Topics

العِلمِ ما وراءِ النَّفس

 

الحياة تجري في ثلاثة اتجاهات. والحقيقة ان المخلوق مقيّد وحُرّ في المرور عبر المكان مع البقاء ضمن حدوده. ومثال ذلك ان الانسان يمشي على قدمين ويدين، والمشي على قدمين ويدين بمثابة أربع عجلات، وذلك ضروري للحركة والسكون. ولا يمكن ان تستعمل عجلتين من اربع. ولسير الانسان على الارض، يكون المكان خاضعا له، وهو ايضا خاضع للمكان. والصورة الثانية ان البقاء في المكان ضرورة، ولكن في المكان جسد خامد بلا احساس، وجسد آخر بعيد عن المكان يقوم بجميع الاعمال. ورغم ابتعاده خمسين ميلا عن المكان الأرضي فانه يتحرك ويفعل كل ما يُفعل داخل المكان. والحقيقة أنه لا يمكن وجود المشي والجري والتوقف الا بوجود المكان. ونقوم في حالة تناقض اليقظة بنفس الاعمال التي نقوم بها في اليقظة. ففي هذه الحالة تكون الصورة التي تمشي في اليقظة (الجسد المادي) خامدة بلا حس ولا حركة، غير ان هناك وجودا آخر يقوم بكل ما يقوم به الجسد في اليقظة. والغاية انه اذا أكل البُلَاوْ (الأرز باللحم) وهو ليس في الشعور الأرضي، فان هيئته وصورته تبقى في الذهن بعد عودته الى الشعور الأرضي ، ويشعر الانسان بطعمه ورائحته. وقد شُوهد ان الأنسان يأكل الحلوى في المنام، فاذا استيقظ ووضع يده أمام إنسان لم ينم، شم هذا الأخير رائحة الحلوى في يده. وذكر حضرة قلندر بابا الأولياء مثالا على ذلك بوجوب الغسل (لما وقع في المنام). ومن التجربة العامة ان الجسد المادي اذا كان خامدا بلا حركة على جانب أثناء النوم ولدغته أفعى، فان الجسد الذي يتحرك رغم أنه ليس جسدا ماديا يستيقظ خائفا ويعبر عن الالم. وهذا الفعل في المنام باب من ابواب ما بعدِ النفسيّات.

والخيالُ هوالحركة التي تُمكِّنُ الفرد من الإحساسِ ببوجوده ووجود الاخرين، والا كان كالدمية التي لم يكن لها إدراكٌ لبوجودها او عدمه قبل قول الله تعالى: ﴿ألستُ بربِّكم﴾.

واذا حُلِّلت الحياة، وُجد ان كل مرحلة منها خاضعة للخيال، ومع ذلك فليس للانسان سلطان على الخيال. فمن اين يأتي الخيال؟ لا بد للاجابة من الرجوع الى الماضي.

حين لم يكن هناك شيء، كان الله وحده. فأراد أن يعرف، فأظهر بلطف ومحبة ما كان مودعا في إرادته من برنامج التعريف والتجلي. بدأ التجلي بالإرادة، وكانت هذه الإرادة هي بداية الفكرة للكون.

وقد وصف الله نفسه في القرآن الكريم بـ "أحسن الخالقين" ، أي افضل الخالقين. فموهبة الخلق مُنحت للمخلوقات، ولكن الاختيار بيد الله وحده. إنَّ الإنسان يستطيع أن يُجري تصرّفًا في الشيء المخلوق فيحدث به ابتكارا أو اختراعا، لكنه لا يقدر على إنشاء أجزائه، بل إنما يستعمل ما هو موجود من قبل.

فمثلا: المعادن، لا تكاد توجد صناعة او تكنولوجيا الا والمعادن تستخدم فيها. فالمخترع يصنع الطائرة ولكنه لا يقدر ان يخلق ذرات الحديد. ويُولَّد الكهرباء من الماء ولكنه لا يستطيع ان يخلق الماء. وانما يولد الانسان الكهرباء من الماء لان الكهرباء مودعة فيه.

الماء ينزل من السماء ويُخزَّن في باطن الارض حتى يصير بحارا. فالمخلوق يتصرف في البحر لكنه لا يستطيع ان يقوم بايجاده. وكذلك الإنسان يمهّد الارض للسكنى ولكنه لا يستطيع ان يخلق الارض. فالارض والبحر والمعادن كلها موجودة من قبل.

وسبب التصرف في مظاهر الكون هي الخيال. فلو لم تخطر الفكرة لم يُرَ القلم الموضوع على الطاولة. ولو كان الماء امامه لا يشعر بالعطش. ولا يلتفت الذهن الى الجوع، ولا ياتيه النوم رغم التعب، ولا يستطيع ان يكتب جملة رغم رغبته في الكتابة، ولا يصير خطيبا بليغا، ولا يغمض جفنه، ولا يتنفس، ولا يسمع الصوت، ولا يفهم الكلام. فما هذا كله؟

وهذا كله إشارة إلى حقيقة واحدة، وهي أن الفرد تابع للخيال، وأن منزلته بمنزلة آلة. فإذا وردت المعلومة على الذهن وقع العمل. غير أن الفرد يظن أن ورود المعلومة أو العمل بها من اختياره، ومن هنا تبدأ المشكلات.

يعيش الإنسان في وقتٍ واحدٍ في عالمين. ففي المنام تكون حالته كالمعمول ، وكذلك في اليقظة لا يختلف الأمر كثيرًا، غير أنَّ غياب التركيز يمنعه من إدراك الحقيقة

يعيش الإنسان في وقت واحد في عالمين: ففي المنام تكون حالته كالمعمول،  وكذلك في اليقظة لا يختلف الامر، غير ان الغفلة عن التركيز تمنعه من ادراك الحقيقة. فمع ان المقتضيات متساوية في الحالين، الا ان الحياة في احدهما تجري بانسياب وسلاسة، وفي الاخر تتعرض للتفكك والخوف.

يمكنك أن تسأل: إذا كان في عالمِ المنامِ جريان وسلاسة، أي اقترانُ الخيالِ بالفعل، فلماذا نخاف في النوم؟ وما حقيقةُ الرؤى والأحلامِ المخيفة؟

الجواب هو ان عالم النوم انما هو نقش لعالم اليقظة، صورة ينعكس فيها ما دار في الذهن طوال النهار. فالإنسان يرى الاحلام على وفق اعماله. فإذا اضطرب الحلمُ، دلّ ذلك على أنَّ الذهن قد انشغل في النهار بأمرٍ ما، حتى غلبت حالةُ اليقظة على عالم النوم، فلم يعد الإنسان يشعر بحريةِ العالَمِ الذي يراه في المنام، بل بقي أسيرَ أثرِ النهار عليه.

فإذا كان القلب مغمومًا، فإنَّ الفرد يبقى كئيبًا رغم حُسن الطقس وجمال الجوّ.
وإذا كان القلب مسرورًا، فإنَّه يظلّ فرحًا حتى في أشدّ الحرّ.

فحُسن الطقس أو شدّة الحرّ إنما هما من مظاهر البيئة، غير أنَّ الفرد، وإن دخل في البيئة، يبقى غارقًا في حالته الداخليّة، فيرى العالم الخارجيّ على وفق ما ينعكس من شعوره الباطنيّ.

وفي العالم اللاشعوري ليس هناك الا الخير من كل جانب. والإطلاعُ الوارد من اللاشعور واحدة، ولكن كل فرد بسبب شعوره بالانفراد يُلبِسُه معنى مختلفا. يجلسُ خمسة اشخاص في غرفة، فيخطر في البال تناول الطعام، وحين يُفكَّرُ في اعداد تتوجَّهُ الأنظارُ جميعا الى شخص واحد، بينما ذلك الشخص يريدُ أن يُساعِدَه الآخرون. لقد وَرَدَ اطلاع مقتضى الجوع، غيرَ أنَّ اللاشعور لم يُحدِّد ان غيره سيعد الطعام. عند إضفاء المعنى يبدأ عملُ الذهن، غير أنّ عملَه في هذا المقام غيرُ مشروعٍ له.

