Topics
كيف يفكّر أولياءُ الله الكرام،
أتباعُ نظريّةِ اللونِ والنور، وإلى أيّ مدى يعمل النورُ في فَهمهم وفراستهم؟ في
هذا الشأن يقول حضرت قلندر بابا أولياءؒ:
كان جدّي لأمّي، تاجُ الدين
الناغبوريؒ، لا في المسائل الخاصّة فحسب، بل في الأحوال العامّة أيضًا، يذكر في
حديثه نقاطًا مركزيّةً ترتبط مباشرةً بأعماق قانون القدرة. وكان يبدو أحيانًا أنّ
موجاتٍ من النور تنتقل على نحوٍ متّصل من ذهنه إلى أذهان السامعين. وكان يحدث
أيضًا أن يجلس صامتًا تمامًا، فيفهم الحاضرون ويشعرون في أذهانهم، كما هو، بكلّ ما
يكون في ذهن جدّي. وكان أمرًا مألوفًا جدًّا أن تخطرَ مسألةٌ في أذهان بضعة أشخاص،
فإذا به يجيب عنها فجأة.
وكان ملكُ المرهته رَغُهوراؤ يُكنّ
له عقيدةً غير عاديّة. وكان المهراجا على صلةٍ ما بالعلوم الخفيّة، وكانت فيه
قابليّةٌ لتلقّي الفيض. فسأله مرّةً: «بابا صاحب! إنّ المخلوقات التي لا تُرى، مثل
المَلَك أو الجنّ، لها حكم الخبر المتواتر. ففي جميع الكتب السماويّة توجد إشاراتٌ
إلى هذا النوع من المخلوقات. وفي كلّ دينٍ قيل شيءٌ ما عن الأرواح الشرّيرة أيضًا،
ولكن لعدم وجود تعليلاتٍ عقليّة وعمليّة، يضطرّ ذوو الفَهم إلى التفكير. وهم
يتوقّفون عن القول: “لقد فهمنا”. والتجارب المتداولة على الألسنة تجاربُ فرديّة،
لا جماعيّة. فتفضّلوا بإرشادٍ في هذه المسألة».
وحين طُرح هذا السؤال، كان تاجُ
الدينؒ مستلقيًا، وكانت عيناه إلى أعلى. فقال: «يا رَغُهوراؤ! نحن جميعًا، منذ
وُلدنا، نرى مجلسَ النجوم. ولعلّه لا تمرّ ليلةٌ إلا وترتفع أبصارُنا إلى السماء.
ومن اللطيف أنّنا نقول كذلك: النجوم أمامنا، ونحن نرى النجوم، ونحن على معرفةٍ
بالعالم السماوي. ولكن ما الذي نراه؟ وبأيّ عالمٍ من عوالم القمر والنجوم نحن
عارفون؟ إنّ شرح ذلك ليس في مقدورنا. وما نقوله لا يتجاوز الظنّ والتخمين، ومع ذلك
نظنّ أنّنا نعلم. والأعجب من ذلك أنّنا حين ندّعي أنّ الإنسان يعلم شيئًا ما، لا
نفكّر قطّ هل في هذا الادّعاء حقيقة أم لا».
ثم قال: «افهموا ما قلتُه، ثم
أخبروني إلى أيّ حدٍّ علمُ الإنسان مشلول. فالإنسان، مع أنّه لا يعلم شيئًا، يوقن
بأنّه يعلم أشياء كثيرة. وهذه أمور بعيدة. فانظروا أيضًا في الأشياء التي تقع
دائمًا في تجربة الإنسان. يطلع النهار؛ فما هو طلوع النهار؟ لا نعلم. وما معنى
الطلوع؟ لا ندري. ما الليل والنهار؟ في الجواب يقال فقط: هذا نهار، وبعده يأتي
الليل. وهذا هو مقدار تجربة النوع الإنساني.
يا رَغُهوراؤ! فكّر قليلًا: هل
يطمئنّ الإنسان ذو الطبع الجادّ إلى هذا الجواب؟ الليل والنهار ليسا ملائكة، وليسا
جنًّا، ومع ذلك هما من المظاهر التي لا يستطيع فردٌ واحدٌ إنكارها. يمكنك أن تقول
إنّ البصر يرى الليل والنهار، ولذلك فهما قابلان للتصديق. ولكن لا بدّ أيضًا من
فهم أنّ الفكر يعمل مع البصر. فإذا لم يعمل الفكر مع البصر، لم تستطع اللغة أن
تخبر شيئًا عن البصر. في الحقيقة إنّ البصر والفكر، بكلّ عمليّتهما، هما تفكّر.
