Topics

الماءُ في طريقِ تبوك

بئرُ الحديبية.

الماءُ في طريقِ تبوك

في طريقِ تبوك، كان في صخرةٍ بوادي مُشَقَّق عينُ ماءٍ، ولم يكن الماءُ الخارجُ منها إلا بقدرِ ما يكفي ثلاثةَ رجالٍ للشرب. وكان سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام قد أمرَ مَن يتقدّمون ألّا يستقوا من العينِ حتى نصل. غيرَ أنّ جماعةً من المنافقين سبقوا إلى الموضع قبلَ وصولِ سيّدِنا عليه الصلوٰة والسلام، فاستخرجوا ماءَها كلَّه وأهدرُوه. فلمّا وصل النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى هناك، أُخبِرَ بما جرى، فنزل عن راحلتِه، ووضع يدَه المباركةَ تحتَ الصخرة، ودعا، فانبجس الماءُ من الصخرةِ كالفوّارة.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب المغازي (باب غزوة تبوك)؛ دلائل النبوة للبيهقي؛ السيرة النبوية لابن هشام.

لم ينقصِ الماءُ في القِرَب

 في أحدِ الأسفار، قال الصحابةُ رضي الله عنهم: يا رسولَ الله، لا ماءَ عندنا وقد اشتدّ العطش. فرأى عليٌّ رضي الله عنه وبعضُ الصحابةِ امرأةً تحمل قِربتين مملوءتين ماءً على بعيرها. فسألوها: كم بينكِ وبين العين؟ فقالت: بيني وبينها مسيرةُ أربعٍ وعشرين ساعة. فجاءوا بها إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بإناء، وأخذ قليلًا من الماء من إحدى القِرَب، ثم دعا الله، ثم ردّ الماء فيها. فشرب الصحابةُ حتى ارتووا، وملؤوا أوعيتهم، وبقيت القِرَب مملوءةً كما هي. وكانت المرأةُ تنظرُ متعجّبةً ممّا رأت. فلمّا فرغ الناسُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أعطوا هذه المرأةَ تمرًا، ثم أطلقوها.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب الوضوء وكتاب المناقب؛ صحيح مسلم، كتاب الفضائل؛ دلائل النبوة للبيهقي.

 

الماءُ مادّةٌ سيّالةٌ تمتلك قدرةً تامّةً على الانتشارِ والانكماش. فسواءٌ كان الماءُ في إناءٍ أو في كأسٍ أو في جرّةٍ، أو كان في بركةٍ أو نهرٍ أو بحرٍ، فإنّه يتّسعُ بقدرِ ما يشاء ويَنْحَسِرُ بقدرِ ما يشاء. وهذه القدرةُ في الماء تُعبِّرُ عمّا يُسمّى بلاشعورِ الماء.

في كلِّ حياةٍ يكونُ للماءِ تأثيرٌ في ثلاثةِ جوانب. ويُقال إنّ طبيعةَ الماءِ أن يجري إلى الأسفل، ولكن على خلافِ ذلك نراه يرتفعُ حتى يبلغَ ثمانين قدمًا في شجرةِ جوزِ الهند، حيثُ يتجمّعُ في وعاءٍ مُحكمٍ داخلَ الثمرة. وإذا اندفعَ في المنخفضاتِ بهيئةٍ عاصفةٍ، اجتاح مدنًا بأكملها، ودمّرها تحتَ قوّتِه، وجعلها قاعًا صفصفًا.

منذُ أن وُجِدتِ الأرضُ إلى يومِنا هذا، تغيّر موضعُ البحارِ مرّاتٍ عديدة؛ فحيثُ توجدُ اليابسةُ اليوم، كان الماءُ في زمنٍ مضى، وحيثُ يوجدُ البحرُ الآن، كانت هناك أراضٍ مأهولة. ويرى العلماءُ أنّ البحارَ في كثيرٍ من مناطقِ العالم تتقدّم نحوَ اليابسة، وأنّ جزرًا كثيرةً قد غمرتها المياه، كما أنّ بعضَ الأجزاءِ التي غمرها البحرُ قد عادت فظهرت من جديد.