وبإضفاء المعاني لا يستطيع الفرد ان يغير البرنامج الكوني، ولكنه قد يلحق الضرر بنفسه. وما لم يتحقق استيقاظ وحضور الشعور، يبقى الفرد غير مدرك لمحركات اللاشعور حتى وإن  دخل عالم النوم. فهو هناك ايضا يرى ما رأى ذهنه، وهذا هو سبب الخوف.وقد قال ابدال الحق قلندر بابا اولياء:

حسنة كانت أم سيئة، لا تشتك من الدهر  وما مضى فات، فلا تذكره

ما نلت من العمر إلا نفسين أو أربعة               ولا تضع نفسين أو أربعة من عمرك

كل شيء في الدنيا يسير في طريق محدد. فالامر الذي يكون سببا لفرح إنسان قد يكون سببا لقلق وحزن لإنسان آخر. إن هذه الدنيا دنيا المعاني والمفاهيم، فمن يعطي الشيء معنى خاصا يظهر عليه أثر ذلك المعنى. فلماذا نضيع الوقت في مشاغل الدنيا؟ لا تضع هذه الحياة القصيرة المشتملة على عدة أنفاس فقط. انظر إلى كل أمر على أنه من عند الله تعالى. وقد قال رب العالمين: والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا.

(کتاب : تذکره قلندر بابا اولیا )

لِلسِّياقِ دورٌ مهمٌّ في تكوين المزاج، وبه يقبلُ الفردُ الإطلاعَ أو يرفضه.

١- لقد قبِل ابنُ نوحٍ عليه السلام أثرَ السِّياق، وأعرض عن منهج تفكير والده.
٢- وأمّا إبراهيمُ عليه السلام فقد رفض منهجَ التفكير السائد في سياقٍ وثنيّ، واتّخذ صوتَ الضمير نصبَ عينيه، فلم يستطع السِّياق أن يؤثّر فيه.

هذه أمثلة على المحركات الذهنية؛ فأحد الأفراد رفض صوت اللاشعور، والشخص الآخر قبِله فدخل في مقام حق اليقين. وقد منح اللهُ تعالى الإنسانَ علمَ الأسماء، وبه آتاه ّذهناً ذا سَعة غير محدود. وعلمُ الأسماء هو علوم الله تعالى الصفاتية التي يقوم عليها نظامُ الكون، كل صفة هي خلق، وهي محيطة بنظام الحياة كله.

مصدر المحبة   صفة الله الودود.

 مصدر الخبر   صفة الله الخبير.

 مصدر السمع صفة الله السميع.

 مصدر البصر صفة الله البصير.

مصدر الكلام    صفة الله الكليم.

 مصدر الفهم    صفة الله الباطن.

يسمع الانسان ويبصر بما وهبه الله تعالى من نعمة السمع والبصر والادراك فاذا استعمل هذه النعم في الأمور التي تكرهها القدرة (الالهية) فمن هنا تبدأ حياة التقييد والقلق.

وقد كتب شخص في رسالة قائلا: "اني منذ الطفولة معتاد على كثرة التفكير الى حد مفرط سواء أ كان الأمر صغيرا أم كبيرا فاذا خطر بذهني مرة صعب علي التخلص منه، و لا أزال أفكر و أتأمل حتى اغوص في العمق فتتحول المشكلة اليسيرة الى عقدة كبيرة وتتوالد العقد بعضها من بعض وتتزايد واحدة بعد أخرى حتى أصبحت مريضاً للاضطرابات الذهنية."

وفق علم ما بعد النفسيات، بُيِّن حلّ المسألة على النحو الآتي: ……

وفق قانون التخليق، الذهن الإنساني مجموعة من ثلاث طبقات، ولكل طبقة منها محسوسات تختلف تمامًا عن الأخرى. ومن بين هذه الطبقات الثلاث، توجد طبقة تحوّل الخيال إلى تصور، ثم تنقله إلى الجسد الترابي. والجسد الترابي يكسو تلك التصوّرات بلباس المعنى، وينقش منها أنماطَ البهجة والحزن. فإنْ زُوِّدت هذه الطبقة بمعلوماتٍ تُنبئ بالسرور، ثارت في أعماقها عواصفُ من الفرح. وإنْ زُوِّدت بمعلوماتٍ مرتبطةٍ بالألم والأسى، یتولد فيها اليأس والسأم والشعور بالنقص والنفور من الحياة، إضافةً إلى تشعُّبِ الهموم والاضطرابات. تظلُّ هذه الطبقة محايدةً تمامًا، فتُخرِج إلى حيّز المظاهر كلَّ معلومةٍ تصلها دون تدخُّل. أما إذا انقطعت الطبقة المزوِّدة للمعلومات عن الفطرة، أو حادت عن مبادئها، فإنها تبدأ بتقديم معلوماتٍ مغايرة للفطرة وبعيدة عن الواقع. والفطرة لا يوجد فيها يأس، ولا إحساس بالانكسار، ولا ميولٌ إلى الانتحار، ولا شعورٌ بالدونية أو التفوّق على الآخرين، ولا الانشغال بالهموم الوهمية؛ فكل ذلك أمور غير فطرية. الفطرة دائمًا هادئة مطمئنة، والابتعاد عنها هو سبب حقيقي و أصلٌ لما يعانيه الإنسان من مشكلات ومصائب. لذا، اقترب من الفطرة يُذهِبُ ذلك كلَّ المشكلات تلقائيًا. وطريقُ ذلك أن تنهض قبل الفجر، وتمشي في أوّل تباشير الصباح يوميًّا مسافة لا تقل عن ميلين. ففي غضون لا تتجاوز ثلاثة أسابيع ستتخلَّص من اضطراباتك، غير أن المواظبة على هذا الطريق للاقتراب من الفطرة يُستحسن أن تُواصله لثلاثة أشهرٍ على الأقل.

الحياة منقسمة إلى الظاهر والباطن، وهي تجري في ثلاثة دوائر. وتعتمد الكيفيات الظاهرية على الباطن. فعندما تنشأ الحركة في الباطن يدخل النظام الجسدي الداخلي والخارجي في الحركة. أمّا جريان الدم في الجسد فهو في الظاهر مخفيّ عن الأبصار، لكنه ليس الكيفية الباطنية. فالكيفية الباطنية هي الطاقة الخفية التي تُبقي جريان الدم في حركة، وهي لا تُرى، وإنما تظهر في الحركة.

النظام الذي يعمل في أعضاء الجسد يدخل أيضاً إلى فئة الظاهر، لأن أي نظام لا يتحرك من تلقاء نفسه، فالحركة تأتي من مكان ما. و حدوث الحركة، والتحفيز في الجسد، والمحرّك للحركة، كل هذه الأشياء باطنية.

نسمي بالباطن ما لا يُرى بالأنظار المحدودة، وإلا فكل ما خُلق في الكون ظاهر.حتى أن الله تعالى أعطى المخلوقات الحواس، فكان بها تجلي صفاته وآياته. وإنما يتعلق الظاهر والباطن بما يفهمه الفرد.

يبدأ طور التعارف من الخيال، والخيال هو صوت. فلما خاطب الله تعالى المخلوقات، كانت أولَ ما ألفته منها هو الصوت.

و يُرفَع الصوتُ لتوجيه الانتباهات. و قد لاحظتم أنه من لا يسمع لا يستطيع الكلام. و الذي لا يسمع، لا يتكوّن في ذهنه تصور لصوت المخاطب. قد يُطرَح سوال: ليس بالضرورة أن يكون كل أطرش وأبكم أعمى.