والبصر ليس إلا هيولى صامتة. وبالفكر وحده تتحقّق التجارب. فقِسِ البصرَ على جميع
الحواس؛ فكلّها صمّاء بكماء عمياء. التفكّر وحده هو الذي يمنح الحواسَّ السمعَ
والبصر. ويُظنّ أنّ الحواس شيءٌ منفصل عن التفكّر، مع أنّه لا وجود لها منفصلةً
عنه. الإنسان محضُ تفكّر. والمَلَك محضُ تفكّر. والجنّ محضُ تفكّر. وعلى هذا
القياس، فكلّ ذي شعور هو تفكّر.
الإنسان،
والمَلَك، والجنّ
كيف يفكّر
أولياءُ الله الكرام، أتباعُ نظريّةِ اللونِ والنور، وإلى أيّ مدى يعمل النورُ في
فَهمهم وفراستهم؟ في هذا الشأن يقول حضرت قلندر بابا أولياءؒ:
كان جدّي
لأمّي، تاجُ الدين الناغبوريؒ، لا في المسائل الخاصّة فحسب، بل في الأحوال العامّة
أيضًا، يذكر في حديثه نقاطًا مركزيّةً ترتبط مباشرةً بأعماق قانون القدرة. وكان
يبدو أحيانًا أنّ موجاتٍ من النور تنتقل على نحوٍ متّصل من ذهنه إلى أذهان
السامعين. وكان يحدث أيضًا أن يجلس صامتًا تمامًا، فيفهم الحاضرون ويشعرون في
أذهانهم، كما هو، بكلّ ما يكون في ذهن جدّي. وكان أمرًا مألوفًا جدًّا أن تخطرَ
مسألةٌ في أذهان بضعة أشخاص، فإذا به يجيب عنها فجأة.
وكان ملكُ
المرهته رَغُهوراؤ يُكنّ له عقيدةً غير عاديّة. وكان المهراجا على صلةٍ ما بالعلوم
الخفيّة، وكانت فيه قابليّةٌ لتلقّي الفيض. فسأله مرّةً: «بابا صاحب! إنّ
المخلوقات التي لا تُرى، مثل المَلَك أو الجنّ، لها حكم الخبر المتواتر. ففي جميع
الكتب السماويّة توجد إشاراتٌ إلى هذا النوع من المخلوقات. وفي كلّ دينٍ قيل شيءٌ
ما عن الأرواح الشرّيرة أيضًا، ولكن لعدم وجود تعليلاتٍ عقليّة وعمليّة، يضطرّ ذوو
الفَهم إلى التفكير. وهم يتوقّفون عن القول: “لقد فهمنا”. والتجارب المتداولة على
الألسنة تجاربُ فرديّة، لا جماعيّة. فتفضّلوا بإرشادٍ في هذه المسألة».
وحين طُرح
هذا السؤال، كان تاجُ الدينؒ مستلقيًا، وكانت عيناه إلى أعلى. فقال: «يا
رَغُهوراؤ! نحن جميعًا، منذ وُلدنا، نرى مجلسَ النجوم. ولعلّه لا تمرّ ليلةٌ إلا
وترتفع أبصارُنا إلى السماء. ومن اللطيف أنّنا نقول كذلك: النجوم أمامنا، ونحن نرى
النجوم، ونحن على معرفةٍ بالعالم السماوي. ولكن ما الذي نراه؟ وبأيّ عالمٍ من عوالم
القمر والنجوم نحن عارفون؟ إنّ شرح ذلك ليس في مقدورنا. وما نقوله لا يتجاوز الظنّ
والتخمين، ومع ذلك نظنّ أنّنا نعلم. والأعجب من ذلك أنّنا حين ندّعي أنّ الإنسان
يعلم شيئًا ما، لا نفكّر قطّ هل في هذا الادّعاء حقيقة أم لا».
