Topics

زهق الباطل

 

وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالبيت، واستلموا الحجر الأسود  بعد ما فتحت مكة المكرمة. وكان حول البيت ستون وثلاث مئة نُصُبٍ، فجعل يقرأ هذه الآية:{جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}، و بيده عود يشير به إليها، فأكبت لوجهها.

وإن إدراك العالم الروحاني يكشف على المرء كثيراً من الحقائق. ومن هذه الانكشافات: أن الرسم البياني (graph) في الخلق البشري يحتل أهمية كبرى. وإن المربعات الصغيرة الغير المرئية بالمجاهر (Micro scope)، تشكل الأساس أو الأرضية في خلق الشيء وإنشائه. وهذه المربعات الصغيرة الغير المرئية نطلق عليها "اللحمة" و " السدى ". 

مثالًا: في غرفة الجلوس سجّادٌ مفروش، وعلى السجّاد صورةُ أسد. وهذه الصورة في حقيقتها ليست إلا نتيجةَ تقسيماتٍ دقيقةٍ لمربعاتٍ غير مرئية. ولتوضيح ذلك، يمكن النظر إلى ورق الرسم الشبكي (Graph Paper)، حيث تتكوّن الصورة من مربعاتٍ صغيرة، فإذا رُسمت عليها خطوطٌ بالقلم لتشكيل الأنف والأذن والعين، ظهرت الصورة واضحة، بينما تختفي حدودُ المربعات.

وهكذا تتكوّن أمامنا ثلاث حالات: مربعاتٌ مجرّدة تمثّل الخطوط الطولية والعرضية، ثم شبكةٌ من هذه المربعات، ثم صورةٌ تتجلّى فوق هذه الشبكة، فتظهر الصورة وتخفى المربعات.

إنَّ الأرضَ كلّها مكوّنة من موجاتٍ مفردةٍ ومركّبة؛ فإذا غلبت الموجاتُ المفردة ضعفت الجاذبية أو انتفت، وإذا اجتمعت موجةٌ مع أخرى تكوّنت الموجات المركّبة، وعندها يظهر أثر الجاذبية.

وتجتمع في هذه الموجات النورُ والضوء، وهذا الاجتماع هو الحركة، إذ تنتشر الحركة في الفراغ وتُحدِّد نفسها بطريقتين: بالموجة المفردة وبالموجة المركّبة. وهذه الموجات ليست متباعدةً ولا متصلةً اتصالًا تامًّا، بل هي نظامٌ يفصل بين الأجسام ويمنحها في الوقت نفسه إمكانية التعارف والتمييز.

والمواليد الثلاثة، أي المخلوقات المتكوّنة من العناصر المادية، هي مخلوقاتُ الموجات المركّبة، غير أن أصلها وحركتها قائمٌ على الموجة المفردة؛ إذ لا وجود للمركّب دون المفرد.

وسيدنا محمد ﷺ هو العارف بأسرار الخلق، والعالم بقوانين «كن فيكون». فلما تلا قوله تعالى:

جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ       (سورة الإسراء: 81)

وأشار بعصاه إلى الأصنام، انحلّ نظام الموجات المفردة والمركّبة، فسقطت الأصنامُ على وجوهها وتكسّرت.


شهادة الشجرة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يوما لأصحابه: من أراد منكم أن يلقى الجن فليأتني الليلة، فلم يأت إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فانطلق به النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ موضعا مرتفعا من مكة، فخط له خطا وقال: لا تخرج منه.ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، فاجتمع عليه جمع من الجن حتى غاب بينهم، فقالوا: من يشهد أنك رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: هذه الشجرة. فسألها: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله وخاتم النبيين، فلما رأى الجن ذلك آمنوا جميعا.

(المصدر: مسند أحمد، الطبراني، دلائل النبوة للبيهقي)

فوق كل وجود جسدي يوجد جسم آخر يسمى عند علماء الباطن الهيولى، وتدرك العين الروحانية أبعاده وتفاصيله، وتشعر بكثافة الأنوار الكامنة فيه.

ويبين قانون الخلق أن الجسد النوراني يخلق أولا، ثمَّ تقعُ عمليّةُ خلقِ الوجودِ المادي. لكن كلاهما يتصف بالصلابة.  وقد سبق أن بيّنا الموجات المفردة والمركبة؛ فالموجة المفردة هي مجموعة حركاتٍ جاريةٍ من جهةٍ إلى جهةٍ أخرى. فإذا تداخلت موجةٌ قادمةٌ من جهةٍ مقابلة مع الموجات المفردة، وتكوّنت عليها النقوش والهيئات، كان ذلك هو الإنسان وعالمه.وأمّا إذا تداخلت الموجات المفردة بعضها مع بعض بحيث تبقى متّصلةً دون أن يزول الفاصل بينها، وتكوّنت على هذه البساط النقوش، كان ذلك هو الجنّ وعالمهم.فمعنى ذلك أن النقوش والهيئات—كالعيون والأنف والأذن واليد والرجل—إذا ظهرت على الموجات المفردة فهي عالم الجن، وإذا ظهرت على الموجات المركبة فهي عالم الوجود المادي.

في عالم الوجود المادي، كما توجد مخلوقات لا تُحصى ولا تُعدّ غير الإنسان، كذلك في عالم الجن توجد الأرض والسماء والقمر والشمس والنجوم وجميع المخلوقات التي نراها على الأرض. والفرق أن الإنسان مخلوق من الموجات المركبة، بينما الجن مخلوقون من الموجات المفردة. وكما تعمل الحواس الخمس في خلق الموجات المركبة، كذلك تعمل الحواس الخمس في مخلوقات الموجات المفردة. فالجن يتكلمون ويسمعون، وفي عالمهم زراعة، كما أن فيه أيضًا آثارًا للتطورات العلمية.