إنه وإن كان أبكم أصمّ من حيث الظاهر، إلا أنه مدرك للصوت الداخلي ويسمعه. ولهذا تُفهم المعاني بالإشارات. وبما أنه على وعي بالصوت الباطني، فإنه يدرك المقصود من خلال الإشارة. المهم أنه أطرش وأبكم، لكنه خبير بالصوت الداخلي و يسمعه فعلاً. ولهذا السبب تُفهم الأمور بالإشارات. وبما أنه خبير بالصوت الداخلي، يفهم الكلام بالإشارات.

القانون: الخيالُ هو الصوت، والصوت سبب التعارف . وبعد ذلك تتحرك الحواس الأخرى.

سعة ذهن الإنسان تساوي سعة الكون. يتحقق إدراك السِّعة حينما تتحرّك الزوايا النائمة في الذهن بدخول المعلومة إلى العقل. المرحلة الأولية لنزول الإطلاعِ هي الواهِمَة ، ولا يشعرُ الشُّعورُ بضغطها. وبزيادة الضغط يشعر الشعور بذبذبة الإطلاعِ ويتوجه نحوها. من التوجه يتشكل التصور، وبحصول العمق يغلب الاحساس الموجود في التصور، ويظهر فعل القبول والرفض.

يُلفتُ الانتباهُ إلى أنّ الإحساسَ كامنٌ في التَّصوُّر، وقد مُنِحَ الإنسانُ خيارَ قبولِه أو رفضِه. فإذا تحقق القبول، بقي الجانب الآخر من التصور مغلوبًا، ولا ينقسم الذهن.

وعلى العكس، في حالة الرفض يصبح الجانب المغلوب الكامن في التصور هو الغالب. وبما أن الفرد كان في البداية مدركًا للجانب الغالب في التصور، فإنه عند الرفض، عندما يغلب الجانب الآخر، ينقسم ذهنه إلى قسمين. وإذا أُصغي إلى الخيال بالعمل وفق صوت الضمير، فإن الذهن لا ينقسم. ومعنى الانقسام هو التفكك، والشك، وعدم اليقين، والضعف.

أفادتني سيدة بمشكلتها: عمري تسعة عشر عامًا. أعاني من شعور بالنقص. أنفي قبيح جدًا وغليظ مما أفسد شكل وجهي تمامًا. أنا ملتزمة بالصلوات الخمس. أدعو بعد كل صلاة أن أُصبِحَ جميلة وأن أتحرر من شعور النقص.

وفقًا لعلم ما وراء النفس أن علاج المشكلة كما يلي:

قفي قبل النوم ليلاً أمام المرآة وأغمضي عينيك وتصوري أن المرآة تراك. كرري هذه الكلمات في نفسك: "أنفي ليس غليظًا ولا قبيحًا. وهو متناسب مع وجهي". اعملي هذا يوميًا لمدة خمس دقائق ثم اذهبي للنوم دون كلام. يجب الحرص على ألّا تري انعكاس صورتك في المرآة بعد فتح العينين، وعليك ألا تنظري في المرآة بعينيك المفتوحتين مطلقًا لمدة أربعين (40) يومًا."

فكِّر وبيِّن ما هي تبريرُ هذا العلاج، ولماذا اقتُرح العلاج من خلال التأمّل في المرآة۔؟

إنَّ الحياةَ تَجري في ثلاثةِ دَوائر.

١- الدائرةُ المادِّيَّة (الفِيزِياء)

٢- الدائرةُ الذِّهنيَّة (عِلمُ النَّفس)

٣- الدائرةُ ما وراءَ الذِّهنيَّة (ما وراء عِلمِ النَّفس).

ومعنى الفيزياء هو أن كل ما يتعلق في حياة الإنسان بعواطفه وأحاسيسه يُسمّى بالطبيعيات. والإنسان يمر في حياته بانحطاط و عروج، وفي المرور بهما يحصل في ذهنه تغيرات. مرة يكون فرحاناً ومرة يكون حزيناً، ولا يستطيع أن يقرر شيئا في ذلك، و ذلك يسمى نفسيات. وأمّا ما يقومُ بحل أمور الفيزيا والنفسيات،  و من حيث تأتي الخيالات، فذلك يسمى ماوراء علم النفس."

ولفهم المعادلة المذكورة يقال هكذا: أن ما يشيع في السِّياقِ الاجتماعيِّ من أشياء وعادات كلها تدخل في الدائرة المادية. مثل ولادة الطفل، ومراحل العمر، والأكل والشرب، والنوم واليقظة، والزواج، والاختراعات والتطور، والاختلاط، والنظام الاجتماعي والأسري كلها تدخل في الدائرة المادية، ويُسمّى ذلك فيزيا.

الدائرة الثانية هي دائرة علم النفس، وهي متعلقة بكيفية تفكير الفرد، وبالأنماط التي يعمل بها ذهنه.

وما نسميه المزاج شيء واحد، غيرَ أنَّ أمزجةَ الطفل والشاب والشيخ مختلفة بعضه عن بعض، وكذلك مناهج تفكير الطيور والحيوانات والحشرات مختلفة ايضا. والفرح والحزن والراحة والقلق والتعاطف وعدم الاحساس والمحبة والبغض والاختلاف والاتحاد كلها تدخل في دائرة النفس. وابتداء هذه العوامل كلِّها الخيالُ، ومن اين تأتي الخيالُ ، فذلك العلم يسمى ماوراء علم النفس.

سواء وُجد الشيء أم لم يوجد، فإذا لم تصل إلينا معلومتُه فهو بالنسبة لنا غير موجود. ويتضح ذلك من مثال الإنسان حين يسرح في خياله أو يغيب في خيال واحد. والمقصود بالغياب في خيال واحد أن تظهر الطبقة الباطنية للخيال، التي يتجلى فيها معنى الشيء وتفسيره. وبعبارة سهلة يمكن أن نقول إن بداية الخيال تكون من الوهم.

ما الواهمة ---؟ الواهمة إطلاع يعدّ مصدرَالحياة، أي الروح. ووفقا للكتب المقدسة، تُعرّفُ الروح بأنها أمر الله. الكون خلق ذات ما وراء الوراء. والمُراد بالخلق أن ذاتا ماورائية حين أرادت خلق الكون، انكشف في الإرادةِ ما كان وما سيكون.

و في القرآن الكريم بيان لكل صغيرة وكبيرة. يقول الله تعالى:

" وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ. "

 (حم السجدة: 47)

ففي هذه الآية تسجيلٌ لجميع دوائر الحياة الثلاثة. و إذا كتبت الكلمات مرقمة، فيكون الترتيب كما يلي:

1.     الغلاف و العوامل والأسباب التي تكوَّن منها الغلاف

2.     الثمرة، و وتكوُّنُها وخروجها

3.     الأنثى، وحملُها

4.     عملية الولادة والطفل

5.     إحاطة علم الله لجميع الأعمال

الغلاف والثمرةُ، وتكوّن الثمرة وخروجها من الغلاف، والأنثى وحملها وولادة الطفل، كل ذلك يندرجُ تحت دائرةِ الفيزياء.

البرودة أو الحرارة في الغلاف، و مزاج الثمرةِ و طبيعتها أي الحلاوةُ والحموضةُ والمرارةُ والبرودةُ والحرارةُ، وبالإضافة إلى ذلك، في عمليّة تكوّن الثمرة واستقرار الحمل في الأنثى، ما يمرّ به الفرد ـ أي الثمرة والأنثى ـ من الكيفيّات والأحوال، فإنّ ذلك كلَّه يدخل في دائرةِ النفسيّات ويتعلّقُ بعِلمِ النفس.. و ما لم يلتق ذهنان، لا يستقر الحمل. وكذلك، ما لم يتحقّق التوازن بين مقدارين، لا يتوحدان ، فإذا لم يتوحدا، لم يَتِمّ فعل الامتزاج.