يرى الباحثون أنّ سطحَ الأرضِ في حالةِ حركةٍ دائمة، وتحتَ هذا السطح توجدُ صخورٌ منصهرة. كما أنّ المادّةَ المؤلَّفةَ من الصخورِ الداكنة تتحرّك ببطء، ونتيجةً لذلك انقسمت القشرةُ الأرضيّة إلى صفائحَ كبيرة. وحيثما تنزاحُ هذه الصفائح، تتشقّقُ الأرضُ فتتكوّنُ الأخاديدُ والبحار. وفي بعضِ المناطق، يؤدّي الشدُّ إلى تكوّنِ طيّاتٍ، وهذه الطيّاتُ التي تظهرُ على سطحِ الأرض هي سلاسلُ الجبال.

تتكوّنُ الأرضُ من ثلاثةِ أجزاءٍ ماءٍ وجزءٍ واحدٍ يابسة. ويرى العلماءُ أنّ الحياةَ بدأت من كائنٍ حيٍّ بسيطٍ أحاديِّ الخلية (Single Cell)، ثم تطوّرت إلى الإنسانِ الذي يتكوّنُ من تريليوناتِ الخلايا (Cells)، وكذلك إلى الحيواناتِ الضخمة؛ فجميعُ أشكالِ الحياةِ قد نشأت من الماء.وتشتركُ جميعُ الكائناتِ الحيّة، سواءٌ التي تعيشُ في اليابسة أو في الماء، في تركيبِ دمِها، حيثُ توجدُ فيه عناصرُ الصوديوم (Sodium) والبوتاسيوم (Potassium) والكالسيوم (Calcium) بنِسَبٍ قريبةٍ من نسبتها في ماءِ البحر.

ويحتوي البحرُ على الملح، والأعشابِ البحريّة، والمأكولاتِ البحريّة (Sea Food)، وسائرِ الكائناتِ البحريّة، إضافةً إلى كميّاتٍ هائلةٍ من المعادنِ والعناصرِ الكيميائيّة. ففي ميلٍ مكعّبٍ واحدٍ من ماءِ البحر يوجدُ نحوُ مئةٍ وثلاثةٍ وثمانينَ مليونَ طنٍّ من الملحِ العادي (Sodium Chloride)، وثمانيةَ عشرَ مليونَ طنٍّ من كلوريدِ المغنيسيوم (Magnesium Chloride)، وثمانيةَ عشرَ مليونَ طنٍّ من كبريتاتِ المغنيسيوم (Magnesium Sulfate)، وتسعةٌ وخمسونَ مليونَ طنٍّ من كبريتاتِ الكالسيوم (Calcium Sulfate)، وثلاثمئةٍ وستّونَ ألفَ طنٍّ من بروميدِ المغنيسيوم (Magnesium Bromide)، إضافةً إلى عناصرَ أخرى مثلَ اليود (Iodine)، والحديد (Iron)، والنحاس (Copper)، والفضّة (Silver)، والذهب (Gold).

ماءُ البحرِ مالحٌ بطبيعتِه، غير أنّه يُشاهَدُ في بعضِ السواحل وجودُ ينابيعَ من ماءٍ عذبٍ قريبًا منه، كما تجري ينابيعُ الماءِ العذبِ تحتَ قاعِ البحار. ولأنّ الماءَ العذبَ أخفُّ من ماءِ البحر، فإنّه إذا خرج من القاعِ متدفّقًا حاول الصعودَ إلى الأعلى، فتظهرُ على سطحِ البحرِ في تلك المواضع فقاعاتٌ واضحة. وتكونُ نسبةُ الملحِ في ماءِ البحرِ أعلى من غيرِه من العناصرِ الكيميائيّة. ففي الأماكنِ التي تصبُّ فيها الأنهارُ العذبةُ في البحرِ تقلُّ ملوحتُه، أمّا في المواضعِ التي يقلُّ فيها امتزاجُ الماءِ العذب، أو يكثرُ فيها التبخّر، فتزدادُ نسبةُ الملوحة. وبفعلِ حرارةِ الشمس، يتحوّل ماءُ البحارِ والأنهارِ والبحيرات إلى بخارٍ، فيتكوّنُ السحاب، وتحملهُ الرياحُ إلى أماكنَ مختلفة. ثم يهطل المطرُ على الجبالِ والسهول، وتختلطُ به غازاتُ الجوّ وبعضُ العناصرِ القادمةِ من الجبال، فيُكوِّنُ رطوبةً في التربة، وهي عنصرٌ أساسيٌّ في العمليّاتِ الحيويّة. وإذا انخفضت درجةُ حرارةِ الهواءِ المحمَّلِ بالبخار، تكاثفَ هذا البخارُ وتحول إلى قطراتٍ صغيرة، تتعلّقُ مؤقّتًا بذُرّاتِ الغبارِ في الجوّ، فإذا ازدادت ثقلاً سقطت إلى الأرضِ على هيئةِ مطرٍ.

