Topics
إنّ قرار إدارة «الروحانيّ دايجست» بإعادة نشر المقال الموسوم بـ«اللوح
والقلم» ـ الذي كان يُنشر في هذه المجلّة الموقّرة على حلقات ـ في صورة كتابٍ وعلى
أقساط من جديد، قرارٌ محمود وتلبيةٌ لحاجةٍ ماسّة في هذا العصر. ولا بدّ أنّ
القرّاء المهتمّين بالعلوم الروحانيّة، الذين قرؤوا هذه السلسلة النادرة الفريدة من
المقالات بعين التأمّل والتدبّر، قد اتّضح لهم أنّها ليست كتابًا عاديًّا في
التصوّف أو التعليم الروحانيّ، بل إنّ مضامينها، إلى جانب تأثيراتها الروحانيّة
والمعنويّة الآسرة، تفتح الزوايا المغلقة والخاملة في العقل والقلب وتمنحها صفاءً
وإشراقًا، كما تكشف أسرارًا عظيمةً من أسرار القدرة لم يكن لعلوم البشر المألوفة
أو للعلوم الحديثة أيّ تصوّرٍ عنها إلى الآن. وإنّ هذه العطيّة النفيسة التي
قدّمها الشيخ قلندربابا أولياء رحمة الله عليه ستظلّ إلى قيام الدنيا مشعل هداية
ومنارة نور. وذلك العصر ـ وإن كان غائبًا عن أبصارنا ـ فإنّه يتربّى وينمو في عالم
الغيب، العصر الذي سيتعرّف إلى أسرار «اللوح والقلم» ورموزه، وعندما تقوم في
العالم ثورةٌ روحانيّة ـ ولا بدّ أن تقوم ـ فإنّ حملة العلوم السماويّة هؤلاء
سيكونون روّاد تلك الثورة. وسيمنح قادة ذلك العصر العظام، بقيادتهم النورانيّة والروحانيّة،
القلوب والعقول الإنسانيّة نورًا جديدًا وقوّةً جديدة. وعن طريقهم، وببركة فيض
شخصيّاتهم، سيتشكّل نظامٌ عالميّ لا يكون فيه موضعٌ للفوضى والخداع الذاتيّ اللذين
يطبعان عصرنا الحاضر.
إنّ هذا العصر الذي نعيش فيه جميعًا حياةً مملوءةً بالصراع والابتلاء،
والذي يحيط بنا فيه طغيان المادّيّة من كلّ جانب، يمضي تدريجيًّا نحو نهايته. ففي
الضوء الساطع للمادّيّة انبهارٌ للبصر وحرقةٌ مؤلمة، ولكن لا لطافة الروح ولا
نداوة البصيرة. وكما أنّ المادّيّة لا قرار لها ولا دوام، فكذلك البناء الذي يُشاد
على أساسها لا بدّ أن ينهار عاجلًا أو آجلًا. وهذه سنّة القدرة، ولا يستطيع أحدٌ
أن ينقضها.
لقد عاش الشيخ قلندربابا أولياءؒ إحدى وثمانين سنةً من عمره الطبيعيّ.
وكانت أمام بصيرته النافذة الحوادثُ المروّعة والانقلاباتُ التي شهدها هذا القرن.
فرأى القوًى المادّيّة وهي تنمو وتتعاظم، وشاهد بنظراته العميقة المفعمة بالحزن
والأسى كيف تُسحق الإنسانيّة وتُرهق، رغم وفرة العلم والمعرفة. وكان يرى أنّ وراء
الزينة الظاهريّة والترف والعيش الرغيد، يقبع شيطان الاضطراب الداخليّ والبؤس
والشقاء، يطأ الروح والقلب، بينما لا تبدو طريق نجاةٍ ولا موضع فرار. وكان الشيخ
قلندربابا أولياءؒ كثيرًا ما يتحدّث ـ بحرقة قلبٍ واضطراب وجدان ـ عن انحطاط أهل
هذا العصر، وخصوصًا المسلمين، وعن غفلتهم وابتعادهم عن مركزهم الحقيقيّ. وكان
يؤكّد، بل كانت هذه رسالته، أنّ على المسلمين ألّا يدّخروا وسعًا في الارتقاء
بأنفسهم إلى أسمى المراتب في الفنون والكمالات الدنيويّة، ولكن من غير أن ينسوا
أنّ هذا التقدّم الاقتصاديّ والمادّيّ والرخاء ليس هو الغاية القصوى للحياة ولا
مقصدها الأعلى. بل ينبغي أن يبقى الاهتمام الفكريّ والعمليّ موجّهًا إلى بصيرة
القلب أكثر من بصيرة العين. وكما قال العلّامة إقبال:
إنّ حالَ إنسانِ هذا العصرِ الآليّ، بين تقدّمه المادّيّ
وانحداره الروحيّ والباطنيّ، يبعث على عميق التفكّر. رأسُه يلامسُ السماء، وقدماه
غارقتان في الوحل؛ وكِبْرُه يعلو فوقَ الأعالي، بينما شرفُه وأمنُه غائصان في
مستنقع الهلاك وانعدام الطمأنينة. ولم نجد بدًّا مرّةً أخرى من الرجوع إلى
العلّامة إقبال.