ولهذا السبب، وبسبب تماثل الأفراد والمقادير، يولد الإنسان من الإنسان، ويولد الأسد من الأسد. ومهما وُجِد من اختلافاتٍ بين الذَّكَر والأنثى، فإنّه عند الاتّصال الجنسي يلتقي ذهنهما في مرحلة ما، ومن اجتماع الذهنين يُخلَقُ ذِهنٌ ثالثٌ، ينتقل إليه ما في الذهنين الأولين من الخصائص. ولذلك يُقال: إنّ الولد صورة كربونيّة للأبوين. وكما أنّ الثمرةَ تتكوَّن في غلافها وتخرج منه، كذلك يستقر الحمل وتحدث الولادة، وهذا كلُّه محاط بعلم الله تعالى.

العلوم الروحية هي وثائق ترشدنا إلى البحث عن حقيقة الإنسان: من أين جاء، وكيف أعدّ لنفسه اللباس الجسدي، ثم إلى أين يذهب بعد أن يخلعه. وقد وضعت القدرة الإلهية للإنسان صيغًا بالغة الأهمية والإيجاز لتعريفه بحقيقته الأصيلة، حتى يبلغ الوعي الذاتي ويتعرّف إلى أصله.

في علم ما وراء النفس، وبخلاف الفيزياء وعلم النفس، يُتحدَّث عن تلك القوى التي تعمل في المستوى المشترك للكون، وتُحيط بقوانين عمله. . ونظريّةُ اللونِ والنور  تقوم بتوضيح مدى الإنسان في معرفته بالصيغ التي تساهم في خلق الكون، وهل هذه الصيغ في متناول يده أم لا، وإن كانت كذلك، فإلى أي حد؟ و ما منفعتها للإنسان، وكيف يمكن له من خلال وعيها وإدراكها أن يجعل حياته سعيدة و ناجحة."

اذا تأملنا في العوامل العاملة في المستوى المشترك للكون تتوفّرُ لنا الشهادة ان الحياة متحركة في كل شيء من هذا الكون. واذا بُحِثَ عن المستوى المشترك في كل شيء يخرجُ الفرد من حدود الفردية فيتعرف على حقيقة نفسه وحقيقة المظاهر الاخرى. وهذه المعرفة تقربه الى الاصل.

وما لم يرجع الإنسان الى اصل اساسه فانه لا يتعرف على حقيقة أصله.

ما هي الحياة----؟ إن المفكرين لم يستطيعوا إلى الآن أن يضعوا تعريفًا حاسمًا للحياة. فكل واحد منهم له رأي مختلف، لأن لكل واحدٍ مزاجًا مختلفًا (طباعًا مختلفة). فهذا قال شيئًا وذاك قال شيئًا آخر. غير أن الوجه المشترك في تلك التعريفات هو وصفُ حياة الإنسان بالصعوبةِ أو التعقيد. وقد أوضح أكثرهم هذا المعنى بألفاظ متعددة. لكن هذا ليس تعريفًا للحياة، بل هو في الحقيقة تعبيرٌ عن عدمِ فهمِها، ولذلك وُصِفت الحياة بالصعوبة أو التعقيد. والسبب الأساسي في ذلك هو نفسية الإنسان، ومدارُ  النفسية على الرغبات.

علماء الباطن لا يتورطون في كلمات من قبيل: لو، ليت، لعل، وربما. والسبب في ذلك أنهم عارفون بالباطن. وهم يقولون إن الحياة تابعة للخيال، والخيالُ تابع للأمر الإلهي.

وأمر الله كما قال سبحانه: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" ( یس: ۸۲).

أي إنَّ أمر الله هو أنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون على الفور."

و هذا هو تعريف الحياة.

في الكون، حيثما توجد الحركة، توجد الحياة. وإذا انفصلت الروح عن الجسد، سُمِّيَ الجسد فورًا جثة ميتة. حتى الجسد الذي كان الناس ينادونه باسم زيد أو حامد، يُقال عنه عند رؤيته الآن إنه جثة ميتة. وبتغيّر البيئة تتغيّر نفسية الآدمي. والحديث هنا عن الآدمي، لا عن الإنسان. ومن يعرف الحقيقة يعدّ الجسد جثة ميتة في الحالتين، سواء كانت الروح فيه أم غابت عنه. وهذه أيضًا حالة نفسية، وهي من نوع لا يتغيّر، لأن هذا التفكير مرتبط بعلم ما وراء النفس.

الفردُ العارفُ بالوجودِ الباطنيّ يعلمُ أنَّ الحركةَ ليست في الجسدِ الترابيّ ولا في الجسدِ الماورائيّ، بل إنّها تأتي من موضعٍ آخر.

إن السبب الأساسي للمشاكل هو اعتبار الجسم محرك الحركة، ومن هنا تتعقد الامور. ولم ذلك؟ و في الحقيقة أن الاقرار بأن الجسم هو محرك الحركة هو نفس الاقرار بخصائص الجسم، ومن ثم يعمل الذهن وفقا لتلك الخصائص ومقتضياتها. ومثال ذلك:

١. إنَّ الجِسم خُلِقَ مِن صَلْصَال كالْفخار، و مِن حَمَإٍ مَسْنُون.

قال الله تعالى:

"فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ" (الطارق: ٥-٦)

وقال جل وعلا:

"أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ" (يس: ٧٧)

سواء كان الجسد جسدَ آدميٍّ أو جسدَ كلبٍ أو قطٍّ، فإن الخلق يتمّ من النطفة. والنطفة ماءٌ متغيّر ذو رائحة كريهة. وهذا الماء يتكوّن من الأغذية التي نتناولها. وسواء كان مصدر الغذاء لحمًا أو خضروات أو فواكه، فإن جميعها مرتبط بالأرض.

وفي عالم الناسوت، من خصائص الأرض أن ما يخرج منها يكون فيه تعفّن ورائحة. والتعفّن مرتبط أيضًا بالشك. فالآدمي ينتقل باستمرار بين الإيجاب والسلب، ويقضي معظم وقته في الشك، وهذا العمل يفسد التفكير ويدخله في الدم. ومعنى التعفّن والرائحة هو التغيّر.

٢۔ من خصائص الجسد التغيّر:

إن التعفّن يدل في الحقيقة على التكسّر والتغيّر، ويشير إلى أن للجسد حالة سابقة قبل التعفّن. ثم طرأ عليها التبدّل فتعفّن الجسد، أي لم يبقَ على حالته الأولى. ومن أسباب التعفّن الثقل.

٣۔ في الجسد ثقل:

للثِّقَلِ علاقةٌ بالحلاوة والملوحة؛ ففي إحداهما تكون اللزوجة (الجذب) أشد، وفي الأخرى تكون أقل. وهذه اللزوجة (الجذب) لا تَدَعُ الفردَ يخرج من البيئة، وتُثقِلُ الذهن. ومع ثِقَلِ الذهن تقلّ السرعة، حتى تنتهي إلى الجمود.

٤. من خصائص الجسم، الجمودُ:

معنى الجمود هو “الأنا”، أي الانغلاق داخل قوقعة الذات. ومن خلال عدم قبول الخيال الجديد والعوالم الجديدة الكامنة في الخيال، يزداد انحصار الفرد داخل قوقعة الافتراض.

وبسبب الطول ذُكرت بعض خصائص الجسم. والمقصود أن الالتفات إلى الجسم يجعل هذه الصفات كلها تدخل في الفكر. فبالوقوع في الصفات السلبية مثل التعفن، التغير، الثقل، الجمود، والانغلاق في القوقعة، تصبح الفكرة معقدة، و يتعرض الفرد للأمراض فيصير لقمة سائغة للأسقام.

 إن بداية المرض تكون من الفكر السلبي، الذي يؤدي إلى تشتت الذهن وحدوث التغير في الأفكار. فتتهاجم أنواع مختلفة من الأمراض. وعادةً يُعالَجُ المرضُ بالأدوية، غيرَ أنّ بعض الأمراض لا تؤثر فيها الأدوية، والسبب أن التشخيص الصحيح للمرض لا يتحقق.