ثم قال:
«افهموا ما قلتُه، ثم أخبروني إلى أيّ حدٍّ علمُ الإنسان مشلول. فالإنسان، مع أنّه
لا يعلم شيئًا، يوقن بأنّه يعلم أشياء كثيرة. وهذه أمور بعيدة. فانظروا أيضًا في
الأشياء التي تقع دائمًا في تجربة الإنسان. يطلع النهار؛ فما هو طلوع النهار؟ لا
نعلم. وما معنى الطلوع؟ لا ندري. ما الليل والنهار؟ في الجواب يقال فقط: هذا نهار،
وبعده يأتي الليل. وهذا هو مقدار تجربة النوع الإنساني.
يا
رَغُهوراؤ! فكّر قليلًا: هل يطمئنّ الإنسان ذو الطبع الجادّ إلى هذا الجواب؟ الليل
والنهار ليسا ملائكة، وليسا جنًّا، ومع ذلك هما من المظاهر التي لا يستطيع فردٌ
واحدٌ إنكارها. يمكنك أن تقول إنّ البصر يرى الليل والنهار، ولذلك فهما قابلان
للتصديق. ولكن لا بدّ أيضًا من فهم أنّ الفكر يعمل مع البصر. فإذا لم يعمل الفكر
مع البصر، لم تستطع اللغة أن تخبر شيئًا عن البصر. في الحقيقة إنّ البصر والفكر،
بكلّ عمليّتهما، هما تفكّر. والبصر ليس إلا هيولى صامتة. وبالفكر وحده تتحقّق
التجارب. فقِسِ البصرَ على جميع الحواس؛ فكلّها صمّاء بكماء عمياء. التفكّر وحده
هو الذي يمنح الحواسَّ السمعَ والبصر. ويُظنّ أنّ الحواس شيءٌ منفصل عن التفكّر،
مع أنّه لا وجود لها منفصلةً عنه. الإنسان محضُ تفكّر. والمَلَك محضُ تفكّر.
والجنّ محضُ تفكّر. وعلى هذا القياس، فكلّ ذي شعور هو تفكّر.
قال:
«إنّه في ثنايا هذا الحديث يَرِدُ مقامٌ تنكشف فيه طائفةٌ من أسرار الكون. فأصغوا
بإمعان! إنّ في تفكّرنا أشياء كثيرةً تتراءى وتبرز، وهي في حقيقتها واردةٌ من
خارجنا. وجميعُ أنماط التفكّر في الكون—سوى تفكّر الإنسان—التي ذُكرت آنفًا، أي
تفكّر الملائكة والجنّ، يظلّ تفكّر الإنسان متأثّرًا بها كما يتأثّر بتفكّره هو.
وسُنّةُ القدرة أنّها تُفيض من التفكّر اللامتناهي على التفكّر المتناهي. ولو لم
يجرِ هذا الفيض في الكون كلّه لانقطع الرابطُ الأوسط بين أفراد الكون. وإنّ تأثّر
تفكّرٍ بتفكّرٍ آخر جزءٌ من هذا النسق الإلهي. فالإنسانُ مقيّدٌ بالطين، والجنّ
مقيّدون بالهيولى، والملائكةُ مقيّدون بالنور. وهذه ثلاثةُ ضروبٍ من التفكّر،
وكلّها أكوان. فإذا لم تبقَ هذه الثلاثة مترابطة، ولم تتلاقَ موجاتُ تفكّرٍ مع
أخرى، انقطع الرَّبط وانهار الكون».
وثبوتُ
ذلك أنّ تفكّرَنا مُطَّلِعٌ—من حيثُ الفِكر—على الهيولى وعلى جميع الأجسام من هذا
القبيل، كما أنّه مُطَّلِعٌ—فكريًّا—على النور وعلى كلّ أنواعه، مع أنّ تجارب
تفكّرنا الخاصّة مقيّدةٌ بالطين. وبذلك يتّضح أنّ تجارب الهيولى والنور قد وصلتنا
من تفكّرٍ غيرِنا.