عالمُ الجنِّ عالمٌ يقع ضمن حدود كرتنا الأرضية، وتبدأ حدوده على ارتفاع يقارب مليونًا وستةً وخمسين ألف قدمٍ فوق سطح الأرض. ويمكن تقريب ذلك بمثالٍ: كأن تُقام سقيفةٌ عظيمةٌ فوق مساحةٍ واسعةٍ من الأرض، ويُزرع فوقها، وتُبنى عليها البيوت، وتُغرس فيها الأشجار، وتُعمَّر بالمخلوقات. فلا يرى الإنسانُ من الأرض ما على هذا السقف، ولا يرى من عليه من الجنِّ الإنسانَ. ويرجع ذلك إلى اختلاف طبيعة المادة الصلبة التي نعرفها عن تلك التي يغلب عليها الضوء.

وفي عالم الإنسان يولد الطفل من بطن أمه خلال تسعة أشهر، أما في عالم الجن فيمتد زمن التكوّن—بحسب المقاييس البشرية—إلى تسع سنوات، وكذلك تختلف أعمارهم تبعًا لذلك.

الجنُّ والإنسُ كلاهما مخلوقان مكلَّفان، وكلاهما قادران على تعلُّم العلوم الدنيوية كما يتعلّمان العلوم الروحانية. وفي الكون كلُّ شيءٍ—بما فيه الألوانُ والأشكالُ—له مقدارٌ محددٌ من الحركة، لا يتغيّر ولا يزاد فيه ولا يُنقص. وقد ذكر الله تعالى هاتين الفئتين المكلَّفتين في القرآن الكريم:

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ

(سورة الرحمن: 33)

السُّلطانُ هو القُدرةُ الرُّوحانية؛ فإذا استطاع الإنسانُ أو الجنيُّ أن يُوقِظ هذه القدرةَ ويُحرِّكها، أمكنه الخروجُ من حدود الأرض والسماء ومشاهدةُ عالم الغيب.

وخلاصةُ تعاليمِ جميعِ الأنبياء أنَّ الإنسانَ، وهو في وجوده المادي، ينبغي أن يَحصل على معرفةِ الله، ولا يكون ذلك إلا بالدخول إلى عالم الغيب، وهو أمرٌ لا يتحقق إلا بواسطة «السُّلطان» (الروح). وذلك لأن الروح في الأزل قد سمعت نداءَ الله، ورأتْه، وأقرَّت بربوبيته إدراكًا تامًّا.

غير أنَّ الإنسانَ—وكذلك الجنيَّ—يَحجبه في عالم الوجود حجابٌ يمنعه من رؤية عالم النور، فإذا ارتفع هذا الحجاب أدرك الإنسانُ روحَه، وهي التي شهدت الله في الأزل وسمعت نداءه وأقرّت بربوبيته.

وعندما صعد سيدنا رسول الله ﷺ إلى الجبل وتلا القرآن الكريم، تحرّكت أنوارُ الآيات—وهي الموجات النورانية المفردة—فحضرت مخلوقاتُ الجن. وقد شهد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه هذا المشهد، إذ رافق النبي ﷺ، فتجلّت له هذه الأنوار، فاستيقظت قدراته الروحانية، واستنار باطنه بنور النبوة، حتى صار يرى عالم الجن.

وشهادةُ الشجرة دليلٌ على أن جميع مخلوقات عالم الجن أقرّت برسالة سيدنا رسول الله ﷺ ونبوته، فآمنوا به وصاروا من المسلمين.

يرى علماءُ الباطن أن في عالم الجن إلى يومنا هذا ملياراتٍ من المسلمين. وكما أن المسلم في عالم الوجود المادي يؤدي الصلاة والصوم والحج والزكاة، كذلك في عالم الجن يؤدّي الجنُّ المسلمون—رجالًا ونساءً—هذه العبادات. وقد يعترض بعض الناس فيسألون: لماذا لا نرى الجن؟ فنقول: لماذا لا يرى الإنسان الفيروسات أو البكتيريا؟ ومع ذلك، فإذا استُخدمت أجهزةٌ حسّاسة، أمكن إدراكها. وكذلك إذا حصل الإنسان على علم الموجات المفردة، أمكنه رؤية الجن وعالمهم.ومن معجزات سيدنا محمد رسول الله ﷺ أنه أوتي علم الموجات المركبة والمفردة، والموجات النورانية وما وراء النور، على أكمل وجه.


محمد رسول الله الجزء الثاني

خواجۃ شمس الدين عظيمي

تعني كلمة "معجزة"، فنيا، ظاهرة ميتافيزيقية يأتي بها رسول من الله للبرهنة على حقيقة معرفته النبوية.

كما أن العديد من البشر الآخرين، إلى جانب الأنبياء، قد أتوا بأعمال لها طبيعية ميتافيزيقيةوتعد العديد من الأحداث المشابهة التي تم رصدها في التاريخ دليلا على هذه الحقيقةفالأتقياء والصالحون يأتون بمثل هذه الأعمال الميتافيزيقية بغرض تحذير وإخطار وإرشاد البشروقد كتب قلندر بابا أولياء في كتابه الرائع ”لوح وقلم“:

يأتي التأثير الوصالي على ثلاثة أنواع