يقوم علماء الباطن بتحويل توجّه الفرد لإخراجه من الأمراض النفسية والجسدية. فعندما يثبت الذهن على التفكير السلبي تصبح الخيالات كثيفة. ويعمل علماء الباطن على تغيير مسار التفكير وتوجيه الفرد نحو آيات القدرة الإلهية.إن ذات الله تعالى وصفاته منزّهة عن الاضطراب والشك والخوف وعدم اليقين. ومن خلال التوجّه إلى الحقيقة غير المتغيّرة، يبتعد الفرد عن التغيّر، ويتقدّم نحو الشفاء والصحة.

يُروَى أن محمود الغزنوي أصيب بمرض مرة فطال عليه المرض وانتشر القلق في كل مكان. وقد بذل أطباء المملكة المشهورون جهودهم، فأخفقوا و وقعوا في الحيرة، ولم يبرأ الملك. وأخيرا قدم في يوم من الأيام طبيب حكيم إلى القصر، فلما نظر إلى الملك قال للوزراء أن يعلنوا في طول البلاد و عرضها أن الملك محمود الغزنوي قد تعافي و شُفِيَ من المرض.

تحير الوزراء ولكنهم عملوا بمشورة الطبيب. و أُعلن بأنه مبارك ، فإن الملك محمود الغزنوي عاد إلى كامل صحته. و ضربت الطبول وانتشر الخبر كانتشارِ النار في الهشيم و أعربت الرعية عن الفرح. غير أن في منطقة  من مناطق المملكة، لما بلغ الخبر آذان بعض العارفين بالأعمال الروحانية وهم جالسون معا و عاملون بها، انقطع تركيزهم. ولما سمعوا بالشفاء دب الشك في أذهانهم فانتهى تأثير أعمالهم الروحانية.

في الحقيقة، استخدم العارفون بالأعمال الروحانية علم التركيز ليبلّغوا الملك محمود الغزنوي بطريقة ما بعدَ نفسيّة بأنه مريض. و بما أن ذهن الملك لم يكن عارفا باليقين، قبل لاشعوره هذه المعلومة فأصابه المرض. و كما كانت جميع الألسنة تقول نفس الشيء: "إن الملك مريض." فإن تكرار خبر المرض هذا، طال المرض ولم يفد أي دواء. وفي النهاية، لما ورد الحكيم كسر هذه التكرارات أولاً بأنه مريض و أعلن أن الملك قد تعافى. فجعل خبر الشفاء يتردد في كل جانب من جوانب البلاد.

القانون: بتكرار الإرادة تصير الأشياء مظهرًا.

تبدأ الحياة بالخيال، وعلم الخيالِ مرتبط بما بعدِ النفسيّات وبما أن التركيز والاضطراب هما ما يجعلان الإنسان صحيحاً أو سقيما، فلذلك يُعالَجُ المرضُ بما بعدِ النفسيّات عن طريق اكتشاف أصل و أساس المشكلة وتحويل توجه ذهن المريض.

في الوقت الحالي، فقد أصبح اليأس شائعًا في العالم. استخدام أدوية النوم أو الأدوية المهدئة للعقل لا يعالج المريض علاجًا جذريًّا؛ فلفترة مؤقتة يغلب النوم على المريض، والمرض يصبح مغلوبا ويكبح ، ولكن عند الاستيقاظ يعود المرض من جديد.

والعلاج طويل المدى هو تغييرُ زاوية التفكير فعند تغير الزاوية ينقضي اليأس تماما.

حضر رجل مقدس هندوسي إلى خدمة الخواجة غريب نواز، وقد بلغ بممارسة المراقبة مقامًا يرى فيه جسد اللحم والجلد كأنه تراب. وعندما تتحلّل ذَرّات التراب في البصر، يظهر فوق الإنسان جسد آخر كالصورة المتحركة على شاشة التلفاز. وهذا هو الإنسان الذي يُسمّى نسمة هيوليّةً.

أمعن الرجل المقدس الهندوسي النظر نحو الخواجة غريب نواز، فثبتت عيناه نصف المفتوحتين عليه، فصرخ : "يا ربي، يا قوة القوى! جلالك، جلالك! نعم، هذه هي رحمة الإله! أيها الخواجة، روحك مضيئة، إلا أن في قلبك بقعة سوداء.

قال سلطان الهند: "أنت صادق فيما تقول."

فلما سمع الرجل المقدس الهندوسي ذلك، قال بدهشة: " هذه البقعة لا تبدو جميلة على الروح المضيئة كالقمَر، هل من الممكن أن تزول هذه البقعة بقوتي؟"

قال خَواجَةُ غَرِيبِ نَوَاز: "نعم إن شئت فإن هذه البقعة يمكن غسلها" و اضطرب الرجل المقدس الهندوسي باضطراب شديد و قال وعيناه دامعتان وشفاه مرتعشتان: "حياتي في خدمتك"

قال خواجه غريب نواز: "ستزول هذه البقعة السوداء لو آمنت بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم." و لم يفهم الرجل المقدس الهندوسي الأمر و لكن بما أن كثافة الطين كانت قد زالت من داخله آمن برسالة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم.

قال الخَواجَة غَرِيبِ نَوَاز: انظر الآن بعين الروح مرةً أخرى!

فلما نظر الرجل المقدس الهندوسي، وجد أن قلبه كان نيراً وطاهراً من البقعة السوداء. فرفع يديه أمام سلطان الهند وقال: "اكشف عن الأمر المستحيل وإلا سيضيق صدري". فقال الخَوَاجَة غَرِيبِ نَوَاز:

"اسمع! ذلك الإنسان النير الذي رأيت على صدره البقعة السوداء، كان هو نفسك، ولكن بعد كل هذه القوة لم تدرك نفسك. والإدراك هو أن قلب الإنسان يكون مرآةً و في مرآة كل إنسان آخر يرى صورة نفسه. فلما رأيت روحك النيرة في داخلي، ظهرت لك صورتك. وبما أن إيمانك لم يكن بتوحيد الله تعالى، كان على قلبك بقعة سوداء، و لما نطقت الشهادة، ذهبت البقعة السوداء، وظهرت لك صورتك مضيئة ولامعة على مرآتي."

إنَّ حضرةَ معينِ الدِّين الجشتي المعرُوف بخواجه غريب نواز حوَّلَ اتِّجاهَ فكرِ الرجل المقدس الهندوسي لإزالةِ نقصِه، فقال له: إنَّ النقصَ الذي تراه في داخلي ليس هو نقصي بل هو انعكاسُ نقص صورتِك، فابحث عن ذلك في نفسِك. و هكذا صَقَلَت مرآةَ قلبِ السَّادهو (الرجل المقدس الهندوسي ) وأصبحت نقيًّة صافية.

يحدِّثُنا الشيخ فريدُ الدِّين كريم بابا، وهو من خلصاءِ التلامذةِ لصاحبِ العِلمِ اللَّدُنِّي حضرة نانا تاج الدِّين، عن واقعة جليلة شهدها.

"رحلَ أحدُ الصوفيّةِ من مدينة جَهانسي الواقعة في الهند قاصدًا إلى شَكَر دَرَّه، شوقًا إلى لِقاءِ حضرةِ بابا تاج الدِّين. كان ذلك الصوفي مقيما معي، وكنّا نتذاكرُ في كلِّ وقتٍ عن التصوّف والرُّوحانيّة. وفي يومٍ سألتُ الشَّيخ: هل هناك طريقٌ يسيرٌ أكسب بها قوّةً أستطيعُ بها أن أعبر مراتبَ العِرفانِ بسرعة؟ فأرشدني الشاهُ إلى عملٍ مخصوص، وقال: "أدِّ هذا العملَ في المقبرة." فغلبني شوقي، فانطلقتُ إلى المقبرة وبدأتُ أعمل به. وفي اليوم الثالث، بينما كنتُ مشتغلاً بالعمل، أحسستُ صوتَ حضرةِ بابا ـ مغمورًا بالخشونة والسَّخَط ـ يناديني. ففتحتُ عينيَّ و لمحت ما حولي، فلم أرَ بابا. ثم عدتُ إلى الانشغال بالعمل، فإذا بالصوت الغاضب يتردَّدُ ثانية كأنَّه ينهاني. فقمتُ متوجِّهاً نحو مجلسه، وكان الوقتُ نحوَ الثالثة ليلاً. فلمّا رآني قال على الفور: "أيها الفتى! من قال لك أن تحفر الجبال العظيمة؟! خذ هذه العلبة من الكبريت!"