في هذه الأحوال التي تُوهِن العزائم وتُطفئ نور الإيمان، كان الوجودُ
الطاهرُ الشيخ قلندر بابا أولياءؒ كنزًا عظيمًا من كنوز القدرة، وينبوعًا للرحمة
الإنسانيّة، ومصدرًا للرشد والهداية المشفقة. ولكن يا للأسف على هذا الجفاء
والصدود عن الحقّ، إذ لم نستطع أن نستنير قلوبَنا المظلمة بأنوار هدايته وإرشاده.
والآن، بعد أن غاب حضورُه عنّا بجسده، لم يبقَ لنا إلّا تعاليمُه وإرشاداته وسائلَ
ننهل منها على قدر ما فينا من ذوقٍ وعقيدة. فإذا استمرّ الشوقُ إلى الحقيقة
بإخلاصٍ وافتقار، فإنّ هذه الوسائل الروحانيّة لا تزال قادرةً على أن تملأ ـ إلى
حدّ ما ـ ذلك الفراغ الذي خلّفه غيابُه. ومن بين هذه الوسائل تحتلّ «اللوح والقلم»
منزلةَ المنارة الأشدّ إشراقًا. وإنّ من أعظم مقتضيات هذا العصر أن تُقرأ هذه
النسخة الجامعة للرشد والهداية بمواظبةٍ وحضور قلب، وأن تُجعل مضامينها حرزًا
للنفس والروح. وعندئذٍ سترون كم تُفتح أمام القلب والروح نوافذُ مضيئةٌ من أسرار
عالم الروحانيّة ورموزه، وكم تُفيض عليهما من اللطافة والنضارة، ثمّ كيف تعبر
بالإنسان من عالم الربح والخسارة إلى أفقٍ من الأحوال والمشاعر، ليس فيه إلّا
النور، وحيثُ يصبح شهودُ مظاهر القدرة بعين اليقين مصداقًا لقولهم: «النظرةُ تجذبُ
طرفَ القلبِ إلى حيثُ يكون المقام»، فيبلغ الإنسان شاطئ الحياة السرمديّة.
لقد بدأ الشيخ قلندربابا أولياءؒ ـ على الأرجح في سنة 1957م ـ إملاء
المسوّدة الأولى لكتاب «اللوح والقلم»، واكتمل هذا العمل شيئًا فشيئًا خلال نحو
عامين. وقد نال المكرَّم خواجه شمس الدين عظيمي هذا الشرف العظيم، إذ إنّ كلّ سطرٍ
من سطور هذا الكتاب كُتب على هيئة إملاء مباشر من إرشادات الشيخ قلندرباباؒ.
وبناءً على طلب هذا العبد، تحدّث خواجه صاحب عن الخلفيّة التي تكوّن بها هذا
الكتاب المفعم بالإشارات الإلهاميّة. ففي تلك الأيّام كان الشيخ قلندرباباؒ مقيمًا
في بيت خواجه صاحب الحاليّ في ناظم آباد. وكان المريدون والأحبّة يحضرون غالبًا
كلَّ مساء بعد الغروب ليستفيدوا من إرشاداته وتعاليمه. وكانت تُذكر في تلك المجالس
أسرارُ عالم الروحانيّة ورموزه، كما كان الحاضرون يعرضون مشكلاتهم وهمومهم، فيصغي
إليهم حضورؒ بعين العطف نفسها التي كان يشرح بها دقائق عالم الروحانيّة ومقاماته
بأسلوبه الخاصّ.