في قطراتِ الماءِ الموجودةِ داخلَ السُّحب شحناتٌ كهربائيّةٌ موجبةٌ أو سالبة. وعندما تتصادمُ هذه الجسيماتُ فيما بينها، تتجمّعُ الشحناتُ الموجبةُ في الجزءِ العلويِّ من السحابة، بينما تتركّزُ الشحناتُ السالبةُ في الجزءِ السفليِّ منها، وتبلغُ قوّةُ هذه الشحناتِ ملايينَ الفولتات. فإذا تصادمتِ الجسيماتُ السالبةُ في سحابةٍ مع الجسيماتِ الموجبةِ في سحابةٍ أخرى، أو مع الشحناتِ الموجبةِ الموجودةِ على سطحِ الأرض، حدثَ وميضُ البرق. ويؤدّي هذا الوميضُ إلى تسخينِ الهواءِ المحيط تسخينًا شديدًا، حتى تبلغَ حرارتُه نحو ثلاثةٍ وثلاثينَ ألفَ درجةٍ مئويّة. فتتمدّدُ هذه الكتلةُ من الهواءِ الحارِّ بسرعةٍ كبيرة، ثم تصطدمُ بالهواءِ الباردِ المحيط بها، فينشأُ عن ذلك صوتُ الرعدِ الشديد. وعلى الرغمِ من أنّ البرقَ والرعدَ يحدثانِ في وقتٍ واحد، فإنّ الرعدَ يُسمَعُ بعدَ رؤيةِ البرق، لأنّ سرعةَ الصوتِ أقلُّ من سرعةِ الضوء.

يقدِّرُ الباحثون أنّه في كلِّ ثانيةٍ يحدثُ نحوُ مئةِ شرارةٍ كهربائيّةٍ في أنحاءِ العالم، وأنّ شرارةً واحدةً من البرق تحتوي على طاقةٍ تكفي لتلبيةِ احتياجاتِ مدينةٍ صغيرةٍ لمدةِ عامٍ كامل. والحرارةُ والطاقةُ الناتجتان عن وميضِ البرق تُحدِثانِ تفكّكًا في قطراتِ الماءِ داخلَ السُّحب، فتدخلُ في تفاعلاتٍ كيميائيّةٍ مع الغازاتِ الموجودةِ في الجوّ، ممّا يؤدّي إلى تكوينِ مركّباتٍ من الأكسجينِ والهيدروجينِ والنيتروجين، ويُعرَفُ هذا المركّبُ اصطلاحًا بنتراتِ الأمونيوم، وهي من أفضلِ أنواعِ الأسمدة. وعندما تذوبُ هذه المادّةُ في ماءِ المطرِ وتمتصّها التربة، فإنّها تُسهمُ في إحياءِ النباتاتِ والمحاصيلِ وإمدادِها بالحياة. وقد تنتجُ من ومضةٍ واحدةٍ كميّاتٌ هائلةٌ من هذه الموادّ تُقدَّرُ بآلافِ بل ملايينِ الأطنان. ويُقدَّرُ أنّ نحوَ مئةٍ وعشرينَ ألفَ كيلومترٍ مكعّبٍ من الماءِ يسقطُ سنويًّا على القارّاتِ في صورةِ أمطار، وهذه الكميّةُ لا تمثّلُ إلا نسبةً ضئيلةً من مجموعِ مياهِ الأرض، إذ تعادلُ نحوَ واحدٍ في المئة من مياهِ السطح، وجزءًا يسيرًا جدًّا من المياهِ الجوفيّة. ثمّ تسيلُ مياهُ الأمطارِ عبرَ الجداولِ والوديانِ والينابيعِ والشلالاتِ والأنهار، حتى تصبَّ في البحارِ والمحيطات.