ناولني عودَ الثقاب وقال: "لِمَ تبحث هنا و هناك  ؟" ثم تكلّم بكلماتٍ لم أفهم معناها. فقلتُ في قلبي: "يا حضرة بابا، لم يتبيّن لي ما الذي قلتموه."

"وما إن خطر بذهني ذلك حتى صفعني بابا صاحب و قال: "أتسرقُ الذهن؟!"

أخذ حضرةُ البابا شالاً من كتفِ رجلٍ كان هناك، فناوَلَني طرفَه وأمسكَ هو بنفسه بالطرفِ الآخر، ثم قال: "افرشه! هذا هو الدكّان."

فريد الدين كريم بابا يقول: لما ناولني بابا صاحب علبة الكبريت خطر ببالي أن عود الثقاب كما يَخفى فيه شعاع النور، كذلك نور الله مودَعٌ في داخلي. و رغم أن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، أن طلبه هنا وهناك وعدَّه منفصلاً عن الذات إنما هو عبث لا طائل له. فإذا تجلّت للإنسان معرفة نفسه، انكشفت له معرفة تلك الذات التي كسَت الأكوان رداء الوجود لتعريف نفسها.

اللفظ الجدير بالتأمّل هنا هو "سرقة الذهن الذي يحيط الواقعة بكاملها ومعناه أن يستعمل المرء ذهنه، أي أن يعمل بخلاف الفطرة. فقد راجع كريم بابا في حال من الجهل إلى الغير مع وجود شيخه، مع أنّ الشيخ أدرى بميل طبع تلميذه و سجية نفسه ويُربٍّيه بما يناسبه و يطابقه.

قال بابا تاج الدين، مُصلحًا له: «إنك تسرق ذهنك

والدرس المستفاد هو أن انصراف الذهن عن الأصل يوقع في الضرر. وعندما أدرك خطأه، انكشف في ذهنه معنى كلام المرشد. وإن علم ما بعد النفسيات أو علم الروحانية يعلّم العبد الرجوع إلى الأصل.

في علم ما بعد النفسيات (الباراسيكولوجيا) يُعالَجُ المريضُ بإدراك سياقه ونفسيّاته، والنظرِ في الموضع الذي التبس فيه ذهنه واشتبه. و بما أن كل عملٍ مرتبط بالخيال، تنحل المشكلة بتحويلَ انتباه الفرد.

وطريقةُ تقوية الفرد ذهنيًّا أن يُعلَّمَ كيف يُحوِّلُ انتباهه عن اليأس أو التوتّر النفسي، أي إحداث التصرّف في نفسيّات الفرد.

إنّ الإنسان ينظر إلى الحوادث والوقائع و إلى ما حوله من السِّياق بحسب النفسيات؛ فإن شخصاً قد يُهمل أعظمَ الأمور، وآخرُ قد يجعل من أصغرها قضيّةً كبرى. والفرق إنما هو في السلوك الذي يتشكّل من السِّياق ، وأساس السِّياق هو طرازُ الفكر. وهذا الطراز و المنهج من التفكير هو عينُ النفسيّات. و إنّ علم ما بعد النفسيّات يرشد ويهدي إلى فهم عالَم النفسيّات والطبيعيات. وهو يكشف أنّه لا يكتمل أيُّ عملٍ في هذه الدنيا إلا بعد أن يسبقه الفكرة و الخاطرة. وأمّا العلوم الروحانية فإنها تخبرنا بأنّ الإنسانَ مكوَّنٌ من ثلاثِ طبقاتٍ.

١. الصفات

٢. الذات

٣. الجسد المادّي

و ما هي "الطَّبقة"؟ فافهموها بمثال البصل.

 إنّ البصل مركبٌ من قشورٍ متراكبة، فإذا نزعتَ القشورَ واحدةً بعد أخرى بحذر لم يَبْقَ في يديك بصلٌ تامّ، بل تفرّقت أجزاؤه ذرّاتٍ مبثوثةً على المائدة، فحينئذ يُسأل: أين ذهب البصل....؟

وإن إدراك "الذات" و"الصفات" إنما يكون على طريقتين مختلفتين.

الماءُ يزيل العطش، ويولِّد الكهرباء، و هو يُبقي الحياةَ، و هو عنصر أساسي من عناصر الخلق. و هي صفاتُ الماء. وأمّا حقيقةُ الماء في ذاته فلا تُعرَف إلا بمعرفة المقادير التي يتكوّن منها الماء. فمعرفةُ وصف الشيء داخلةٌ في نطاق الشعور، وأمّا الوصول إلى حقيقته  فذلك مرتبطٌ بشعورٍ آخر وراء الشعور الذي يُسمّى باللاشعور.

ما حقيقةُ الماء؟ إنّ هذا الأمر ينكشف على الذين هم نوّابُ الله تعالى، وورثةُ العلوم الروحانية للأنبياء الكرام، ولسيّد المرسلين خاتم النبيّين محمد ﷺ. فهؤلاء العباد هم خلفاءُ الله في الأرض.

رجلٌ اسمه زيد. كان زيد في الماضي أنانياً حريصا على نفسه، لكنّه الآن رحيمٌ بالناس. ومن المحتمل أن تتغيّر صفاته أكثر في المستقبل. إن الشعور السطحي رأيه في شأن زيد لا يزال يتقلّب.

ومن الأمورِ اللافتةِ أنَّ زيدًا كان أنانيًّا، فلم يكن إلا زيدًا ، وحين صار رقيق القلب كان أيضاً زيداً، وإنّما السياق هو الذي منحه شهادةَ الخير أو الشرّ.

أمّا عند العارفين بالعلوم الروحانيّة فإنّ زيداً عندهم كتابٌ مفتوح، لأنّهم لا ينظرون إلى الظاهر، بل يدركون الباطن بالبصيرة التي وهبها الله لهم.

إنّ الصفات في الحقيقة تعريفٌ بالذات. والإنسان الروحاني يظلّ في طلب الذات المطلقة من خلال الصفات. إنّ الله تعالى الذي هو خالق الكون قد جعل الصفات في الكتب السماويّة آياتٍ له، لكي ينال العبدُ من خلال الصفات معرفةَ الذات.

إنّ قشورَ البصل هي صفاتُه، وفي تلك القشور خاصّيّةُ للوصول إلى الذات. فمن خلال القشر يُعرف أنّه بصل. وكذلك في قطرة الماء تكمن مقاديرُ البحر، و ذرّةُ الترابِ تحملُ في داخلِها جبلًا.. فالحدیث المقصود هنا هو النظر والتفكّر في داخل القشر والقطرة والذرّة.

إنَّ اللهَ تعالى قد خلق كلَّ إنسانٍ على دين الفطرة، غير أنّ تربية الوالدين وظروف السياق تُقسِّمه إلى أنواع من التعصّبات. ودين الفطرة هو أن يتيقن العبد يقينًا كاملًا بأنّ الخالقَ، والرازقَ، والكافلَ، والمُدبِّرَ لجميع حاجاته إنما هو الله تبارك وتعالى وحده. فيُسلِّم نفسَه لله تفويضًا وانقيادًا. وهذا هو النَّمطُ من الفكرِ المحايدِ، (المتجرِّدِ من الأهواء).

