Topics
قدم
النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وتبلغ مساحتها نحو عشرين كيلو، وبها قلاعٌ
كثيرة، أكثرها لليهود، والباقي لقبائل الأعراب، كان هناك قبيلةٌ من الصاغة،
وقبيلةٌ أخرى من الزرّاع، وقبيلةٌ ثالثةٌ ماهرةٌ في صناعةِ الجلود.
حضر علماءُ اليهودِ إلى سيّدِنا عليه الصلوٰة والسلام،
فلمّا تيقّنوا أنّ محمّدًا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم هو النبيُّ الخاتم، عادت
في نفوسِهم العصبيّة. وكان ظهورُ النبيِّ الأخير في غيرِ بني إسرائيل أمرًا بالغَ
الوطأةِ على اليهود.
كان
بين قبيلتين من الأعراب نزاعٌ على ملكيّةِ الأرض. وقد أدّى عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ،
زعيمُ إحدى القبيلتين، دورًا مهمًّا في تسويةِ هذا النزاع، ممّا زاد في مكانتِه
وقدرِه. وكان
عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ يطمحُ إلى أن يكونَ زعيمًا على جميعِ قبائلِ المدينة، ولكن
حين علم الناسُ بقدومِ النبيِّ الأمينِ الصادق إلى المدينة، عدلوا عن فكرةِ تنصيبه
زعيمًا، فكان ذلك سببًا في شدّةِ استيائه.
كان
سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام على علمٍ بهذه الأمور كلِّها، فعقد مع يهودِ
المدينةِ معاهدةً تقومُ على التسامحِ والأمنِ والحريةِ الدينيّةِ والعدلِ
والتعاونِ وحُسنِ العلاقات، ووضع دستورًا لجميعِ سكّانِ المدينة عُرِفَ بـ«صحيفةِ
المدينة».
أرسلت قريشُ مكّة رسائلَ منفصلةً إلى أعرابِ المدينة
ويهودِها، تطالبهم فيها بالكفِّ عن نصرةِ المسلمين وتسليمِ سيّدِنا عليه الصلوٰة
والسلام إلى أهلِ مكّة، وهدّدوا أنّهم إن لم يستجيبوا فسيهاجمون المدينة، ممّا
يؤدّي إلى تخريبِ الممتلكات وسفكِ الدماء وانتهاكِ الحُرُمات، وتكونُ مسؤوليّةُ
ذلك على أهلِ المدينة.
مع أنّ اليهودَ لم يُساندوا قريشًا في الظاهر، إلا أنّ
ما في طباعِهم من الشرِّ والفساد لم يلبث أن ظهر. فلمّا انتصر المسلمون في غزوةِ
بدرٍ، وازداد نفوذُهم، أخذوا يدبّرون المؤامرات في الخفاء. وبعد معركةِ بدر، توجّه
شاعران من اليهود، كان لهما تمكّنٌ في الفصاحةِ والبلاغة، إلى مكّة، فكانا يُنشدان
الأشعارَ والقصائدَ الطويلة في المجالس، ويُحرّضان كفّارَ مكّة ضدّ المسلمين. ثم
امتدّ هذا النشاط إلى أسواقِ المدينة ومجالسِها.
وقد تأذّى المسلمون كثيرًا من الأشعارِ الهجائيّة التي
قيلت في كلامِ الله وتعاليمِ الرسول وسيرتِه صلى الله عليه وسلم، فحزنوا وتأثّروا
بهذه الإساءة. وبلغت إثارةُ اليهودِ للفتن حدًّا صار معه يُخشى وقوعُ القتلِ وسفكِ
الدماءِ في المدينة. فذهب سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام بنفسِه إلى زعماءِ
اليهود، ودعاهم إلى الالتزامِ بميثاقِ المدينة، غير أنّهم لم يكتفوا بنقضِ العهد،
بل حاولوا قتله بإسقاطِ حجرٍ عليه من أعلى الجدار. فرجع، وأصدر أمرًا بخروجِ
اليهود من المدينة، وأُذِن لهم أن يحملوا أموالَهم ومتاعَهم كلَّه، ما عدا السلاح.
وهكذا أُجلِيَت قبائلُ اليهود من الصاغةِ والزُّرّاع من المدينة.
بعدَ غزوةِ أُحُدٍ ارتفعت معنوياتُ كفّارِ مكّة، وكانوا
على علمٍ بعداوةِ اليهود للمسلمين ونقضِهم لميثاقِ المدينة، كما علموا بوجودِ
المنافقين في صفوفِ المسلمين. فسعوا إلى استغلالِ هذا الوضع استغلالًا كاملًا،
فتآمروا مع اليهود والمنافقين على حصارِ المسلمين.
وقد اتفقت القبائلُ المقيمةُ حولَ المدينة، ومعها
اليهود، مع قريشٍ على تنفيذِ خطّةٍ تهدفُ إلى إضعافِ المسلمين اقتصاديًّا، بقطعِ
طرقِ القوافلِ التجاريّة، فكان لذلك أثرٌ بالغٌ على اقتصادِ المدينة. وقبل أن تشتدَّ الأزمةُ
الاقتصاديّةُ على المسلمين، خرج سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام في ألفِ رجلٍ
متوجّهًا إلى دومةِ الجندل، لإجراءِ مفاوضاتٍ تُعيد فتحَ طرقِ التجارة.