وفي اللغة
الدارجة يُسمّى التفكّرُ «الأنا»، وهذه الأنا أو التفكّر هي مجموعُ حالاتٍ تُسمّى
في جملتها «الفرد». وعلى هذا النمط من الخلق تقوم النجومُ كما تقوم الذرّات. غير
أنّ وعينا إمّا أن يغفل عن هذه الحقيقة أو لا يدركها إلا قليلًا، وهي أنّه عبر
التفكّر يتمّ بيننا وبين النجوم والذرّات وسائر المخلوقات تبادلٌ دائمٌ للأفكار؛
فأمواجُ أناها—أي تفكّرها—تمنحنا أشياء كثيرة وتأخذ من الجسد أشياء كثيرة. وهكذا
يكون الكونُ كلّه أسرةً قائمةً على هذا النوع من التبادل. وتبرز من بين المخلوقات
الملائكةُ والجنّ بأهميّةٍ خاصّة لنا؛ فهم أقرب إلينا من حيث التفكّر، وأكثر
أُلفةً معنا من حيث التبادل.
وكان نانا
تاجُ الدينؒ آنذاك ينظر إلى النجوم، فقال: «إنّ بيننا وبين الأنظمة الكوكبيّة
رابطةً متينة. فالأفكارُ المتتابعة التي تَرِدُ إلى أذهاننا إنّما نتلقّاها من
أنظمةٍ أخرى ومن سكّانها. وهذه الأفكار تصل إلينا عبر النور؛ إذ تحمل الأشعّةُ
الصغيرة والكبيرة عددًا لا يُحصى من الصور الذهنيّة. وهذه الصورُ هي التي نسمّيها
في لغتنا: وَهْمًا، وخيالًا، وتَصَوُّرًا، وتفكّرًا. ويُظنّ أنّها من اختراعاتنا،
وليس الأمر كذلك؛ بل إنّ طرائق التفكير لدى جميع المخلوقات تلتقي في نقطةٍ مشتركة.
وهذه النقطةُ هي التي تجمع تلك الصور وتُفيض علمها. وهذا العلمُ تابعٌ لوعي النوع
والفرد؛ فالوعي يُنشئ أسلوبًا وفقَ مقاييس أنا الإنسان، فتتشكّل الصورُ الذهنيّة
في قوالب ذلك الأسلوب».
في هذا
الموضع يجدرُ البيانُ بأنّ بين أنماط سلوك ثلاثة أنواعٍ قدرًا أكبر من الاشتراك،
وهي التي ذُكرت في الكتب السماويّة والقرآن الكريم بأسماء الإنسان والمَلَك
والجنّ. وهذه الأنواع موجودةٌ في جميع الأنظمة الكوكبيّة داخل الكون. وقد أقامت
القدرةُ نظامًا أصبحت فيه هذه الأنواع الثلاثة ركنًا من أركان الخلق؛ فمن أذهانها
تنبعثُ موجاتُ الخلق فتنتشر في أرجاء الكون، فإذا قطعت مسافاتٍ معيّنة وبلغت نقطةً
مخصوصةً تجسّدت في صورة المظاهر الكونيّة.
وقد قيل
من قبل إنّ التفكّر والأنا والشخص شيءٌ واحد، ولا يمكن التفريق بينها من حيث
المعنى بسبب اختلاف الألفاظ. فيثور السؤال: ما حقيقة هذه الأنا والتفكّر والشخص؟
إنّها كيانٌ مركّبٌ من عددٍ لا يُحصى من الكيفيّات المتجسّدة في صورٍ وهيئات،
كالبصر، والسمع، والكلام، والمحبّة، والرحمة، والإيثار، والحركة، والطيران، ونحو
ذلك. ولكلّ واحدةٍ من هذه الكيفيّات صورةٌ وهيئةٌ خاصّة. وقد جمعت القدرةُ هذه
الهيئات التي لا تُحصى في موضعٍ واحد، بحيث صارت—مع تعدّد طبقاتها—كأنّها روحٌ
واحدة. فللإنسان آلافُ الأجسام، وعلى هذا القياس تكون بنيةُ الجنّ والملائكة. وهذه
البنيةُ الثلاثيّة متميّزةٌ بكثرة طبقات الكيفيّات فيها أكثر من سائر الأنواع. وفي
بنية الكون طبقةٌ واحدة وطبقاتٌ كثيرة، غير أنّ أفراد كلّ نوعٍ يشتركون في عددٍ
متساوٍ من الطبقات.