كما قال الله تعالى في القرآن الكريم:

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ (سورۃ آل عمران: 7)

الترجمة إلى العربية:

وعلى العكس من ذلك، يكون الاتجاه الآخر هو النمط الفكري الشيطاني. وعندما يتحوّل منهج التفكير الشيطاني إلى شجرة باسقة، تظهر على فروعها ثمار مثل الوسواس، والقلق، والعصيان، والخوف، والاضطراب، والحقد، والحسد. فيقول الله تعالى:

وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ۔ (ابراهیم : 26)

الابتعاد عن الله يولد الشك والريبة، و في الذهن الذي فيه شك توجد الشيطنة، و يوجد اليقين حيثما كان الله ، ويزداد اليقين ثباتاً بقراءة القرآن فهما و تدبرا.

نحن غير ملمين بقانون العيش حياةً مطمئنة أو حزينة، فنخطو خطواتٍ لجلب السعادة والرفاهية لا يحصل منها إلا اليأس. وإذا حللنا الحياة نجد أن أكثرها يمضي في خيبة أمل، لأننا لا نعرف أي طريق تشرق فيه مصابيح السرور، وأي فضاء يتحوّل فيه الندى إلى لآلئ، وأي جوّ يعمّه الطمأنينة، وأي عطر يتنور به الشعور. نحن لا نرضى لأننا لا نطمئن بما يقضى و يقدِّر الله لنا، ونريد نتائج ما اشتهينا مع أننا نعرف أن علمنا له حد معين. يقول الله الحي الرحيم الكريم:

وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔأ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ  وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. (سورۃ البقرۃ: 216)

إن سيدة قد  كتبت في رسالة: 

زوجي ضاع في الأجواء المغرية لمدينة لندن ولم يعد يهتم بي. بسبب عادة الإدمان السيئة، لم يمتنع عن العنف والضرب. قد كتبت إليك الرسالة وأخبرتك بالمشكلة. فاقترحت فضيلتكم العلاج بأن أصور صورة كبيرة لزوجي وأعلقها مقلوبة على الحائط في الغرفة باتجاه الأقدام.

قمتُ هنا بتكليفِ رسّامٍ جيّدٍ برسمِ صورةٍ ملوَّنةٍ جميلةٍ لزوجي ثم قمت بإطارها بإطار فاخر، وعلقتها مقلوبة كما أوصيتني.  فأصبحت الصورة موضوع نزاع وجدال بيني وبين زوجي، فامتنع زوجي عن التواصل معي وتجاهلني بشكل قاطع.

وكان يحدث أنه كلما دخل الزوج الغرفة، أعاد الصورة إلى وضعها الطبيعي، وكلما خرج منها، كنتُ أعيدها مقلوبة. ثم اتخذ هذا الصراع الصامت والكفاح النفسي طریقا آخر، حيث شرع زوجي في توجيه رأسه نحو قدميه عند النوم كي لا يقع بصره على الصورة. فأنزلت الصورة وعلقتها في الجانب الآخر حيث لا بد أن یقع بصرہ.  استمرت هذه الحالة واحدًا وعشرين يومًا دون انقطاع، حتى تحدث إليَّ أخيرًا من تلقاء نفسه. وكانت الكلمات الأولى التي نطق بها بعد هذه الفترة: 

'أشعر بأني منهك تمامًا، محطم نفسيًا. إذا لم نتوافق نفسيًا وفكريًا، فآخاف أن أتهاوى و أتحطم."

ظل تقليب الصورة جاريا، وكانت توجيهاتكم ان لا تترك الصورة مستقيمة مهما اشتد احتجاج الزوج.

الآن (قد تحسَّنت حالة الزوج)، إن الزوج يدخل البيت ويخرج منه في أوقات منتظمة، وقلَّل من شرب المسكر. ومع أنه لم يتوجَّه إليَّ تمامًا بعدُ، إلا أنه يعتني بحاجاتي إلى حدٍّ كبير. فهل أواصل تقليب الصورة.........؟

أُخبرتْ السيدةُ في جواب الرسالة:

"استمري في تقليب الصورة، واجعلي التغيير الآتي: عندما ينام زوجك فاقلبي الصورة، وقبل أن يستيقظ أعيديها إلى وضعها الأصلي. وبعد إتمام هذا العمل لأحد عشر يومًا، انقلي الصورة من هذه الغرفة، وعلقي بدلها صورة لك ولزوجك. ثم ألقِي الصورة المنقولة في البحر."

عندما يتفكّر الإنسان في نفسه، يبرز أمامه أول سؤال: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وما الذي يوجد في المكان الذي جئت منه؟ وما الدافع الذي كان سببًا لانتقالي من هناك إلى هنا؟ وفي أيّ حال كنت هناك؟ ولماذا لا أرى من خلقني؟ وكيف يعمل النظام الداخلي فيَّ؟ وكيف أستقبل المعلومات؟ وهل أنا نفسي الذي يستقبلها؟ وهل أنا في الداخل والخارج واحد؟ وإذا كنت واحدًا، فما سبب وجود وجهين للفرد الواحد؟ وأيّهما أنا؟ وعندما أنام يكون جسدي على السرير، بينما أكون أنا في العالم السماوي، فما هو الجسد؟ ومن الذي يكون في ذلك العالم؟

توجد طريقتان لمعرفة علم ما بعد النفسيات.

أحد الأساليب هو أن يقوم المرشد الروحي بتمكين التلميذ من خلال التصرّف، فيجعله قادرًا على خوض التجارب. غير أن منزلة هذا التلميذ تكون ضعيفة من هذا الوجه، إذ إذا أخطأ في التجربة أصبح عاجزًا ومضطربًا.

إن العلم قائم على قوانين وصيغ، فإذا علّم المرشدُ المريدَ معرفةَ هذه الصيغ، ودرّبه على التصرّف في العلم، استيقظت في داخله قدرةُ التسخير.

يقول خالق الكون: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ‏(الجاثية: 13).

ذُكِرَتْ عَمَلِيَّةُ التَّسْخِيرِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِأُسْلُوبَيْنِ:

الأسلوب الأول: حيث يدور تصوُّر الإنسان للخير والشر - بشكل أو بآخر - حول ذاته.

الأسلوب الثاني هو أن لا تبقى ذاتُ الإنسان حاضرةً في ذهنه، فينفي نفسه، ويدرك ذهنه قانونَ الله تعالى الذي يُسمّى «المشيئة».

وما المشيئةَ.......؟ فقد ورد ذكرها في قصة سيدنا موسى و خضر عليهما السلام فيما يلي:

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴿٦٥﴾‏

قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴿٦٦﴾‏

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٦٧﴾‏

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴿٦٨﴾‏

قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴿٦٩﴾‏

قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٧٠﴾‏

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴿٧١﴾‏

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٢﴾‏

قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴿٧٣﴾‏

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴿٧٤﴾‏

قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴿٧٥﴾‏

قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا ﴿٧٦﴾‏

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴿٧٧﴾‏

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٧٨﴾‏

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴿٧٩﴾‏

وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾‏

فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴿٨١﴾‏

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا ﴿٨٢﴾‏

يريد خالق الكون الله سبحانه تعالى:

 أن يسلك نوعُ آدم الطريقَ الذي يقود العبد خطوة بخطوة إلى الله. ويحبّ الخالق أن یجدد مخلوقه العهدَ الذي نسيه منذ الأزل--- بأن يسمع صوتَ خالقه، ويُقر بربوبيته، وينال شرفَ الحوار معه. وليترسخ في ذهن نوع آدم أن خالقنا هو رازقنا، وأنه وحده حافظنا، وهو الذي يرعانا، و يوفرلنا بجميع أسباب الحياة.

والمقصودُ من هذا التدبيرِ المترابطِ المنظَّم في رعاية المخلوق وحفظه أن ينكشفَ على ذهن العبد أن الله خلق مخلوقَه بالمحبّة. وكما أن الله تبارك وتعالى أوجده بالمحبّة، كذلك ينبغي للمخلوق أن يتقرب إلى الله بالمحبّة.