وقد اتُّفِق في معاهدةِ اليهودِ وقريشٍ على أن يتحمّلَ
يهودُ خيبرَ القسمَ الأكبرَ من نفقاتِ الحرب. فاجتمع جيشٌ قوامُه عشرةُ آلافِ
مقاتل. وأبلغت الاستخباراتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بهذه
التطوّرات، فعاد إلى المدينة.
وكان المنافقون قد أبلغوا قريشًا أنّ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم ليس في المدينة، فلمّا عاد فجأةً دُهِشوا. وكان مخطّطُ الكفّار أن
يهاجموا المدينة في غيابِه صلى الله عليه وسلم. فجمع سيّدُنا عليه
الصلوٰة والسلام المسلمين، وتشاور معهم في كيفيةِ مواجهةِ جيشٍ قوامُه عشرةُ آلافٍ
من المقاتلين. فأشار سلمانُ الفارسيُّ بحفرِ خندقٍ حول المدينة للدفاع عنها،
فاستحسن النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الخطة، وبدأ العملُ في حفرِ الخندق. وجُمِعت محاصيلُ الحقولِ
والبساتين في المخازن، وأُرسلت النساءُ والأطفالُ إلى الحصون، وأُخليت البيوتُ
القريبةُ من الخندق. وجُعل على كلِّ عشرةِ رجالٍ حفرُ أربعين ذراعًا من الأرض.
فانشغل أهلُ المدينة جميعًا—رجالًا ونساءً—بالحفر، وكلُّ من استطاع حملَ المعولِ
أو المجرفة. وبعد ستّةِ أيّامٍ من العملِ المتواصلِ ليلًا ونهارًا،
أُنجز خندقٌ بعرضِ خمسةَ عشرَ قدمًا، وعمقِ خمسةَ عشرَ قدمًا، وطولٍ يقارب ستّةَ
كيلومترات.
وخلال حفرِ الخندقِ ظهرت حوادثُ كثيرةٌ من إعجازِ النبوّة.
فقد ذبح جابرُ بنُ عبدِ الله رضي الله عنه شاةً، وطحن نحوَ صاعين ونصفٍ من الشعير،
فعجن العجين. ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنّي أعددتُ طعامًا
قليلًا، فتعالَ يا رسولَ الله. فنادى النبي صلى الله عليه وسلم أهلَ الخندق وقال: إنّ جابرًا قد صنع لكم
طعامًا، فهلمّوا جميعًا. فجاء نحوُ ألفِ رجلٍ إلى بيتِ جابر، فأمر النبي صلى الله
عليه وسلم بتغطيةِ القِدرِ والعجين، ثم كانوا يدخلون عشرةً عشرةً، فيأكلون حتى
يشبعوا وينصرفون، حتى أكل ألفُ رجلٍ جميعًا وشبعوا.
وفي يومٍ من الأيّام، دعت أمُّ بنتِ بشيرِ بنِ سعدٍ
ابنتَها، وأعطتها قبضةً من التمر، وقالت لها: اذهبي بها إلى أبيكِ وخالكِ.
فلمّا رآها النبيُّ صلى الله عليه وسلم دعاها إليه
وسألها: لِمَ جئتِ؟ فقالت: يا رسولَ الله، إنّ أمّي أرسلت هذه التمرات لأبي وخالي. فأمر النبي صلى الله عليه
وسلم ببسطِ مائدة، وأخذ التمرَ من يدها، فنثره عليها، ثم دعا أهلَ الخندق إلى
الطعام، وقال: ليأتِ القومُ جماعةً بعد جماعة. فأخذ أهلُ الخندق يأتون
جماعاتٍ، فيأكلون حتى يشبعوا، حتى أكلوا جميعًا من ذلك التمر وشبعوا.
وأثناءَ
حفرِ الخندقِ ظهرت صخرةٌ شديدةُ الصلابة، فضربها النبيُّ صلى الله عليه وسلم
بالمِعول وهو يقول: بسمِ الله، فخرج شررٌ وانكسر ثلثُها، فقال:
«الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ الشام، واللهِ إنّي
لأبصرُ قصورَها الحمراء الآن».
ثم
ضربها ثانيةً، فانكسر الثلثُ الثاني، وخرج شررٌ آخر، فقال:
«الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ فارس، واللهِ إنّي لأبصرُ
قصرَ كسرى الأبيض الآن».
ثم
ضربها ثالثةً، فخرج شررٌ، فقال:
«الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيحَ اليمن، واللهِ إنّي
لأبصرُ أبوابَ صنعاء من مكاني هذا».
وكان
سلمانُ الفارسيُّ رضي الله عنه قريبًا منه، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
«يا سلمان، ستفتحُ أمّتي الشامَ وفارسَ واليمن».