وفي تلك المجالس اليوميّة كان الشيخ قلندربابا أولياءؒ يُعبّر أحيانًا عن
مشاعره تجاه ما آل إليه العالم الإسلاميّ من ضعفٍ وتشتّتٍ فكريّ. فبعد سقوط الدول
الإسلاميّة، أصبح مسلمو شبه القارّة يعيشون أوضاعًا يائسة، بينما كان الآخرون
يجمعون قواهم العلميّة والعمليّة المبعثرة، ويهيّئون أسباب التقدّم والاستقرار
لمستقبلهم. وأولئك المسلمون الذين أقلقهم هذا الواقع المتردّي لجؤوا إلى
الخانقاهات والانطواء، وابتعدوا كلّيًّا عن ميدان الحياة العمليّة. أمّا عامّة
الناس فقد غرقوا في الفوضى، واستُدرجوا إلى دوّاماتٍ ماليّة ونفسيّة جعلتهم لا إلى
هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ثمّ جاءت نكبة فشل حرب الحريّة سنة 1857م، فصبّت آثارها
الثقيلة على المسلمين خاصّة، وظلّ مسلمو الهند زمنًا طويلًا عاجزين عن النهوض من
نتائجها البعيدة. وكان الإسلام وأهله مبتلين بالمحن والاختبارات من كلّ جانب. وليس
المقصود هنا إعادة سرد تلك العوامل التاريخيّة، ولكن مع ذلك لا يمكن إنكار أنّ
الملجأ الوحيد في تلك الساعات المفعمة بالألم كان هذه الخانقاهات، وأنّ الأمل في
الهداية والإرشاد كان قائمًا في ظلال أولئك البصيرين ذوي القلوب الرحيمة. غير أنّ
الحاجة إلى الإصلاح والتنظيم كانت قائمةً هناك أيضًا؛ إذ إنّ وسائل الرشد والهداية
كانت إمّا تقاليدَ قديمة، أو علمًا متوارثًا في الصدور. وكانت مصادر التصوّف
والعلوم الروحانيّة مجموعاتٍ من إرشادات السلف وكلماتهم، وكان معظمها قائمًا على
بيان الأركان والأحكام، تغلب عليه الروايات والحكايات والسير. ومضت السنون، لكنّ
الجمود المتغلغل في المسلمين لم يتحرّك. أمّا العلوم الحديثة والتقدّم المادّيّ
الناتج عنها فقد فتحا طريقًا جديدًا، غير أنّه كان طريق المادّة وحدها، والعلم
المادّيّ وحده.
ولأنّ الإسلام نظامُ حياةٍ كاملٌ شامل، فهو لا يقف سدًّا في وجه العلوم
المادّيّة، ولا يثبّط عن التقدّم الدنيويّ والازدهار الحضاريّ. بل إنّ الإسلام
يجعل الرخاء الدنيويّ وعمارة الحياة وسيلةً من وسائل كمال الإنسان، غير أنّه يطالب
ـ في الوقت نفسه ـ المسلمَ الذي يدّعي الإخلاص للإسلام ألّا يكتفي بالتعلّق بزينة
الدنيا ورفاهيّتها، بل لا بدّ أن يكون جانبٌ معتبرٌ من حياته قائمًا على التهذيب
الباطنيّ والترقّي الروحيّ. فهذا هو المقصد الحقيقيّ للحياة، وعليه يتوقّف الفوز
الأبديّ.
