Topics
إذا تأمّلنا وتفكّرنا وجدنا أنّ للفهمِ والإدراكِ وجهينِ متمايزين. ومن
غيرِ الخوضِ في التفصيلاتِ نكتفي بالإشارةِ إليهما. فهناكَ أناسٌ رسخَ العلمُ في
عقولِهم واستقرَّ اليقينُ في نفوسِهم حتّى لم يَبقَ فيها موضعٌ للشكِّ أو التردّد،
وهؤلاءِ يقولونَ إنّهم على يقينٍ بأنّ كلَّ شيءٍ، صغيرًا كانَ أم كبيرًا، راحةً كانَ
أم ألمًا، إنّما هو من عندِ الله. وقد انكشفَ لهم أنّ كلَّ ما في الكونِ، وما يجري
فيه، وما جرى، وما سيجري مستقبلًا، مرتبطٌ ارتباطًا مباشرًا بذاتِ الله؛ فكلُّ
شيءٍ يظهرُ في الوجودِ على وفقِ ما هو ثابتٌ في العلمِ الإلهيّ.
ولكي نبتعدَ عن الجدلِ الفلسفيّ، نقرّبُ هذهِ الحقيقةَ ببعضِ الأمثلة.
فكلُّ فعلٍ من أفعالِ الحياةِ له منزلةٌ ومعنى، وإضفاءُ المعنى عليه إنّما يرجعُ
إلى نمطِ التفكير. ونحنُ نعتقدُ أنّ كلَّ شيءٍ موجودٍ اليومَ أو سيوجدُ في
المستقبلِ له وجودٌ سابق؛ فلا يظهرُ شيءٌ في هذا العالمِ حتّى يكونَ ثابتًا قبلَ
ظهورِه. فالإنسانُ لا يولدُ إلّا لأنّ له وجودًا سابقًا في علمِ الله. كما أنّ
تقلّباتِ الحياةِ وأحداثَها وأعوامَها وأيّامَها محفوظةٌ على هيئةِ سجلٍّ شامل،
نسمّيه «الفيلمَ الكونيَّ» أو «اللَّوحَ المحفوظ».
حينَ يبلغُ الإنسانُ ويعقلُ ويصبحُ مسؤولًا، يحتاجُ إلى وسائلَ يعيشُ بها،
ويكونُ المالُ وسيلةً للحصولِ على تلكَ الوسائل. ويمكنُ تشبيهُ الأمرِ بإنسانٍ قد
خُصِّصَ له في التقديرِ مائةُ ألفِ درهم، كما لو أنّها مودعةٌ باسمه في مصرفٍ ما.
ثمّ إنّه يسعى ويجتهدُ في تحصيلِ أسبابِ حياتِه، وكلّما تقدّمتْ مساعيُه نالَ من
ذلكَ الرزقِ ما قُدِّرَ له. غيرَ أنّ الحقيقةَ الثابتةَ هي أنّ هذا الرزقَ لو لم
يكنْ مثبتًا في «الفيلمِ الكونيِّ» أو في «اللَّوحِ المحفوظ»، لما ظهرَ في عالمِ
الشهادة.
وقد يكونُ لإنسانٍ رصيدٌ كبيرٌ مودَعٌ باسمِه، لكنّه لا ينتفعُ به ولا يلتفتُ
إليه، فلا يعودُ عليه بنفعٍ. وكذلكَ الأمرُ في الأرزاقِ المقدَّرة.
فقد يسلكُ إنسانٌ سبيلًا محرَّمًا في طلبِ رزقِه رغمَ تأنيبِ ضميرِه،
ويأكلُ من الحلالِ كما يأكلُ من الحرام. ومع ذلكَ فإنّ ما يصلُ إليه من رزقٍ إنّما
هو ممّا قُدِّرَ له في السجلِّ السابق. كما أنّ إنسانًا آخرَ يكتسبُ مالَه من
طريقٍ مشروعٍ، وفي الحالتينِ فإنّ كلًّا منهما لا ينالُ إلّا ما كُتبَ له. ومن هنا
كانتِ الحماقةُ أن يُحرِّمَ الإنسانُ على نفسِه ما أُبيحَ له أو يطلبَ رزقَه بوجهٍ
غيرِ مشروعٍ مع أنّ نصيبَه مقدَّرٌ لا يتجاوزُه.
يُروى أنّ الإمامَ عليًّا رضيَ اللهُ عنه نزلَ عن فرسِه لأداءِ الصلاة،
فرأى أعرابيًّا يمرُّ قريبًا منه، فقالَ له: «أمسكْ لجامَ الفرسِ حتّى أفرغَ من
الصلاة». فوافقَ الأعرابيُّ، ودخلَ الإمامُ في صلاتِه. وكانَ إذا صلّى انقطعَ عمّا
حولَه انقطاعًا تامًّا.
فاغتنمَ الأعرابيُّ الفرصةَ، ولم يستطعْ أخذَ الفرسِ، فأخذَ اللجامَ ومضى.
فلمّا فرغَ الإمامُ من الصلاةِ وجدَ الفرسَ مكانَه، لكنّ اللجامَ والأعرابيَّ قد
اختفيا. ثمّ مرَّ قنبرٌ خادمُه، فأعطاه درهمينِ وقالَ: «اشترِ لنا لجامًا».
فلمّا وصلَ قنبرُ إلى السوقِ رأى الأعرابيَّ يعرضُ اللجامَ للبيعِ
بدرهمينِ، فعرفَه وأخذَه إلى الإمامِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنه. فسألَه الإمامُ عن
الثمنِ الذي يطلبُه، فقيلَ له: «درهمان». فقالَ: «أعطوه درهمين». ثمّ قال: «كنتُ
أنوي أن أعطيَه هذينِ الدرهمينِ مكافأةً له على إمساكِ اللجام، ولكنّه اختارَ أن يأخذَ
نصيبَه على هذهِ الصورة».