 

ينقسمُ ماءُ المطرِ إلى أجزاء؛ فجزءٌ كبيرٌ منه يتبخّرُ في الجوّ أو يجري عبرَ الأوديةِ حتى يصلَ إلى البحر، وجزءٌ آخرُ يتسرّبُ إلى داخلِ الأرض. وتحتوي طبقاتُ الأرضِ على صخورٍ ذاتِ مسام، فينفذُ الماءُ عبرَ التربةِ وهذه الصخورِ المساميّة، حتى إذا صادفَ طبقةً من صخورٍ غيرِ مساميّةٍ توقّفَ عندها، فلا يتقدّمُ أكثر، بل يتجمّعُ هناك، فتَمتلئُ المسامُ والشقوقُ في الصخورِ بالماءِ. وتتحرّكُ خزّاناتُ المياهِ الجوفيّةُ داخلَ الأرضِ لمسافاتٍ طويلةٍ عبرَ السنين، وقد يبقى الماءُ محفوظًا في الطبقاتِ العميقةِ آلافَ السنين. كما أنّ مستوى المياهِ الجوفيّةِ يتغيّرُ تبعًا للفصول؛ ففي موسمِ الجفافِ يقلُّ تسربُ الماء، أمّا في موسمِ الأمطار فتَمتلئُ الشقوقُ والمساماتُ تمامًا. وحيثما يرتفعُ منسوبُ الماءِ الجوفيِّ تتفجّرُ الينابيع، ويمكنُ للإنسانِ استخراجُ هذه المياهِ بحفرِ الآبارِ والاستفادةِ منها.

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)) [البقرة:21ـ 22]

وقال تعالى: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) [الزخرف:11]

 قال تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)) [الزمر:5]، وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)  وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) [الأعراف:57ـ 58]. وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) [الروم:51].

بالتأمّلِ في معاني الآيةِ الكريمةِ ومفهومِها يتبيّنُ بوضوحٍ أنّ الحياةَ قائمةٌ على الماء. فقد أخبر اللهُ أنّه يُنزلُ الماءَ من السماءِ، ويُخرجُ به الأرزاقَ والثمار، وأنّ الأرضَ الميّتةَ إذا نزلَ عليها المطرُ دَبَّت فيها الحياة. فالأرضُ اليابسةُ تبدو في ظاهرِها قاحلةً، غير أنّ في باطنِها عوالمَ من المخلوقاتِ لا تُرى، ويُقال إنّ في غرامٍ واحدٍ من التربةِ ملياراتٍ من الكائناتِ الدقيقة. فإذا انقطعَ المطرُ مدّةً طويلةً سكنت هذه الكائناتُ وخمدت حركتُها، فإذا نزلَ المطرُ عادت إلى الحياةِ والنشاط. وبعد هطولِ المطر، يبدأُ في باطنِ الأرضِ نموٌّ متجدّدٌ يكون سببًا في ظهورِ أنواعٍ كثيرةٍ من الكائنات، من الحشراتِ والنباتاتِ والأشجارِ والثمار، حتى كأنّ مدنًا كاملةً قد قامت تحتَ الأرض. وخلاصةُ الأمر أنّ الماءَ عنصرٌ لا غنى عنه للحياة، ولا يمكنُ إنكارُ أهميّتِه في أيِّ بحثٍ علميّ، إذ إنّ جميعَ عمليّاتِ التكاثرِ على سطحِ الأرض قائمةٌ عليه.