وكان الشيخ قلندرباباؒ يهدف إلى جمع منظومةٍ شاملةٍ وعَمليّةٍ من العلوم في
صورة كتاب، لتعريف الأمّة الإسلاميّة بأسرار عالم الروحانيّة ورموزه. وكان يقول
إنّه، رغم مرور أربعة عشر قرنًا، لم تُقدَّم دروسٌ وإرشاداتٌ متسلسلةٌ في صورةٍ
جامعةٍ تمكّن الناس من فهم العلوم الماورائيّة في المجال الروحانيّ والسيطرة
عليها. وكانت النتيجة الطبيعيّة لذلك أنّه لا توجد بين أيدي عشّاق العلوم
الروحانيّة، وطالبي صفاء القلب والروح، أيُّ مؤلَّفٍ يبيّن بلغةٍ واضحةٍ أسرارَ
الخلق والتكوين ومقاماتهما، بحيث يستطيع أهل العقيدة والطلب أن يتعرّفوا من خلاله
إلى العلوم الروحانيّة والماورائيّة الصحيحة. ولذلك فإنّ السالك في هذا الطريق
كثيرًا ما يمضي قليلًا ثمّ يكلّ أو ييأس فيتوقّف.
وانطلاقًا من هذه المشاعر والأحاسيس، قرّر الشيخ قلندرباباؒ
أن تُعرض القواعدُ والضوابطُ العاملةُ في علوم الروحانيّة في صورة كتابٍ واضح
العبارة، ليكون هدايةً وإرشادًا لأهل البصيرة وطالبي الحقيقة. ولتحقيق هذا المقصد
الرفيع الخارج عن المألوف، ولإخراج الكتاب المقترح إلى حيّز التدوين، وقع اختيار
حضورِه الكريم على خواجه صاحب، وتمّ الاتّفاق على أن يُملي حضورؒ على خواجه صاحب،
كلَّ ليلةٍ في الثلث الأخير منها، إرشاداتٍ تستغرق ساعةً ونصفًا أو ساعتين، فيقوم
خواجه صاحب بكتابتها على هيئة إملاءٍ متواصل في دفترٍ كبير أو سجلّ ضخم، حتّى
يكتمل مسوّدةُ كتابٍ كامل. وهكذا بدأ العمل بهذا البرنامج سريعًا وعلى نحوٍ منتظم.
وإنّ اختيار الثلث الأخير من الليل لهذا المقصد يحمل من
المعاني بقدر ما يحمل من السِّحر الروحيّ. فهي الساعات التي تكون فيها نسماتُ
السَّحر اللطيفة العليلة قادرةً على أن تُغرق أقوى الأعصاب في سكون الراحة، وهي
اللحظات المباركة المفعمة بالفيض، التي يودّع فيها المقرَّبون من الله وأصحاب
القلوب اليقظة والنفوس المطمئنّة الفُرُشَ الوثيرَة، وينشغلون بمناجاة خالق الكون.
وفي هذه الساعات المقدّسة المفعمة بالبركات تُقضى الأمور الأرضيّة والسماويّة،
ويشهدها المقرَّبون من أهل الحضرة، وتُثني عليهم حملةُ العرش بكلمات التزكية
والتحسين. وإنّ التهجّد في هذه الأوقات اللطيفة الرقيقة، مع الاشتغال بحمد خالق
الكون والثناء عليه، والتفكّر والتدبّر في أسرار الخلق، نعمةٌ خالدةٌ نفيسة، لا
ينالها إلّا أهل الحظوظ الموفورة.
نالَ المقامَ الرفيعَ مَن كانَ أهلًا لهُ
﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً
بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(السجدة: 16-17)
ولمّا استقرّ برنامجُ التدوين والإملاء، كان الشيخ قلندرباباؒ وخواجه صاحب،
عند الساعة الثالثة والنصف ليلًا تمامًا، ينفصلان عن سائر أهل البيت النائمين،
ويجلسان في غرفةٍ يغمرها السكون وصفاء التركيز. وكان الشيخ قلندرباباؒ يواصل حديثه
بصوته الهادئ الرقيق، بينما كان خواجه صاحب يُصغي بكلّيّته، مطرق الرأس، محدّقًا
في الورق والقلم، يكتب بلا انقطاع. فإذا توقّف ذهنُ خواجه صاحب عند موضعٍ ما، ونظر
إلى حضورؒ نظرةَ استفهام، أوضح له حضورؒ الأمر بذلك الأسلوب الهادئ المعلِّم، أو
رسم شكلًا يبيّن به مقامات عالم التكوين. فيطمئنّ خواجه صاحب، ثمّ يعود قلمُه إلى
الجريان. وبعد نحو ساعتين من الإملاء والإيضاح والإشارة، ينتهي نصيب تلك الليلة، ثمّ
تُستأنف الجلسة في الليلة التالية في الساعة نفسها، وبالأدوات الذهنيّة والمادّيّة
نفسها، ويُنجز الجزء المقرّر من العمل.