والإنسانُ
معمورٌ به في عددٍ لا يُحصى من الكواكب، وأنواعه خارجةٌ عن حدّ التقدير. وكذلك
يقال في شأن الملائكة والجنّ. فالإنسان والجنّ والملائكة، لكلّ فردٍ منهم هيئةٌ
قائمةٌ على كيفيّةٍ ثابتة. وبعضُ الطبقات حياتُه ظاهرةٌ، وبعضُها خفيّة؛ فإذا كانت
حركةُ الطبقة ظاهرةً دخلت في نطاق الشعور، وإذا كانت خفيّةً بقيت في اللاشعور. وما
يترتّب على الحركة الظاهرة يسمّيه الإنسان اختراعًا وإبداعًا، أمّا نتائج الحركة
الخفيّة فلا تبلغ الشعور، مع أنّها أعظم أثرًا وأدوم استمرارًا. وهنا سرٌّ جديرٌ بالتأمّل، وهو أنّ الكونَ كلَّه مملوءٌ
بالمظاهرِ الناشئةِ عن الحركةِ الخفيّة. غيرَ أنّ هذه المظاهر ليست من نتاجِ
اللاشعورِ الإنسانيّ الخفيّ. فالإنسانُ—بخفائه—لم يستطع أن يُقيم صلةً مستمرّةً مع
الآفاقِ البعيدةِ من الكون، ويرجعُ هذا القصور إلى خصائصِ النوعِ الإنسانيّ نفسِه. ما زالَ هذا الأمرُ إلى الآن خارجًا عن نطاقِ وعيِ
النوعِ الإنسانيّ: لِأيِّ غايةٍ قيَّد الإنسانُ تفكّرَه بالطين؟ إنّ التفكّرَ
العاملَ في الكون لا يمكنُ أن يلبّي مقتضاه مخلوقٌ مقهورٌ بحدودِ الزمانِ والمكان،
عاجزٌ أمام المسافات. ومن ثَمَّ اقتضت الحكمةُ وجودَ خلقٍ يملكُ القدرةَ على
استكمالِ فراغاتِ هذا النظام، فكانت نشأةُ الجنّ والملائكة من التفكّر الكونيّ
لتتميمِ هذا النقص. والحقّ أنّ التفكّرَ الإنسانيّ وحده لم يُظهر جميعَ المظاهر
التي يكتملُ بها نظامُ الكون.
الكونُ اسمٌ للفواصلِ الزمانيّةِ والمكانيّة، وهذه
الفواصلُ تتكوّن من أمواجِ «الأنا» المختلطة، صغارِها وكبارِها. واختلافُ هذه
الأمواجِ في الصِّغَرِ والكِبَرِ هو ما يُسمّى بالتغيّر، وفي الحقيقة فإنّ الزمانَ
والمكانَ كلاهما صورتان من صور هذا التغيّر. أمّا «الدُّخان»—وهو ممّا لا يكادُ
يُدرَكُ في العالم—فهو نتيجةُ هذا الاختلاط وأصلُ المظاهر. وليس المرادُ بالدخان
هنا ما يُرى بالعين، بل هو دخانٌ لا يُرى. فالإنسانُ ثمرةُ الدخانِ الإيجابي،
والجنّ ثمرةُ الدخانِ السلبي، وأمّا الملَكُ فمركَّبٌ من خلاصةِ الاثنين. وهذه
الأجزاءُ الثلاثةُ هي التي يقوم عليها عالمُ الغيبِ والشهادة، ولولاها لخلت زوايا
الكون من إمكانِ التمَوُّج، ولآلَ أمرُ شعورِنا ولاشعورِنا إلى الذبولِ والعدم. وبين هذه
الأنواع الثلاثة نظامٌ عجيبٌ جارٍ؛ فإحدى كيفيّات الدخانِ الإيجابي تُسمّى
الحلاوة، وهي تجري بكثرةٍ في دم الإنسان، وأمّا الكيفيّةُ السلبيّة فطعمُها
الملوحة، وهي الغالبة في الجنّ. ومن تفاعل هاتين الكيفيّتين تكوّن الملائكة. فإذا
نقصت الكيفيّةُ الإيجابيّة في الإنسان وزادت السلبيّة، استيقظت فيه قدراتُ الجنّ
وجرى على طريقتهم. وإذا زادت الكيفيّةُ الإيجابيّة في الجنّ ونقصت السلبيّة، اكتسب
ثِقَلًا ووزنًا. وكذلك الملَك؛ فإن ارتفعت الكيفيّتان—الإيجابيّةُ والسلبيّة—فوق
حدٍّ معيّن، أمكنه بفضل الإيجابيّة أن يكتسب خصائصَ الإنسان، وبقوّة السلبيّة أن
يكتسب خصائصَ الجنّ. وعلى العكس، إذا انخفضت هاتان الكيفيّتان في الإنسان دون حدٍّ
معيّن، صدرت عنه أفعالُ الملائكة. والطريقةُ يسيرةٌ في ظاهرها؛ إذ بخفض مقادير الحلاوة
والملوحة إلى حدودٍ مخصوصة يمكن للإنسان أن يتحرّر—وقتًا—من قيود الزمان والمكان
على نحو ما للملائكة، وبخفض مقدار الحلاوة خاصّة يمكنه أن يقلّص الفواصل الزمانيّة
والمكانيّة على نحو ما للجنّ. غير أنّ العمل بهذه التدابير لا يكون إلا تحت إشراف
إنسانٍ روحيٍّ خبير.
