Topics
من الأمورِ المشاهَدة أنّ الكتلةَ اللحميّةَ حينما
تتّخذُ هيئةَ الإنسان، وتتكوّنُ فيها العينُ والأذنُ والأنفُ والدماغ، فإنّها
تسمعُ وتتكلمُ وتبصرُ وتشعر. وبعد الولادةِ تنمو وفقَ نظامٍ وقانونٍ معيّن، حتى
تبلغَ مرحلةً يُوصَفُ فيها الفردُ بأنّه واعٍ وعاقل.
وقد ثبتَ بالتجربةِ أنّ كلَّ فردٍ في النوعِ الإنسانيّ
يمتلكُ إدراكًا خاصًّا به، وهذا الإدراكُ الفرديّ هو الوسيلةُ للتعرّفِ والتمايُز
بينَ الناس.
وللتعرّفِ طريقتان: إحداهما أن نرى غيرَنا، فنُدركُ أنفسَنا
أولًا بملامحِنا الجسديّةِ وبما نملكُه من فهمٍ وإدراك، ثم نُدركُ الشخصَ الآخرَ
أو المخلوقَ الآخرَ أمامَنا. وهذا إدراكٌ يتعلّقُ بالعالَمِ الظاهر.
أمّا الطريقةُ الأخرى فهي الإدراكُ الباطنيّ، وذلك أنّ
جميعَ الصورِ محفوظةٌ في الباطنِ بأمرِ الله. فعندما تَعرِضُ أمامَنا صورةٌ أو
هيئةٌ، فإنّنا نُدرِكُها بواسطةِ وجودِنا الباطنيّ. والقانونُ في ذلك أنّ كلَّ
ظاهرٍ إنّما هو انعكاسٌ للباطن، ولا يظهرُ شيءٌ في الصورةِ الظاهريّةِ ما لم يكن
له وجودٌ في الباطن.
إنَّ قانونَ التعرّفِ بينَ أفرادِ الكائناتِ هو أنّ
الكونَ كلَّه منقوشٌ جملةً واحدةً في اللوحِ المحفوظ، ومعنى كونِ هذا البرنامجِ
الكونيِّ منقوشًا على وجهِ الإجمال أنّ كلَّ فردٍ من أفرادِ الكائناتِ يمتلكُ
إدراكًا باطنيًّا للتعرّفِ إلى سائرِ الأفراد.
وإذا تصوّرَ كلُّ إنسانٍ ذهنَه مرآةً، فإنَّ طرازَ
الرؤيةِ المباشرةِ يكونُ على هذا الوجه: إنَّ أيَّ صورةٍ أو شيءٍ إنّما يراه
الذهنُ أوّلًا، ثم نراه نحن. فنحن في الحقيقةِ لا نرى الأشياءَ ذاتَها، بل نرى
رؤيةَ أذهانِنا لها. فلا يكونُ أيُّ خاطرٍ أو تصوّرٍ أو شيءٍ مقبولًا للبصر ما لم
تنعكسْ صورتُه أوّلًا على شاشةِ الذهنِ الإنسانيّ.
فإذا كان أمامَنا كأسٌ فيه ماء، فإنَّ النظرَ إليه—بحسبِ
نظريّةِ اللونِ والنور—رؤيةٌ خياليّةٌ غيرُ حقيقيّة. أمّا الحقيقةُ فهي أنّ صورةَ
الكأسِ وماهيّةَ الماءِ تنتقلُ إلى شاشةِ الذهنِ بواسطةِ البصرِ والعلم، فتقومُ
العينُ بحفظِ هذا النقش.
ومن منظورِ نظريّةِ اللونِ والنور، فإنَّ النظرَ إلى
الخارج ليس رؤيةً في الحقيقة، بل الرؤيةُ هي أنّنا نرى رؤيةَ روحِنا، أي إنَّنا
نرى رؤيةَ روحِنا نفسِها. ولذلك، إذا ماتَ الإنسانُ، فإنّه—مع بقاءِ مقلةِ العينِ
وحدقتِها وسائرِ أجزائِها—لا يرى شيئًا؛ لأنَّ الجهةَ التي كانت تقبلُ الصورةَ قد
قطعت صلتَها بالجسد. وهذه الحالُ لا تقتصرُ على الموت، بل قد تقعُ في الحياةِ
أيضًا؛ فمثلًا إذا أصبحَ الإنسانُ أعمى، وكانت أمامَه أشياءٌ كثيرةٌ موضوعة، فإنّه
لا يرى شيئًا؛ وذلك لأنّ الوسيلةَ التي يتمّ بها الإدراكُ البصريُّ غيرُ موجودة،
أي إنَّ العينَ لم تنقل صورةَ الشيءِ إلى الذهن. وقد يحدثُ أحيانًا أن تكونَ
العينانِ سليمتينِ، وتكونُ الحالةُ الجسديّةُ قائمة، ولكن خلايا الدماغ (Cells) تصبحُ غيرَ فعّالة. وهذه الخلايا هي التي تُولِّدُ
الإحساسَ في الإنسان، أو هي التي تقومُ بوظيفةِ إظهارِ المعالمِ الصوريّة عند
الرؤية، فإذا تعطّلت أو تلفت، فإنّ الإنسانَ في هذه الحالةِ لا يستطيعُ أن يرى ولا
أن يشعر. وقد يشعرُ الإنسانُ بالألمِ من لَدغةِ نملةٍ من غيرِ أن
يراها، لأنّ الحاسّةَ قد نقلت إلى لاشعورِه علمًا بأنَّ شيئًا قد لَدَغَه. فأيُّ
إحساسٍ يتكوَّنُ في الإنسان—بأيِّ طريقٍ كان—إنّما يُبلِّغُ لاشعورَه بحصولِ أمرٍ
ما. وأوّلُ ما يحصلُ عليه الإنسانُ من علم—سواءٌ كان عن طريقِ اللمسِ أو الشمِّ أو
السمعِ أو البصر—إنّما هو أوّلُ درجاتِ الإحساس.
وسماعُ الشيءِ ثم استنباطُ معناہ يُعَدُّ الدرجةَ
الثانيةَ من الإحساس. فعندما يحصلُ الإنسانُ على علمِ شيءٍ لأوّلِ مرّةٍ يكونُ ذلك
هو الدرجةَ الأولى من الإحساس، ورؤيةُ الشيءِ هي الدرجةَ الثانية، وسماعُه هو
الدرجةَ الثالثة، وإدراكُ رائحته عن طريق الشمّ هو الدرجةَ الرابعة، ولمسُه هو
الدرجةَ الخامسة. والحقيقةُ أنّ الإنسانَ في أصلِه علمٌ، وهذا العلمُ يتجلّى في
صورِ إحساساتٍ بدرجاتٍ مختلفة.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.