ويقول خواجه صاحب إنّه كان يغلبه النعاس أحيانًا في أوّل الليل بسبب
الانشغال أو أتعاب العمل طوال النهار، فلا يستيقظ في الوقت المحدّد، فكان حضورؒ
يوقظه بنفسه. كما كشف خواجه صاحب أمرًا عجيبًا، وهو أنّه كان أحيانًا يغفو أثناء
الكتابة، فينبّهه حضورؒ برفقٍ وهدوء. وعندما سُئل عن ذلك، تبيّن أنّ حالةً من
الخدر كانت تعتري ذهنه أحيانًا فيتوقّف قلمُه، وأحيانًا أخرى كان يغلبه النوم
فعلًا بسبب الإرهاق. ومع ذلك، لم يطرأ على هذا البرنامج المبارك المشمول بالعناية
الإلهيّة أيُّ تغييرٍ أو تبديل، ولم يُسمح فيه بتقديمٍ أو تأخير. كما أنّ تقلّبات
الحرّ والبرد لم تكن تعوق تلك الجلسات الطويلة التي كانت تمتدّ قرابة ساعتين.
وعندما يتذكّر خواجه صاحب تلك اللحظات الروحانيّة العذبة تغشاه موجةٌ من السرور والنشوة، ويقول إنّ تلك المدّة الطويلة الممتدّة على نحو عامين مرّت بسرعةٍ خاطفة، حتّى كأنّها جلسةٌ واحدةٌ انفضّت في لمح البصر.
ويفخر خواجه صاحب ـ بحقّ ـ بهذه السعادة والخدمة، إذ إنّ كلَّ لفظٍ من
ألفاظ «اللوح والقلم» قد جرى تثبيته بقلمه في حيّز الكتابة. ولم تكن القضيّة مجرّد
أن الشيخ قلندرباباؒ كان يُملي بلسانه الفيّاض، وأنّ خواجه صاحب كان يكتب ما يُملى
عليه، ولم يكن الأمر مقتصرًا على مجرّد الإفهام والتفهيم، بل إنّ حضورؒ كان كلّما
ذكر نكتةً شرحها ووضّحها بالأمثلة والجداول، مبيّنًا مقامات الملإ الأعلى، ومواضع
التجليّات والأنوار، والآثار والانطباعات التي تترتّب ـ بواسطة تلك المقامات ـ على
العالم السفليّ. وهكذا ارتسم على لوح ذهن خواجه صاحب إلى اليوم مخطّطُ اللوح
المحفوظ والمقامات السماويّة. وهذا من الفيض والكرم الخاصّ الذي خُصّ به خواجه
صاحب، ومهما أظهر من الشكر والامتنان فلن يفي حقّه.
ولمّا اكتمل الكتاب، وأعاد الشيخ قلندربابا أولياءؒ النظر فيه، فأجرى ما
يلزم من التصحيح والتعديل، برزت مسألة طباعته. فتمّ الاتّفاق ـ نظرًا إلى الصعوبات
الماليّة والطِّباعيّة ـ على تأجيل طباعة «اللوح والقلم» ونشره في الوقت الحاضر،
وعلى إعداد نسخٍ أخرى من هذه المسوّدة المصحَّحة بواسطة الآلة الكاتبة بالأرديّة،
تُحفَظ عند المتوسّلين والمعتقدين، حتّى لا يبقى احتمالُ ضياع هذه النسخة النادرة
الفريدة أو فقدانها، ولتتّسع كذلك دائرة المطالعة والاستفادة من خلال هذه النسخ
المتعدّدة، وليُرجع إليها عند الحاجة بوصفها نسخًا معتمدة.