حُفِرَ الخندقُ في الجهةِ الشماليّةِ من المدينةِ
المنوّرة. ولمّا وصلت قريشٌ مع حلفائِها إلى مشارفِ المدينة، اندفع المنكرون
مغرورين يسرعون بالإبلِ والخيول، فلمّا بلغوا حدودَها وقفوا مدهوشين متحيّرين؛ إذ
لم يكونوا قد رأوا ولا سمعوا من قبلُ بمثلِ هذا الأسلوبِ العجيبِ في الدفاع. واضطرّ الجيشُ المجهّزُ
بالسلاحِ إلى النزولِ وراءَ الخندق. وكان الحلفاءُ يظنّون أنّهم سيقضون على
المسلمين في يومٍ واحد، غير أنّ الخندقَ الذي حال بينهم وبين أهلِ المدينة جعلهم
عاجزين. وقد وصل جيشُ المشركين والجوُّ في تغيّر، فاشتدّت
البرودةُ على الجنود داخل خيامهم، واضطرّوا إلى فرضِ حصارٍ لم يكونوا قد أعدّوا له
من قبل.
كان سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام مع أصحابِه قائمين عند
الخندق. وكان قادةُ المشركين يأتون كلَّ يومٍ إلى الخندق، فيُسرعون بخيولِهم من
طرفٍ إلى طرف، غيرَ أنّهم لم يجدوا سبيلًا لعبوره. وفي حالةٍ من الغيظِ
والغضب، كانوا يمطرون المسلمين بالسهام، فيردُّ عليهم رماةُ المسلمين بوابلٍ من
السهام.
وأدّى طولُ الحصارِ إلى انتشارِ القلقِ في الجيش، فلم
تعد لديهم القدرةُ على تحمّلِ شدّةِ البرد، ففكّر قادةُ الجيش في الرجوع، غير أنّ
إعادةَ جمعِ هذا العددِ الكبيرِ من الجنود لم تكن أمرًا ميسورًا. وتواصل اليهودُ مع بني
قريظةَ المقيمين في المدينة، وحثّوهم على نقضِ ميثاقِ المدينة. وفي المقابل، بدأ
المنافقون في صفوفِ المسلمين حملةً لزعزعةِ عزائمهم وإضعافِ معنويّاتهم.
وَإِذْ
يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴿١٢﴾ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا
أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ
النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ۔ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا
ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (الأحزاب: 13–14).
وقد
أثارَت دعايةُ المنافقين وأخبارُ نقضِ العهدِ من قِبَلِ القبيلةِ الحليفة قلقًا في
نفوسِ المسلمين، فجاؤوا إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم يشكون ما يواجهونه من كيدِ
المنافقين وخيانةِ اليهود.
فقال
سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام بكلِّ سكينةٍ ويقين:
إنّ
المشركين يعتمدون على معونةِ اليهود، أمّا أنا فأعتمد على نصرِ الله، فثقوا أنّ
الله لن يتركنا بلا ناصرٍ ولا معين.
فأحيا
هذا القولُ في نفوسِ المسلمين روحًا جديدةً من العزم، وامتلأت قلوبُهم يقينًا
بنصرِ الله وتأييدِه.
القرآن
الکریم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَ رَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا۔(الأحزاب: 22)
وكان
جيشٌ قوامُه عشرةُ آلافِ مقاتلٍ قد لبث وراءَ الخندق أسبوعين يرتجفون من شدّةِ
البرد، فلمّا ظهرت مشكلةُ الغذاءِ وعلفِ الدوابّ، اضطرب قائدُ الجيش خوفًا من
وقوعِ التمرّد. وكانت
قريشٌ واليهودُ وحلفاؤهم، الذين جمعوا هذا الجيشَ الكبير، ينظرون إلى المسلمين من
وراءِ الخندق في حالةٍ من العجز. ولم تُجدِ مؤامراتُ المنافقين في صفوفِ المسلمين
نفعًا، كما لم يتمكّنوا من إقناعِ القبائلِ الحليفةِ للمسلمين بنقضِ عهودِها.
القرآن
الکریم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ
تَرَوْهَا۔
(الأحزاب: 9)
ولم
يصل الأحزاب إلى نتيجة، حتى هبّت ريحٌ عاصفة في الليل، قلبت قدورهم، وقلعت خيامهم،
وأطفأت نيرانهم، وزادت الأمطار من شدّة البرد، ففزع أبو سفيان، وانسحب الجيش
خائبًا. إنَّ
حركةَ الهواء عنصرٌ أساسيٌّ في التغيّرات الكونية، فهو يسهم في تكوين السحب
ونقلها، وتحويلها إلى أمطارٍ تسقي الأرض. وقد أشار الغزالي إلى اختلاف الرياح وأدوارها في تكوين المطر۔ قال الله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ (الحجر: 22)
والهواء
يحمل السحب إلى أماكن مختلفة، وتتحرّك به السفن، وتنتقل به المنافع، ويسهم في نموّ
النبات وانتشار العناصر النافعة
، وفي
غزوة بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنةً من التراب فرماها، فقال: «شاهت
الوجوه»، فكان لذلك أثرٌ عظيم في اضطراب العدو. وكذلك في غزوة الأحزاب، كانت الريح جندًا من جنود الله، أضعفت الكفار وأجبرتهم على الفرار۔ وقد دلّ القرآن الكريم على أثر الرياح في إهلاك
الأمم، قال تعالى: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ
(الحاقة: 6)
وكسر
الصخرة وبشارة فتح الشام وفارس واليمن. وحُفر
الخندق شمال المدينة، فلما وصلت قريش وحلفاؤها وقفوا حائرين أمام هذا الأسلوب
الدفاعي الجديد. فأقاموا
وراء الخندق، وبدأوا يرشقون المسلمين بالسهام، وردّ المسلمون عليهم. وطال الحصار، واشتد البرد، وعجز الكفار عن القتال،
فحاولوا إقناع بني قريظة بنقض العهد، وعمل المنافقون على تثبيط المسلمين. قال الله
تعالى:
وَإِذْ
يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا
اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا
أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ
النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن
يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ۔ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا
ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (الأحزاب: 13–14).