عندَ الحديثِ عن الماءِ من منظورٍ روحيّ، يُشارُ إلى جانبين: الماءُ نفسُه، وماهيّتُه. وكما أنّ في الإنسانِ وعيًا ولاوعيًا، وأنّ حياتَه قائمةٌ على انتقالِ المعلوماتِ من اللاوعي إلى الوعي، كذلك يقومُ وجودُ الماءِ على ماهيّتِه وخصائصِه. فتمدّدُ الماءِ وانكماشُه، وجريانُه في باطنِ الأرض، وظهورُه في العيونِ والشلالاتِ والجداولِ والأنهارِ والبحار، ونزولُه من السماء، كلُّ ذلك قائمٌ على حقيقتِه الباطنةِ، أي على لاشعورِه الذي به يتحرّك ويعمل.

وأمّا سيّدُنا عليه الصلوٰة والسلام، باعثُ نظامِ الكائنات، وأمينُ أسرارِ الله، والمُقامُ في منصبِ النيابةِ والخلافة، والحاملُ للعلمِ اللدنيّ، العارفُ بأسرارِ التكوين، فهو صاحبُ تصرّفٍ بإذنِ الله في البرِّ والبحرِ والشجرِ والحجرِ والسماواتِ والأرض. فإذا شاء أن يزدادَ الماءُ أو أن ينبعَ من بئرٍ جافّة، تصرّف في باطنِ الماء، أي في لاشعورِه، فتنشطُ في ظاهرِه خاصيّةُ الامتدادِ والجريان، فيتفجّرُ الماءُ من حيثُ لا يُظنّ. وكذلك حين وقع هذا التصرّفُ في ماءِ القِرَب، شربَ جمعٌ كثيرٌ من الناس، وبقي الماءُ كما هو، وذلك كلُّه جارٍ على وفقِ السننِ الإلهيّة.

قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً. . . (20)[النحل:20] 

مفتاح الكعبة

كانَ عُثمانُ بنُ طلحةَ رضي الله عنه سادنَ الكعبةِ وحاملَ مفاتيحِها، وكان في أيّامِ الجاهليّةِ يفتحُ الكعبةَ يوميِ الاثنينِ والخميس. وفي يومٍ من الأيّامِ دخلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكعبةَ مع أصحابِه، فأساء عُثمانُ بنُ طلحةَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، غيرَ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عفا عنه وقال: يا عثمانُ، إنّ المفتاحَ سيكونُ يومًا في يدي، وأتصرّفُ فيه فأُعطيه من أشاء، وأضعه حيث أشاء. فقال عُثمانُ بنُ طلحةَ: إذن تهلكُ قريشٌ وتذلّ. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: بل يعزّون يومئذٍ ويبقون. وفي يومِ فتحِ مكّةَ كان مفتاحُ الكعبةِ في يدِ محمدٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فطلب كلٌّ من عليٍّ رضي الله عنه والعبّاسِ رضي الله عنه أن يُعطى المفتاحَ، غيرَ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أعاد المفتاحَ إلى عُثمانَ بنِ طلحةَ رضي الله عنه.

المصادر: السيرة النبوية لابن هشام؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ دلائل النبوة للبيهقي


محمد رسول الله الجزء الثاني

خواجۃ شمس الدين عظيمي

تعني كلمة "معجزة"، فنيا، ظاهرة ميتافيزيقية يأتي بها رسول من الله للبرهنة على حقيقة معرفته النبوية.

كما أن العديد من البشر الآخرين، إلى جانب الأنبياء، قد أتوا بأعمال لها طبيعية ميتافيزيقيةوتعد العديد من الأحداث المشابهة التي تم رصدها في التاريخ دليلا على هذه الحقيقةفالأتقياء والصالحون يأتون بمثل هذه الأعمال الميتافيزيقية بغرض تحذير وإخطار وإرشاد البشروقد كتب قلندر بابا أولياء في كتابه الرائع ”لوح وقلم“:

يأتي التأثير الوصالي على ثلاثة أنواع