القانون:
ينبغي ترسيخُ هذا القانون في الذهن بغاية التأمّل، وهو
أنّ كثيرًا من الأفكار التي تدور في أذهاننا لا تتعلّق بشؤوننا الخاصّة، بل يرتبط
معظمُها بمخلوقاتٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ موجودةٍ في أنحاء الكون. فتصل تصوّراتُ تلك
المخلوقات إلينا عبر موجات، فإذا حاولنا أن نُسقِط هذه التصوّرات على حياتنا عجزنا
عن ذلك مهما بذلنا من جهد. وأمّا موجاتُ «الأنا» التي ذُكرت آنفًا، فثَمّة أمورٌ
جديرةٌ بالتفكّر فيها؛ فالعلماء يرون أنّ الضوء أسرعُ ما يكون، ولكنّه ليس بالسرعة
التي تُلغي المسافات الزمانيّة والمكانيّة، أمّا موجاتُ الأنا فهي حاضرةٌ في
اللاتناهي في آنٍ واحد، فتكون المسافاتُ الزمانيّة والمكانيّة واقعةً في قبضتها؛ وبعبارةٍ
أخرى، كأنّ هذه المسافات لا وجود لها بالنسبة إليها. فالضوءُ يُقَلِّص بعضَ
الفواصل، أمّا موجاتُ الأنا فلا تعترف بها أصلًا.
ومنذ بدء
الخليقة، جرى بين البشر أسلوبُ التخاطب؛ إذ تنقل موجاتُ الصوت—بعد أن تُحدَّد
معانيها—المعاني إلى السامعين، وهذا الأسلوب ليس إلا صورةً من ذلك التبادل الجاري
بين موجات الأنا. وقد لوحِظ أنّ الأبكم يستطيع بحركةٍ خفيفةٍ من شفتيه أن يُفهم
كلَّ شيء، ويفهمه أهلُ الإدراك، وهذا أيضًا انعكاسٌ لذلك الأسلوب الأوّل. وكذلك
الحيوان يُخبر بعضُه بعضًا من غير صوت، وفي هذا أيضًا تعمل موجاتُ الأنا. بل إنّ
الأشجار تتخاطب فيما بينها، وليس ذلك مقصورًا على القريب منها، بل يمتدّ إلى
أشجارٍ متباعدةٍ على مسافاتٍ شاسعة. وهذا القانون جارٍ كذلك في الجمادات؛ فالحصى،
والحجارة، وذرّات التراب تتبادل المعاني على النحو نفسه.
وتشهد على
ذلك وقائعُ كثيرةٌ للأنبياء ولأهل القوّة الروحيّة. فالكونُ كلّه تحكمه نفسٌ
لاشعوريّةٌ واحدة، وعن طريقها تفهم كلُّ موجةٍ من الغيب والشهود معانيَ الموجة
الأخرى، ولو كانتا في طرفين متباعدين من الكون. وإنّ الفراسة والمعنويّة في عالمي
الغيب والشهود هي عِرْقُ الحياة للكون. وإذا أعملنا التفكّر والتوجّه في هذا
العِرق—وهو عِرْقُنا نحن أيضًا—أمكن لنا أن نكشف أحوال كوكبنا وسائر الكواكب، وأن
نطّلع على تصوّرات الإنسان والحيوان، وعلى حركات الجنّ والملائكة وسكناتهم، وعلى
الدوافع الباطنيّة للنباتات والجمادات.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.