(المصادر):
¹ ابن هشام، السيرة النبوية، ج 1، ص 500–510؛ ابن
كثير، البداية والنهاية، ج 3، ص 230۔، ² ابن كثير، ج 3، ص 233۔، ³ ابن هشام، ج 2، ص 220۔
⁴ ابن هشام، ج 1، ص 502 (صحيفة المدينة).، ⁵ ابن كثير، ج 3، ص 240۔، ⁶ الواقدي، المغازي، ج 1، ص 363۔، ⁷ ابن هشام، ج 2، ص 195؛ ابن كثير، ج 3، ص 245۔،
⁸ ابن كثير، ج 4، ص 90۔،
⁹ ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 66۔،
¹⁰ صحیح البخاري، كتاب المغازي، باب الخندق؛ ابن هشام، ج 2، ص 225۔،
¹¹ صحیح البخاري، كتاب المغازي، حديث جابر۔،
¹² أحمد بن حنبل، المسند، ج 6، ص 141۔،
وأثارت
دعاية المنافقين وخيانة الحلفاء قلق المسلمين، فشكوا ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقال بثقة: إنهم يعتمدون على اليهود، وأنا أعتمد على الله، ولن يتركنا الله
دون ناصر¹⁷. فبعث كلامه الطمأنينة في نفوس المسلمين، وقوّى
عزيمتهم، وامتلأت قلوبهم يقيناً بنصر الله.
القرآن
الکریم: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَ رَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا۔(الأحزاب: 22)
ووراء
الخندق جيشٌ قوامُه عشرةُ آلافٍ، يعاني من شدّة البرد وقِلّة الزاد وعلف الدواب، وقد
أحاط به الخوف والاضطراب، ينظر إلى المسلمين عبر الخندق في يأسٍ وقنوطٍ من الظفر، ولم تُجدِ دسائسُ المنافقين، ولا محاولاتُهم في
نقض العهود بين المسلمين وحلفائهم. قال الله تعالى:
القرآن
الکریم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ
تَرَوْهَا۔
(الأحزاب: 9)
ولم يكن المتحالفون على الباطل قد حسموا أمرهم بعد، حتى
هبّت في الليل عاصفةٌ شديدة، فكانت الخيامُ تتطايرُ في الهواء كأنّها بالونات،
وانطفأت النيرانُ المشتعلة في المعسكر، واشتدّت البرودةُ بسبب المطر الغزير، فخدرت
أيدي الجنود وأرجلهم، وامتلأ الموضع الذي نزلوا فيه بمياهِ السيل. فاضطرب أبو سفيان من هذه
النوازل المفاجئة، فركب بعيرًا كان مربوطًا، وجعل يضربه بالسوط مرارًا ليُسرع، وقد
بلغ به الخوفُ حدًّا أن نسي أنّ البعيرَ مقيّد. وفي النهاية، انهزم جيشُ المشركين،
وتركوا حصارَ المدينة، وانصرفوا على أعقابهم.
في التغيّراتِ الكونيّةِ يعملُ الفعلُ المغناطيسيّ،
فالحرارةُ أو السخونةُ هي حركةٌ قابلةٌ للقياس أو اهتزاز. وسواءٌ أكانت تفاعلاتٍ
كيميائيّةً، أم طاقةً حراريّةً كهربائيّةً، أم أشعّةَ الشمس، فإنّ الحركةَ عنصرٌ
أساسيٌّ فيها جميعًا.
وكما أنّ الماءَ أساسٌ في حياةِ كلِّ مخلوق، فإنّ
للهواءِ دورًا كذلك؛ فالهواءُ يرفعُ الأبخرةَ إلى الأعلى بمساعدةِ الشمس، ويحوّلها
إلى سُحبٍ متفرّقة، ثم يُسيّرُ هذه السُّحبَ في الفضاء، فتتكاثفُ تلك الأبخرةُ
لتصيرَ قطراتِ مطرٍ تُسقي الأرض.
إنَّ الريحَ الشرقيّةَ ترفعُ السُّحبَ إلى الأعلى،
والريحَ الشماليّةَ تجمعُ أجزاءَ السحاب، والريحَ الجنوبيّةَ تجعلُ السحابَ مهيّأً
للإمطار، والريحَ الغربيّةَ تُحوِّلُ القطراتِ إلى مطرٍ يُسقي الأرض.
