ أو مئةِ سنةٍ، كانت القدرةُ التي لا تُنالُ
إلا بعدَ رياضاتٍ تمتدُّ خمسينَ أو مئةَ سنة، تُكتسَبُ اليومَ في بضعةِ أشهرٍ إذا
ترسَّخَ اليقينُ في الإرادة، فتستيقظُ هذه القدرةُ وتتحرّك.
تُعلِّمُ نظريّةُ اللونِ والنور أن يعيشَ الإنسانُ في
الدنيا ويُنجزَ جميعَ أعمالِها. فليأكلِ الطعامَ الطيّبَ، وليلبسِ أفضلَ اللباس،
وليأكلِ الدجاجَ مع الصلصة، ولكن ليجعلْ وجهةَ كلِّ عملٍ وكلِّ فعلٍ نحوَ تلكَ
الذاتِ المطلقةِ التي خلقت هذا العالم. فليأكلْ لأنَّ اللهَ يريدُ من العبدِ أن يأكل، إذ لو لم
يأكلِ الناسُ لخَرِبَتِ الدنيا، وليشربْ لأنَّ اللهَ يريدُ منه أن يشربَ لكي يبقى
هذا البستانُ الذي أنشأه الله—أي الدنيا—ناضرًا مزدهرًا. وليُحِبَّ زوجتَه وأولادَه، ولكن لتكنْ هذه المحبّةُ
لأنَّ اللهَ يريدُ أن تكونَ هذه المحبّة، حتى تتمَّ تربيتُهم تربيةً صحيحة،
ويعيشوا حياةً متميّزةً عن الحيوان. فالذاتُ الماورائيّةُ تريدُ منّا أن نربّي
أبناءَنا على نحوٍ تنتشرُ فيه القيمُ الإنسانيّة، ويقومُ به مجتمعٌ راقٍ متميّزٌ
عن حياةِ القطيع.
في الحياةِ اليوميّةِ تُعَدُّ أهمُّ مسألةٍ هي تحصيلُ
الرزق، لأنَّ الحياةَ لا يمكنُ أن تتقدّمَ خطوةً واحدةً من دونِه. وحياةُ الإنسانِ
مزدانةٌ بمراحلَ وأزمنةٍ مختلفة. فأوّلُ مرحلةٍ من قيامِ الحياةِ تكونُ في غرفةٍ
مغلقةٍ، لا يمرُّ فيها الهواءُ ظاهرًا، ولا تتوفّرُ فيها أسبابُ الطعامِ والشرابِ
بإرادةِ الإنسان واختيارِه، ولا يبذلُ فيها جهدًا ولا مشقّةً لتحصيلِ رزقِه. لكنَّه مع
ذلك يُرزَقُ وتنمو حياتُه. وتمتدُّ هذه النشأةُ تسعةَ أشهر، ينمو فيها الطفلُ في
بطنِ أمّه تدريجيًّا وباتّزان، وتُلبَّى جميعُ حاجاتِه الغذائيّة. وبعدَ تسعةِ
أشهرٍ يخرجُ من تلك الغرفةِ وقد اكتملت صورتُه الإنسانيّة، ومع ذلك لا يكونُ
قادرًا على تلبيةِ حاجاتِه بنفسِه. ولتنميةِ حياتِه جعلتِ الذاتُ الماورائيّةُ في قلبِ الأمِّ
محبّةً له، وجعلت في صدرِها لبنًا يكونُ له موردًا للغذاء، فيستمرُّ في الحصولِ
على غذائِه من غيرِ أيِّ جهد، وتستمرُّ نشأتُه. وحتى بعد انتقالِه من مرحلةِ
الطفولةِ إلى الصِّبا، فإنَّ جميعَ حاجاتِه قد جُعِلَت كفالتُها على والديهِ من
قِبَلِ تلك الذات. وعندما يدخلُ الإنسانُ عالمَ الشعورِ يحدثُ فيه تحوّل،
فيظنُّ أنَّه لا بُدَّ له من السعي لتحصيلِ رزقِه، فينشغلُ بهذه المحاولةِ وينسى
ماضيَ حياتِه كلَّه. وكما ملأتِ الذاتُ الماورائيّةُ قلبَ الأمِّ بالمحبّة،
فقد وضعت في الأرضِ أيضًا محبّةَ مخلوقاتِها، وألزمتها أن تخدمَ من يعيشُ عليها،
وكذلك جعلتِ القمرَ والشمسَ مسخَّرَينِ للخدمة. فلو لم تُنبِتِ الأرضُ القمح، ولم
تُنضِجِ الشمسُ بضيائِها وحرارتِها القمحَ أو الأرز، لما تيسّرت الحاجاتُ
الغذائيّة، وإذا لم تُنتِجِ الأرضُ شيئًا فلن تبقى النوعُ الإنسانيّ ولا سائرُ
الأنواعِ حيّة.
ولتبنّي طرزِ الفكرِ الروحانيّ لا بُدَّ أوّلًا من قبولِ
طرزِ الفكرِ الخاصِّ بالذاتِ الماورائيّة، ثم إقامةِ علاقةٍ مع تلك الذات. ولا
يتحقّقُ هذا الارتباطُ إلا إذا اتّخذَ الطالبُ عاداتِ تلك الذاتِ وأخلاقَها عاداتٍ
له، وإذا أفاضتْ عليه تلك الذاتُ من قربِها حتى تعدَّه جزءًا من نفسِها.