الاتجاه الغالب للحياة على هذه الأرض هو خداع البصر. فلا يُرى ما يحدث، و يظهر للعيان ما لا يحدث. فإن النزول إلى الأرض، وقضاء الوقت فيها مقيداً بأدوار مختلفة، ثم المغادرة منها، كل ذلك وفق البرنامج الذي حدده خالق الكون للأرض. و إن نسيان الحقيقة في خضم عملية المجيء والذهاب والقيام بأداء الأدوار المختلفة هو الخداع، وهذه هي خاصة سحر الأرض.

الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا يعترضه تعطُّل في أيّ مرحلة. يبدو كأن سلسلة تدور، حلقاتها تارة تتخذ هيئة الطفولة، وتارة تستعير ملامح الشباب، وتارة تنتقل إلى الشيخوخة، وتارة تختفي عن الأعين. السلسلة واحدة، والحلقات نفسها، لكنَّ كلاًّ من اللحظة والآن والحلقة يتجلى بلون جديد وهيئة جديدة.

يقول أبدال الحق قلندر بابا أولياء:

"كُلُّ لَحْظَةٍ وكُلُّ آنٍ هُوَ الأَزَل."

إنَّ صَوْتَ "كن" مُسَجَّلٌ، و يرن  في الأرجاءَ الكونيةَ مُتَواصِلًا.وأما نزولِ الإنسانِ إلى الأرضِ فمعناه أن كلّ طفلٍ يولدُ على هذه الأرضِ إنما هو مَظْهَرٌ لذلكَ الفعلِ، الذي بِسَبَبِه أُخْرِجَ آدمُ عليه السلامُ من الجَنَّة.

كل مولود يولد هو فرد من نوع آدم ، و ما لم يعص ذلك الطفل في الجنة لم يولد هذا الطفل على وجه الأرض.

و وفقاً لعلم ما بعد النفسيات (البيراسايكولوجيا)، أن سبيل العود من منطقة العصيان إلى فضاء الطاعة هو الطاعة ذاتها، وأما الطريق للإحاطة بصيغة الطاعة فهو المعرفة الكاملة بنظام الاطلاع.

 و ليعلم الإنسان أنه "صيغة"، وهذه الصيغة تُفتح بواسطة "الاطلاع". و في داخل الصيغة أن العناصر التخليقية التي أحيَت الصيغة متحركة. وبفضل هذا التحرك أن الإنسان يعلم الصيغ الموجودة في الداخل، التي خُلق الإنسان نفسه من خلالها. و بعد أن يطلع الفرد على خلقه الخاص، تظهر أمام عينيه الصيغُ التي خُلِقت من خلالها المخلوقات...الصيغ التي تقوم عليها بنية الكون، والصيغ التي بسببها يجري نظام الحياة في العوالم.

حدّثني مرشدي الكريم حضرة قلندر بابا أولياء رضي الله عنه عن واقعة قال فيها:

إنّ سيّدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً حضر إلى خدمته أحد العظماء من المنجّمين. فأُخبر المنجّم بإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الآن على الجبل. فمضى حتى وصل إليه، وعرّف بنفسه وقال: "إن صار هذا الجبل تحت قدميك الشريفتين كالشمع، وظهر أثر قدمك عليه، فإنّي أؤمن بك."

فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله، ثم رفع قدمه الشريفة ووضعها على الجبل. فنظر المنجّم إلى السماء ثم ألقى بصره إلى الجبل، فإذا بأثر القدم مطبوع فيه كما يُطبع في الطين الرخو واللين.

فلما رأى المنجّم هذا العمل للتسخير آمن.

عندما سأل الناس، أخبرهم المنجّم أن في السماء نجمًا، فإذا ألقى هذا النجم ظلّه مباشرةً على رأس شخص ما، تولّدت فيه قدرة تجعل الأرض الصلبة لينة. وقال: بحسب حسابي، كان من المقرّر أن يصل هذا النجم إلى الموضع الذي كان يقف فيه رسول الله ﷺ بعد آلاف السنين. فلما توجّهتُ بالدعاء إلى رسول الله ﷺ، وقرأ بسم الله ورفع قدمه، تحرّك النجم، فألقى ظلّه على النبي ﷺ، ثم عاد وانصرف.

صلى الله تعالى على حبيبه محمد و سلم

هذه المعجزة تشير أساسًا إلى علمين: أحدهما علم الدنيا، و ذلك حتى لو كان متعلقًا بالنجوم في السماء، فهو خيالٌ ما دام غير متصل بالأصل. والعلم الثاني هو العلم الحقيقي.

وضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدمه، و قطع النجم رحلة آلاف السنين في وقت غير قابل للقياس ثم عاد إلى مكانه. ويتضمن ذلك وقت رحلة الذهاب لآلاف السنين ووقت رحلة العودة لآلاف السنين.

أساس الفيزياء و النفسيات علم ما بعد النفسيات الذي يسمى علم الخيال، يعلّم الفرد كيف يسافر عبر الزمن بالتسلط على المکان. والشرط الأساسي للتعلّم هو الترکیز. و بالترکیز، يستطيع العبد أن يقرأ التفاصيل الموجودة في الشيء --- و أوصاف الشيءِ، وما ينطوي فيها من قدراتٍ كامنةٍ، وما هو أعمقُ خفاءً داخلَ تلك القدراتِ، إنما تُفصِحُ عن نفسِها بذاتِها.

خلق الله كل شيء في صورة معادلة، وأطلع المخلوق عليها. وكل خلق، صغيرًا كان أو كبيرًا، محاط بغلاف من الطاقة النورية الماورائية، وهذا الغلاف ينفتح بالتفكّر. فإذا ركّزت النظرة داخل هذا الغلاف، تتحقق ثلاثة انكشافات.

١- القدرة

٢- استخدام القدرة

٣- تَجَلّي و ظهور القدرة في شيء (كونها مظهرا)

أساسُ العمل هو الخيال، والخيال يأتي من اللاتناهي. وأين يكون اللاتناهي؟ يكون في الذهن. وفي جميع الاختراعات، الأمرُ الأهم هو مجيء الخيال، واستعمال التوجّه والإرادة، واعتماد الإرادة على الصور الموجودة في الذهن.

لكل كلمة صورة. فعندما يُقال إن فلانًا مصاب بالحمّى، يظهر ذلك في صورة ارتفاع درجة حرارة الجسد فوق مئة، مع الضعف، واصفرار اللون، والوهن العصبي. أمّا النظر الروحي فيرى أن للحمّى أيضًا شكلاً وصورة، يشاهدها أهل الشهود من الرجال والنساء.وعندما ترتفع حرارة الجسد نقول: إن فلانًا عنده حمّى بدرجة 102 أو 103. وهذه الدرجات هي صور للحمّى. ومع زيادة الحرارة تتغيّر صورة الحمّى.

هناك شخص لا يتشابك مع أحد، وإذا تشابك معه أحد، يتجاهله. ونتيجة لذلك تكون صحته جيدة، وأعصابه قوية، وسرعة إنجاز العمل عالية. بينما الشخص الذي يتشابك، فإنه بسبب تشتت الذهن و التوجه، تضعف أعصابه، ويحدث له اضطراب ذهني  وإعياء، ونتيجة لذلك تقل سرعة إنجاز العمل، ويصبح مريضا ذهنيا.

بما أن المقال الذي نتحدث عنه يتعلق بعلم ما بعد النفسيات، فافهم مرة أخرى ما هي الفيزياء وعلم النفسيات و علم ما بعد النفسيات.

الفيزياء (الطبعيات): هي مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة "فيزيكوس" (Physicos) التي تعني لغويا "فطرة" (الطبيعة). و قد سمَّت العلومُ دراسةَ الفطرة (الطبيعة) بالفيزياء. و حسب العلم الحديث، علم الفيزياء هو عبارة عن دراسة العلاقة بين المادة والطاقة في الكون والآثار الناتجة عنهما.

Topics


Ilaj bi ilm mawara alnafs

خواجۃ شمس الدين عظيمي