قال اللهُ تعالى:
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ۔ سورة الحجر: ۲۲
تحملُ الرياحُ السُّحبَ وتنقلُها إلى أماكنَ مختلفة،
فيزرعُ الفلّاحون الأرضَ وتنبتُ الحبوب. وتجري السفنُ في البحار على أجنحةِ
الرياح، فتنقلُها من بلدٍ إلى آخر، حاملةً حاجاتِ الناس. كما تحملُ الرياحُ
الغبارَ والرمالَ إلى البساتين، فتكونُ سببًا في قوّةِ الأشجار. وعلى أجنحةِ
الرياح تصلُ أشياءُ كثيرةٌ إلى سواحلِ البحار، فينتفعُ بها الناس. وتحفظُ الرياحُ
حركةَ الإنسان—وهو أشرفُ المخلوقات—وسائرِ المخلوقاتِ المسخَّرةِ له، فتجعلُها
نشطةً ومستعدّة.
ويقولُ علماءُ الباطن إنّ عينَ الروح ترى أنّ:
الهواءَ مخلوقٌ، وفيه نظامُ تناسلٍ جارٍ؛ يمرُّ بمرحلةِ
الطفولة ثمّ يبلغُ الشباب، وبعد ذلك يلحقه الانحطاط. والهواءُ كأنّه جُرثومةٌ
تشبه حبّةَ العدس، مستديرةٌ ملساء، أصغرُ من البكتيريا وأسرعُ نموًّا منها.
ومناطقُ تكوّنِ الهواء تكون في الصحارى المفتوحة وعلى سطوحِ البحار الداخليّة.
في داخلِ الأرضِ مخلوقٌ يُسمّى الجراد، فإذا خرج إلى
الفضاء وطارت أسرابُه تكاثرت أعدادُه حتى تُشكِّل حجابًا بين الشمسِ والأرض،
فيعمُّ الظلامُ على سطحِها. وأمّا الهواءُ فهو مخلوقٌ شفّاف، وجُرثوماتُه دقيقةٌ
جدًّا، لا تُدركُها العينُ المادّية ولا تُرى بالأدواتِ المجهريّة المعتادة. غير
أنّه إذا اشتدّت سرعتُه تحوّل إلى عواصفَ ورياحٍ عاتية، قادرةٍ على تدميرِ
الأبنيةِ الشاهقةِ والآلاتِ الضخمةِ والمدنِ الكبيرة في لحظاتٍ قليلة. ويغلبُ اللونُ الأخضرُ في
مخلوقِ الهواء، فإذا اشتدّت حركتُه غلبت عليه الحُمرة، كما تشتملُ طبيعته على
سائرِ الألوانِ الموجودةِ في المخلوقاتِ الأخرى.
في الهواءِ طاقةٌ عظيمة، إذ تجري الرياحُ بسرعةٍ تبلغ
ثلاثين إلى أربعين ميلًا في الساعة، وقد تصلُ أحيانًا إلى مئةٍ وعشرين ميلًا في
الساعة. وفي البحار تدورُ العواصفُ الماطرةُ بسرعةٍ تبلغ مئتين
وأربعين كيلومترًا في الساعة، بينما تتقدّمُ إلى الأمام بسرعةٍ تقارب عشرين
كيلومترًا في الساعة. وللرياحِ تأثيرٌ مباشرٌ في قوّةِ أمواجِ البحار وسرعتِها.
وفي غزوةِ بدر، لمّا رمى النبيُّ صلى الله عليه وسلم
قبضةً من التراب، أطاعتِ الرياحُ أمرَه، وكذلك في غزوةِ الأحزاب هبّت ريحٌ شديدة،
ولبدت السماءُ بالغيوم، ونزل المطرُ حتى غمرَ أرضَ المعركة. وقد أثّرت الرياحُ
العاصفةُ والأمطارُ الغزيرةُ في أعصابِ الجيش، فألقت الرعبَ في قلوبِ أهلِ الباطل،
فتزلزلت صفوفُهم وانهزموا مذعورين.
قال اللهُ تعالى:
الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ
فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ
عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ
حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ
خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ۔ — (سورة الحاقة۔
١
– ٨)
المصادر :
انتشر نور الإسلام في المدينة بسرعة عظيمة. مما أقض
مضاجع كفار مكة. فعقدوا مع اليهود عقوداً عسكرية تُعِينهم على التغلب السياسي على
المدينة. كما حالفوا القبائل المجاورة للمدينة. وكانت الممرات التجارية تقع على
مواقع القبائل الموالية لكفار قريش، وبالتالي تم فرض حصاري اقتصادي على المدينة.
والمرحلة القادمة من الخطة التي وضعوها تمثلت في محاولة رئيس المنافقين في
المدينة: عبد الله بن أبي بالاشتراك مع كفار مكة ـ حملَ قبيلة بني المصطلق على
الهجوم على المسلمين، وذلك لكي يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لمكافحة
هؤلاء الأعداء المهاجمين على المدينة، وبالتالي يخلو الجو له، فيثير فسادا وقتلاً
في المدينة.
وأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المكيدة، وأمر
باتخاذ خطوات احتياطية لمواجهة غارة بني المصطلق، وأعد سرية تشتمل على ثلاثين
مقاتلاً للرد عليهم. وتقدم إلى مناطق بني المصطلق. ولم تكن هؤلاء مستعدين لمواجهة
مثل هذه الأحوال. فانهزم جيشهم المكون من مئتي فارس، وتم أسرالقبيلة بأسرها.
