Topics
عندما
نتفكّر في أرضِنا والقمرِ والشمسِ والنظامِ المجرّي وبِنيةِ الكون، يتبيّن لنا
أنَّ هذا النظامَ كلَّه يعملُ تحتَ قاعدةٍ وضابطٍ وقانونٍ، وأنَّ هذا القانونَ
والضابطَ من القوّةِ والإحكامِ بحيثُ لا تستطيعُ أيُّ شَيْءٍ في الكونِ أن تقطعَ
صلتَها بهذا الضابطِ والقاعدةِ ولو بمقدارِ جزءٍ من ألفِ جزءٍ من إنشٍ واحدٍ. وتدورُ الأرضُ بسرعتها الخاصّة
دورانًا محوريًّا وطوليًّا، وتحتاجُ في حركتِها على مدارِها أيضًا إلى سرعةٍ
مخصوصةٍ ودورانٍ معيّنٍ، ولا يقعُ في ذلك أدنى فرقٍ. ويجري الماءُ، ويتبخّرُ،
وتتفكّكُ جزيئاتُه عندَ الاصطدامِ الشديد، وتتولّدُ الكهرباءُ وتُنيرُ البيئةَ،
وكلُّ ذلك يجري تحتَ قاعدةٍ وضابطٍ مقرَّرَيْن. وكذلك
فإنَّ نشأةَ الحيوانِ والنباتِ ونموَّهما تجري وفقَ قانونٍ ثابتٍ، وفي العالمِ
الإنسانيِّ أيضًا يسيرُ نظامُ الولادةِ والنموِّ على نهجٍ واحدٍ؛ إذ يولدُ
الإنسانُ ثمّ ينمو، ويمرُّ بمرحلتَي الصِّبا والشباب، ثمّ يدخلُ في طورِ الكهولة.
والأمرُ الجديرُ بالتأمّلِ أنَّه لا أحدَ يريدُ أن يشيخَ، ولكنَّ كلَّ إنسانٍ
مُجبَرٌ على الشَّيخوخة، ولا أحدَ يرغبُ أن تَحلَّ به المنيّةُ، ومع ذلك لا توجدُ
في العالمِ ولا مثالٌ واحدٌ على أنَّ إنسانًا نجا من الموت. وبعدَ
هذا التأمّلِ العميقِ في هذه الأمورِ يتبيّن لنا أنَّ هذا النظامَ البالغَ من
التنظيمِ والتناسقِ لا بُدَّ له من ذاتٍ تُديرُه.
يُسَمِّي
بعضُ الناسِ تلكَ الذّاتَ “بَغْوَان”، وآخرُ يُطلِقُ عليها اسمَ “God”،
وقد سُمِّيَت في بعضِ الصُّحُفِ باسمِ “نِرْوَان”، وأمّا في الكُتُبِ السَّماويّةِ
فاسمُها “الله”. ومهما اختلفتِ الأسماءُ، فإنّا مُضطرّون إلى الإيمانِ والتسليمِ
بأنَّ ثمّةَ ذاتًا قويّةً لا متناهيةً تتكفّلُ بأمرِنا وتُدبِّرُ شؤونَنا، وأنَّ
لها السُّلطانَ على الكونِ كلِّه. وأمّا الذين لا يُقِرّون بهذهِ الذّاتِ العظيمةِ
فإنّهم يُرجِعون ما يقعُ في الحياةِ من خللٍ واضطرابٍ إلى الطبيعة، غيرَ أنَّ في
إنكارِهم نفسِه جانبًا من الإقرار، إذ إنَّ الإنكارَ لا يتأتّى إلا لشيءٍ له وجودٌ
في الأصل. فإذا حاولَ الإنسانُ – بحسبِ ظنِّه – أن يفهمَ هذهِ الذّاتَ ولم يُدرِكْ
حقيقتَها، مالَ ذهنُه إلى الإنكار.
كلُّ
شيءٍ قد خُلِقَ وفقَ برنامجٍ معيّنٍ، ولم يُوجَدْ شيءٌ عبثًا أو بلا غاية. وغالبًا
ما تنحصرُ اهتماماتُ الإنسانِ في جسدِه المادّيِّ المؤلَّفِ من اللحمِ والدّم، مع
أنّ هذا الجسدَ ليس هو الأصل؛ بل الإنسانُ الحقيقيُّ هو الذي يُحرِّكُ هذا الجسدَ
ويحفظُه.