وعندما ينشأ في داخلِنا تقاضٍ ما، تَرِدُ إلينا إطلاعةٌ
بأنَّ الجسدَ يطلبُ شيئًا ليحافظَ على طاقتِه وقوّتِه. فنُدرِكُ من ذلك أنّ الجسدَ
يحتاجُ إلى وسائلَ من الحرارةِ أو البرودةِ أو إلى الطعامِ والشراب. وعند هذه
النقطةِ تتكوَّنُ نقوشُ تلك الأشياء، وهذه النقوشُ هي أساسُ النشأةِ الجسديّة. وفي
هذه الحال تبدأُ الموجاتُ العاملةُ في الطعامِ والشرابِ وسائرِ الأشياءِ في جذبِ
الإنسانِ إليها.
القانون:
نقولُ
إنّا نأكلُ الخبز، ولكن الحقيقةَ أنَّ النورَ أو الطاقةَ الكامنةَ في القمحِ هي
التي تجذبُنا إليها، فإذا توجّهنا إليها بكاملِ انتباهِنا انجذبتْ حاجتُ الجوعِ في
داخلِنا إلى القمحِ واندفعتْ نحوه.
ومعنى
ذلك أنّنا لا نأكلُ الأرزَّ أو القمحَ، بل الأرزُّ أو القمحُ هو الذي “يأكلُنا”
بمعنى أنّه يجذبُنا إليه. إنَّ في القمحِ قوّةَ جذبٍ، وهذه القوّةُ هي التي
تجذبُنا، فنحنُ لا نجذبُها. وعندما ينشطُ هذا التَّقاضي في داخلِنا بعمقٍ كامل
نشعرُ بالجوع، ومعنى هذا الإحساس أنّ الإنسانَ لا يستطيعُ البقاءَ من دونِ طعام.
وهذه هي النقطةُ التي يصبحُ فيها الطعامُ مظهرًا. وفي الحياةِ اليوميّةِ ونمطِ المعيشةِ والقوانينِ
الأخلاقيّةِ السائدةِ في المجتمع (الطبيعيات)، يكونُ كلُّ إنسانٍ على درايةٍ بها
ضمنَ حدودِ علمِه. وبعد الطبيعيات يأتي علمٌ آخرُ أرقى من مستوى الفهمِ العام، وقد
سمّاه أهلُ الفكرِ بعلمِ النفس. وفي هذا العلم تُبحثُ الأمورُ التي تقومُ عليها
أسسُ الطبيعياتِ أو الشعور.
في كلِّ نوعٍ من الأنواعِ يولدُ الأبناءُ على نقوشِ
نوعِهم الخاصّة. فالقطّةُ—مهما ألفتِ الإنسان—تبقى من نسلِ القطط، ولم يُشاهَدْ
قطُّ أنَّ الماعزَ تلدُ بقرةً أو أنَّ البقرةَ تلدُ حمامةً.
وفي بطنِ الأمِّ تنتقلُ إلى الجنينِ من جهةٍ تصوّراتٌ
نوعيّة، ومن جهةٍ أخرى تنتقلُ إليه تصوّراتُ الأمِّ والأب، وهذه التصوّراتُ تعملُ
ضمنَ مقاديرَ محدَّدة.
﴿تباركَ الذي خلقَ فسوّى وقدّر
فهدى﴾
وهذه المقاديرُ هي التي تُميّزُ الأنواعَ بعضَها عن بعض.
ففي الصيغِ التخليقيّة، إذا تحوّلت هذه المقاديرُ إلى هيئةِ الماعزِ صارَت ماعزًا،
وإذا تحوّلت إلى نقوشِ الإنسانِ صارَت إنسانًا.
نقول
إننا نأكل الخبز، ولكن الصحيح أن النور الكامن في الحنطة يجذبنا إليه التي تخفى في
الحنطة تجذبنا إليها و عندما نتوجه إليها كامل التوجه فيسري جوعنا في الحنطة و
نشعر بالجوع و الثقل النوعي في الحنطة تجذبنا و لانجذبه إلينا. و إذا كان ذلك
النشاط يتم نشعر بالجوع ، يعنى أننا نضطر إلى الأكل أو الشرب ، وهذه هي النقطة
التي حيث يصبح الأكل مظهرا و يختار شكلا.
كل
إنسان له إلمام يسير حسب ما تقتضي أحوال مجمتع حياته حول العلوم الطبيعية من
القوانين الأخلاقية و الأصول الجارية في مجمتمعه و ما بعد الطبعيات من العلوم التي
سماها المفكرون بالنفسيات تبحث عن الأمور التي يقوم عليها أساس الطبعيات.
و
هذه حقيقة واضحة لا ينكرها أي منكر أن نوعا من الخلق لا يمكن أن ينجب نوعا آخر فإن
أحدا لم يسمع أن قطة أنجبت بقرة أو البقرة أنجبت حمامة.
وإذا
انتقلتِ الفكرةُ النوعيّةُ إلى الطفل في رحم الأم في جانب فتنتقل إليه فكرة
الوالدين إليه في جانب آخر. و تعمل المقادير المعينة في تلك الأفكار.
سَبِّحِ
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾
وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿سورة الأعلى: 1- ٣﴾
و
هذه المقادير تميز نوعا من آخر فإن كانت المقادير مع الصيغ تظهر في صورة الغنم
تكون غنما و إن كانت تتغير إلى نقوش و صور آدم تكون المقادير آدميا.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.