كما وكل الرسول صلى الله عليه وسلم قيادةَ جماعة من
المقاتلين إلى عبد الله بن أبي المنافق، واستصحبه إلى المعركة. وبالتالي بقيت
جماعة المنافقين في المدينة دون قائد يقودهم أو أميريوجههم. وهذه الاستراتيجية
عملت على إفشال خطة الهجوم على المدينة.
وكانت من الأسرى ابنة رئيس القوم "برة". وقسم
الرسول صلى الله عليه وسلم الغنائم والأسارى، فكانت برة في سهم ثابت بن شماس.
فبكت، وقالت: إنها لاترضى أن تعيش أمَةً، فدفع الرسول صلى الله عليه وسلم فداءها،
وأعتقها ثم تزوجها. وتعرف بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بـ "جويرية بنت
الحارث ".
وكانت قبيلة بني المصطلق كلها أقارب الجويرية، فأعتق
الصحابة كل الأسرى. وكان لبسالة المسلمين ولطفهم وكرمهم وحسن سلوكهم أثر طيب في
قلوب القوم، فأسلموا جميعاً.
وبينما
كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والجيشُ الإسلاميُّ مقيمين في ذلك الموضع، وقع
نزاعٌ يسيرٌ بين رجلين من المسلمين. فاغتنم عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ، وهو سيّئُ
النيّة، هذه الحادثةَ ليُثيرَ الفتنةَ بين المسلمين، فجاء إلى طائفةِ الأنصار وقال:
ليتني
متُّ قبلَ هذا اليوم، فما رأيتُ يومًا أذلَّ منه. لقد آويتم المهاجرين، وبذلتم لهم
أموالَكم، وضيّقتم على أنفسكم وأهليكم من أجلهم، فكان جزاؤكم أن كثروا في المدينة
حتى صرتم أقلّيّة، ثم صاروا يقابلونكم. وإنّي أرى أن تضربوهم وتُخرجوهم من المدينة
ليعرفوا قدرَهم.
ولمّا
لم ينجح عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ في إثارةِ الظنون في قلوبِ الأنصار تجاه إخوانهم من
المهاجرين، توجّه إلى جماعةِ المهاجرين وقال لهم: إنّكم تركتم ديارَكم وأموالَكم، وتحملتم مشقّاتِ
السفر، وتركتم نعيمَ الحياة من أجل الإسلام، ثم لم تنالوا إلا اللومَ وسوءَ الظنّ. ثم أظهر تعاطفًا وقال: في هذه المرّة خرجتم
بالخسارة، فقد حُرمتم من الغنائم. فالأنصارُ عندهم ديارٌ ومعايش، أمّا أكثرُ
المهاجرين فهم فقراءُ يعتمدون عليهم، فعدمُ حصولكم على الغنائم كان ضررُه عليكم
أعظمَ من الأنصار. ثم
أراد أن يُوقعَ الشكَّ في قلوبهم تجاه رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ
محمدًا صلى الله عليه وسلم قد عقد صلةً مع زعيمِ القوم، فاضطررتم إلى إطلاقِ
الأسرى دون مقابل، وها أنتم تعودون إلى المدينة بأيدٍ خالية، كما خرجتم منها أوّل
مرّة.
ولمّا لم يُحقِّق عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ نجاحًا يُذكر في
إثارةِ الظنون في قلوبِ أنصارِ المدينة تجاه إخوانهم من المهاجرين، توجّه إلى
جماعةِ المهاجرين وقال: لقد تركتم ديارَكم وأموالَكم، وتحملتم مشقّاتِ السفر،
وتركتم متاعَ الحياة من أجل الإسلام، ثم لم تنالوا إلا التوبيخَ وسوءَ الظنّ. ثم أظهر تعاطفًا وقال: في
هذه المرّة خسرتم كلَّ شيء، فقد حُرمتم من الغنائم. فالأنصارُ يملكون الدورَ
ووسائلَ المعيشة، أمّا أكثرُ المهاجرين فهم فقراءُ يعتمدون عليهم، فعدمُ حصولكم
على الغنائم كان ضررُه عليكم أعظم. ثم أراد أن يُوقِعَ الشكَّ في قلوبهم تجاه رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أقام صلةً مع سيّدِ
القبيلة، فاضطررتم إلى إطلاقِ الأسرى دون مقابل، وها أنتم تعودون إلى المدينة
بأيدٍ خالية، كما خرجتم منها أوّل مرّة.
فلمّا بلغ سيّدَنا عليه الصلوٰة والسلام خبرُ إثارةِ
الفتنةِ من عبدِ اللهِ بنِ أُبيٍّ، تألّم لذلك تألّمًا شديدًا، ثم خاطب المسلمين
بحكمتِه وكلامِ النبوّة، فدعاهم إلى الأُخوّةِ والمودّة. ثم أمر بالرحيلِ على
الفور، فتحرّك قافلةُ المسلمين وانطلقت.
وفي طريقِ العودةِ نزل القافلةُ في موضعٍ للاستراحة.
وكانت عائشةُ رضي الله عنها، زوجُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، في هذا السفر،
فنزلت عن بعيرها لحاجةٍ لها. فلمّا ارتحل القومُ من جديد، كان الهودجُ مُغطّى،
فظنّوا أنّها فيه، ولم يشعروا بغيابها، فبقيت رضي الله عنها خلف القافلة.