نحنُ
نصنعُ اللباسَ لحمايةِ أجسامِنا المادّية، ومهما يكن نوعُ هذا اللباس، فإنّه ما
دام على الجسدِ فهو يتحرّكُ تبعًا لحركتِه، إذ لا حركةَ ذاتيّةَ له. وكذلك إذا
ماتَ الإنسانُ، لم تبقَ في جسدِه – كما في اللباس – أيُّ حركةٍ ذاتيّةٍ ولا قوّةُ
دفاع، فالجسدُ الذي نُسمّيه إنسانًا ليس هو الإنسانَ الحقيقيَّ، بل هو لباسُ
الإنسانِ الحقيقيِّ.
ونظريّةُ
اللونِ والنورِ، إلى جانبِ العقلِ والشعورِ، تدعونا إلى البحثِ عن حقيقةِ الإنسان:
من أين جاء، وكيف يُعِدُّ لنفسِه هذا اللباسَ الجسديَّ، ثمّ إلى أين يذهبُ بعد أن
يخلعَه. وقد وضعتِ القدرةُ الإلهيّةُ صيغًا مهمّةً ومختصرةً لتعريفِ الإنسانِ
بحقيقتِه، كي تنالَ الإنسانيّةُ وعيًا بذاتِها وتعرفَ أصلَها.
وكلُّ
مخلوقٍ ذو شعورٍ وحواسّ، قائمٌ حيٌّ متحرّكٌ بما أُوتِيَ من قُدراتٍ ربّانيّة.
وتتواصلُ النباتاتُ والجماداتُ فيما بينها، كما أنَّ هذا التواصُلَ بين مخلوقاتِ
الأرضِ يُنبّهُنا إلى أنَّ الأرضَ وكلَّ ذرّاتِها تملكُ نوعًا من الشعور. فالأرضُ
كالأمِّ، تحملُ قوىً خَلقيّةً، وكما تلدُ الأمُّ ولدَها، كذلك تُظهِرُ الأرضُ عبرَ
عملياتِها الخَلقيّةِ ألوانًا وصورًا تُثيرُ العقولَ وتدعو إلى التفكّر.
ضوءُ
الشمس واحدٌ، والهواءُ واحدٌ، وضوءُ القمرِ واحدٌ، والغازاتُ المنتشرةُ في الفضاءِ
واحدةٌ، ولكن عندما يتشرّبُ باطنُ الأرضِ الماءَ تظهرُ من ذلك مخلوقاتٌ لا تُحصى،
يعجزُ الإنسانُ عن عدِّها. ففي باطنِ الأرضِ ملايينُ القوالب، فإذا استقرَّ الماءُ
في أحدِها اكتسبَ شكلًا جديدًا بحسبِ ذلك القالب، فيتحوّلُ أحيانًا إلى موزٍ،
وأحيانًا إلى تفّاحٍ، وأحيانًا إلى عنبٍ، وأحيانًا إلى أزهارٍ ذاتِ نقوشٍ وألوان.
وبذرةُ
شجرةِ البَرْغَدِ، وهي أصغرُ من حبّةِ الخشخاش، إذا وُضِعت في باطنِ الأرضِ نَمَتْ
حتى تصيرَ شجرةً عظيمةً يستظلُّ تحتَها مئاتُ الناس. وهذه المظاهرُ كلُّها تُنمّي
في الإنسانِ شعورًا يدعوه إلى استخدامِ عقلِه وفكرِه ليتأمّلَ في تميّزِه عن
الحيوانِ والنباتِ والجماد.
وقد
حقّقتِ العلومُ الحديثةُ إنجازاتٍ علميّةً كبرى، غيرَ أنَّ ما يتجاوزُ الفيزياءَ
وعلمَ النفسِ هو علمُ ما وراءَ النفس، أي الروحانيّة. فالروحانيّةُ في حقيقتِها
وثيقةٌ تضمُّ قوانينَ التفكّرِ والفهمِ والتركيز، وأفضلُ وسيلةٍ لدراستِها هي
المراقبةُ.
خواجۃ شمس الدين عظيمي
إن
الزمان والمكان قسمة متعددة للمحة واحدة و قسمة اللمحة هي الإطلاع الذي يرد على
الدماغ الإنساني و خياله في كل حين و آن. و بما أن مصدر هذه الإطلاعات هي العلوم
الروحانية فيجب على من كان لهم يد طولى فيها أن يتفكروا في علوم القرآن
وإلا فلا يمكن الحصول عليها و سوف تبقى المساعي المبذولة عليها بلاجدوى.