وهكذا ظهرت إلى حيّز الوجود هذه المصنَّفة الفريدة التي تتناول أسرار خلق
الكون وتكوينه ورموزه، من خلال ما أفاض به ذهن الشيخ قلندربابا أولياءؒ المتوغّل
في أسرار الحضرة الإلهيّة. وكما كان حضورؒ يقول بنفسه، فإنّ هذه أوّل مصنَّفة
مترابطة وموسّعة في العلوم والأحوال الروحانيّة. وأعظم ما تمتاز به هذه المصنَّفة
أنّ الرموز والحقائق الواردة فيها قد بُيّنت بأسلوبٍ شديد البساطة وسهل الرسوخ في
الذهن، مع أنّ العوامل الفاعلة في خلق الكون وتكوينه من الدقّة والسَّعة بحيث لا
يستطيع الذهن الإنسانيّ العاديّ الإحاطة بها. غير أنّ الإعجاز الكامن في سلاسة
بيان حضورؒ وبساطته يجعل ذهن القارئ المتشوّق المخلص لا يتوقّف عند موضعٍ من
المواضع. نعم، لا بدّ ـ لترسيخ مضامينه في الذهن على نحوٍ دائم، ولإدراك جزئيّاته
وتفاصيله إدراكًا تامًّا ـ من تأييدٍ ربّانيّ وقربٍ من مرشدٍ كامل. وهذه مسألةٌ
أخرى لا يستطيع الخوض فيها إلّا أهل البصيرة. ولو لم يكن في استعمال مصطلح «السهل
الممتنع» في النثر ما يثقل السمع، لجاز أن تُعدّ هذه الرسالة المختصرة الجامعة من
روائع هذا الفنّ البيانيّ.
إنّ لغتها مغسولةٌ بماء تسنيم والكوثر، تحمل حلاوة التعبير اليوميّ، وهي في
لطافتها وانسيابها كالماء الجاري، تبعث في القلب والعقل راحةً وانتعاشًا. فلا يشعر
القارئ بأيّ مشقّةٍ في فهم مضامينها ومحتوياتها، غير أنّه إذا أراد حلَّ رموزها
وكشف أسرارها، اضطربت روحه وقلبه شوقًا، وتمنّى لو ظفر بيدِ مفسّرٍ لأسرار الله،
لعلّه يلمح طرفًا من الجوهرة النادرة المكنونة في هذه الصدفة البهيّة. فإن قرأتَ
هذه المصنَّفة الروحانيّة بعقلك وحده، على أنّها أثرٌ أدبيّ، فلن تجد صعوبةً في
ذلك، بل ستُفتن بجاذبيّة أسلوبها وروعة شرحها وبيانها، وقد تهتف إعجابًا
واستحسانًا. أمّا إذا عزمتَ على الغوص في بحر أسرار الكون الذي لا ساحل له، فستشعر
من الخطوة الأولى بضيق النفس والاختناق.
فالأمر واضحٌ: إنّ هذه المصنَّفة في علوم العالم الروحانيّ تتطلّب يقظةَ
الروح، واضطرابَ القلب، وجهدَ النفس، لا مجرّد عمل الذهن والعقل. وليس المقام مقام
تساهلٍ أو تغافلٍ متصنَّع، بل مقامُ شوقٍ ملتهبٍ وسعيٍ دائم، وثمرتُه الدلالة على
طريق المقصد، أي الهداية الربّانيّة التي بشّر بها القرآن الكريم:
﴿وَالَّذِينَ
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
(العنكبوت: 69)
وكان الشيخ قلندربابا أولياءؒ يقول ـ بوضوحٍ لا لبس فيه ـ عن كتاب «اللوح
والقلم»: إنّ الشخص الذي يواصل مطالعة هذا الكتاب بقلبٍ وعقلٍ منفتحَين، وبنيّةٍ
صادقةٍ في طلب الوصول إلى الله، فإنّ الله تعالى سيفتح له ـ بفضله ـ أسبابًا
غيبيّةً تجعل قلبه مستغنيًا عن حاجات الدنيا، وتغمر روحه بثروةٍ روحانيّة من الكشف
والشهود.
تحرير: الأستاذ الشيخ فقير محمد
Tazkira Qalandr Baba Auliay Arabic
خواجۃ شمس الدين عظيمي
"أهدي
هذا الكتاب إلى الجيل الجديد الذي سوف يستخدم "نسبة الفيض" لحضرة السيد قلندر
بابا أولياء رحمه الله تعالى و يسعد بالعافية والطمأنينة ويقوم بإبادة ظلال الخوف و
الدهشة التي تتحلق عليه، ثم يدخل الجنة بعد أن يسعد بالحصول على شرفه الأزلي"