وكان صفوانُ بنُ المُعطّل رضي الله عنه يتولّى السيرَ
خلف القافلة لالتقاطِ ما يسقط منها وردِّه إلى أصحابِه. فلمّا بلغ موضعَ النزول
وجد أمَّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قد تخلّفت عن الركب، فأخبرته بما جرى. فعرض عليها أن تركب
بعيرَه، وأخذ يقودُه بنفسه.
وصلت القافلةُ الإسلاميّةُ إلى المدينة بسرعة، ثم قدم
صفوانُ رضي الله عنه ومعه أمُّ المؤمنين عائشةُ الصدّيقةُ رضي الله عنها بعد ذلك. وكان المنافقون لا
يَدَعون فرصةً لإثارةِ الشكوك بين أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فوجدوا في
ذلك مجالًا لإظهارِ خبثِهم وافتراءِ الكذب على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.
فكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ مع أتباعِه ينشرون الفتنةَ في أزقّةِ المدينة من
الصباح إلى المساء، وأثاروا موجةً من البهتان على عِرضِ النبيِّ صلى الله عليه
وسلم. كما كان اليهودُ يسعون إلى الإضرارِ بالمسلمين، ولم
يُقصّروا في تأجيجِ الخلافات بين الأنصار والمهاجرين في غزوةِ بني المصطلق، وفي
نشرِ الإفك على سيّدةِ عائشةَ رضي الله عنها.
وكان حسانُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه شاعرًا بليغًا
فصيحًا، فعمل المنافقون على إثارةِ العصبيّة بين المهاجرين والأنصار، ودفعوه إلى
قولِ الهجاء في صفوانَ بنِ المعطّل رضي الله عنه. فبالاعتماد على الخيال، صوّروا
حادثةً موهومةً ووسّعوها حتى تأثّر بها بعضُ المسلمين البسطاء، ولم يسلموا من
الوساوس. فاشتدّ حزنُ سيّدِنا عليه الصلوٰة والسلام، وذكر أهلُ
السير أنّ هذه الحال استمرّت نحوَ شهرٍ، عانت فيه عائشةُ الصدّيقةُ رضي الله عنها
ألمًا نفسيًّا شديدًا. حتى إنّه في يومٍ دخل عليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم
فقال: يا عائشة، هل تعلمين ما يقول الناس في شأنك؟ ففاضت
عيناها بالدموع، وقالت بصعوبة: يا رسولَ الله، إنّ ما يُقال عنّي باطلٌ محض، وهو افتراء.
وفي
تلك اللحظة نزل الوحيُ ببراءةِ عائشةَ الصدّيقةِ رضي الله عنها، فنزلت آياتٌ من
سورةِ النور تُثبتُ طهارتَها.
قال
اللهُ تعالى:
إِنَّ
الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ
وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ۔ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ
وَالمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ۔ لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ
فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ۔ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ۔ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ
عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ۔ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا
يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ۔ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ
أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ۔ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمٌ۔ (سورة النور۔۱۱۔۱۸)
إنَّ
نزولَ آياتِ البراءةِ في شأنِ عائشةَ رضي الله عنها من عندِ الله تعالى يُعدُّ بلا
شكٍّ من أعظمِ وجوهِ الإعجاز.
ومن
خلالِ هذا الحدثِ يتبيّنُ مقامُ المرأةِ في الإسلام وفضلُها، فقد سوّى اللهُ تعالى
بين الرجالِ والنساءِ في الأعمالِ والجزاء. وكما ذكر القرآنُ براءةَ يوسفَ عليه
السلام، كذلك نزلت آياتٌ في براءةِ عائشةَ رضي الله عنها.
قال
اللهُ تعالى في قصةِ يوسفَ عليه السلام:
وَكَذَٰلِكَ
مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
(٢١) َلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي
الْمُحْسِنِينَ (٢٢) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ
رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ
هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَٰلِكَ
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا
الْمُخْلَصِينَ(٢٤)وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ
وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ
بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ
رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ
قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(٢٦) وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ
قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ(٢٧) فَلَمَّا رَأَىٰ
قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ
عَظِيمٌ(٢٨)
يُوسُفُ أَعْرِضْ
عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ(٢٩)
وقال
اللهُ تعالى: يَا
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
(الحجرات: ١٣)
وقال
اللهُ تعالى: إِنَّ
الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ
وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ
وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ
اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (الأحزاب: ٣٥)
وكان
رسول الله صلى الله عليه وسلم والجيش الإسلامي معه ـ مقيماً بها، إذ اقتتل مسلمان
لبعض الأمور، فاستغل عبدا لله بن أبي ـ الدني ـ هذه الفرصة ولم يدعها تذهب سدى في
إثارة الخلاف و الشقاق بين المسلمين، فتوجه إلى منزل الأنصار في الجيش الإسلامي
وقال لهم: والله ما رأيت كاليوم قط، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، أنزلتموهم بلادكم
فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، و عرضتم لأجلهم أهليكم للضيق
الاقتصادي، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما
فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.
وإذاً يدركون قدرهم.
ولم يفز عبد الله بن
أبي بإثارة الضغينة في قلوب الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين كثيراً، فتوجه إلى
منازل المهاجرين في الجيش الإسلامي، وقال لهم: إنكم تركتم أموالكم ودياركم لأجل
الإسلام إلى المدينة، وعانيتم المشقات والمتاعب في سبيله، وهجرتم الراحة
والطمانينة له، ثم قوبلتم بالزجر وسوء الظن. وقال لهم عبد الله
ناصحاً: إنكم خسرتم خسارة عظيمة في هذه المرة، فحرمتم الغنيمة، والأنصارعندهم
الدور وأسباب المعاش ومعظم المهاجرين لامال لهم، يعتمدون على الأنصار. وحيث حرمتم
الغنيمة فقد خسرتم خسارة لم يخسرها الأنصار. ثم قال ـ لينفر المسلمين من الرسول
صلى الله عليه وسلم: إن محمداً صاهر رئيس القبيلة، فأطلقتم أساراكم بدون مقابل
حصلتموه. فعدتم إلى المدينة أصفار الأيدي كما خرجتم منها لهذه الرحلة الشاقة.
وأصيب رسول الله صلى الله
عليه وسلم من فتنة عبد الله بن أبي بكثير من الأسى والهم. ودعا الناس إلى الإخاء
وأمر بالرحيل على الفور. فارتحلت قافلة المسلمين.
و قفل الجيش، وكانت عائشة
رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم. فنزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها، فلما
ارتحلوا منه وجدوا أستار الهودج مرخاة. فظنوها فيه. و كانت عائشة قد تخلفت عن
الركب.
وكان
صفوان بن المعطل يسير وراء الركب يتسقط المتاع، ويؤديه إلى أصحابه. فلما وصل إلى
منازلهم وجد عائشة قد تخلفت عن الركب. فأخبرته عائشة بما وقع. فقرب صفوان بن
المعطل إليها راحلته. فركبتها، وسار صفوان
آخذاً بلجامها يقودها، حتى قدم بها، وكان الجيش قد أسرع السير و وصل المدينة. والمنافقون لايفوتون فرصة تمكنهم من خلق سوء
التفاهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. فوجدوا في ذلك فرصة لإبداء ما يكنه صدورهم
من الشحناء والافتراء على النبي صلى الله عليه وسلم. فكان عبد الله بن أبي مع أصحابه
يثير الفتنة في أزقة المدينة ليل نهار. ويوجه التهم إلى النبي المبرأ من كل عيب. وكان اليهود يتصدون لإضرار
المسلمين. ولم يدخروا جهداً في نشر الشائعات في اقتتال الأنصاري والمهاجري في غزوة
بني المصطلق، و الافتراء على عائشة رضي الله عنها كذلك.
وكان
حسان بن ثابت من الثابتين على الإسلام ثبوت الجبال، وشاعراً قديراً. وأثار
المنافقون العصبية بين المهاجرين والأنصار. وحمله على أن يهجو صفوان بن المعطل.
فنسج أشعاراً صادرة من تخيلاته، وبالغ فيها مبالغة لم تدع عامة المسلمين يسلمون من
الوساوس الشيطانية. وكل ذلك تسبب في قلق الرسول صلى الله عليه وسلم وحزنه.
ويقول
المؤرخون المسلمون: إن هذا الوضع استمر نحو
شهر. ولقيت عائشة خلال ذلك من المتاعب النفسية والألم الشديد كثيراً حتى
دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال له: أتدرين ما يقول الناس عنك ؟
فسالت عينُ عائشة دموعاً، ولم تستطع أن تقول إلا بشق النفس: يارسول الله، ما يقول
الناس عني كله كذب وافتراء.
وفي
نفس الوقت نزل الوحي، ونزلت آيات سورة النور ببراءة عائشة رضي الله عنها، قال الله
تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا
لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ
ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ
مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا
بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا
أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ
اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ
نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ
أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ
لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ
تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ
يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَ الْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ
لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ
الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ
أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ
مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
(27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ
وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ
فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ)
[النور:11ـ 29]
إن
نزول هذه الآيات من الله تعالى ببراءة عائشة رضي الله عنها معجزة كبيرة. كما يدل
هذه القصة على مكانة المرأة ي الإسلام وفضلها.
كما
أن القرآن الكريم ذكر براءة يوسف عليه السلام، كذلك ذكر براءة عائشة رضي الله عنه،
قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ
تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي
أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ
وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ
وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) وَاسْتَبَقَا الْبَابَ
وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا
جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
(25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ
قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى
قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
(28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ
الْخَاطِئِينَ (29) [يوسف:21ـ 29]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات:13].
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ
وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ
وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [ الأحزاب:35]
المصادر:
خواجۃ شمس الدين عظيمي
تعني كلمة "معجزة"، فنيا، ظاهرة ميتافيزيقية يأتي بها رسول من الله للبرهنة على حقيقة معرفته النبوية.
كما أن العديد من البشر الآخرين، إلى جانب الأنبياء، قد أتوا بأعمال لها طبيعية ميتافيزيقية. وتعد العديد من الأحداث المشابهة التي تم رصدها في التاريخ دليلا على هذه الحقيقة. فالأتقياء والصالحون يأتون بمثل هذه الأعمال الميتافيزيقية بغرض تحذير وإخطار وإرشاد البشر. وقد كتب قلندر بابا أولياء في كتابه الرائع ”لوح وقلم“:
”يأتي التأثير الوصالي على ثلاثة أنواع.