Topics

الصيغ الخلقية

 

عندما نتأمّل في خلق الله تعالى، يتبيّن لنا أنّ المادّة (Matter) واحدة، وأنّ القواعد والضوابط وطرائق الخلق واحدة، كما أنّ المتطلّبات الطبيعيّة للمخلوقات متشابهة، والعقل والشعور موجودان فيها جميعاً، وإن تفاوتت درجاته؛ فبعضها أوفر شعوراً من بعض، وبعضها أقلّ.

ونلاحظ كذلك أنّ لكلّ مخلوقٍ فرديّةً ذات وجهين: وجهٌ جماعيّ يمثّل النوع، ووجهٌ فرديّ يمثّل الشخصيّة المستقلّة. فالوجه الجماعيّ نسمّيه «النوع»، أمّا الوجه الفرديّ فنسمّيه «الفرد». وكلّ فردٍ من أفراد النوع يمتلك هيئةً وصورةً ولوناً وملامح خاصّة به.

فأفراد نوع الحمام، مثلاً، تتشابه في هيئتها النوعيّة، وكذلك أفراد كلّ نوعٍ من أنواع المخلوقات. فجميع المخلوقات المختلفة لها صورةٌ نوعيّةٌ خاصّة بها، كما أنّ لكلّ فردٍ منها خصوصيّته المميّزة. وهذه حقيقةٌ يدركها الإنسان بالمشاهدة المباشرة ولا تحتاج إلى كثيرٍ من التأمّل.

إنّ النظر في تنوّع الأنواع يرشدنا إلى أنّ اختلافها دليلٌ على وجود مقادير محدّدة تعمل في تكوين كلّ نوع. فالمقادير التي أودعها الله في نوع الماعز، إذا تحرّكت وفق نظامها الخاصّ، نتج عنها تكوين الماعز، ولا يمكن أن ينتج عنها الحمام. وهذه المقادير المحدّدة لا تظهر في مخلوقات الأرض وحدها، بل تعمل في كلّ خلقٍ وفي كلّ جزءٍ من أجزاء الكون.

ومن أهمّ وظائف هذه المقادير أنّها حين تتفاعل فيما بينها أو ينجذب بعضها إلى بعض، تكتسب ألواناً مختلفة، وهذه الألوان هي في الحقيقة التي تُشكّل الملامح والصور الخاصّة بكلّ نوع.

وقد أوضح قلندر بابا أولياءؒ  هذه الصيغ الخَلْقيّة بقوله:

«إنّ جميع الأجسام المادّيّة الموجودة في الكون تتألّف من مجموعاتٍ متعدّدة من الألوان المنبثقة من بين ألوانٍ لا تُحصى. وهذه الألوان تنشأ من الحركات الخاصّة للنَّسَمة (Aura). فلكلّ امتدادٍ معيّن من الحركة لونٌ خاصّ، ولكلّ امتدادٍ آخر لونٌ آخر، وهكذا تتولّد من الامتدادات غير المتناهية للنَّسَمة ألوانٌ لا تُحصى.

ولكلّ نوعٍ مجموعٌ عدديّ خاصّ من هذه الألوان. فإذا كان المجموع العدديّ للألوان الخاصّة بالورد هو "ألف"، فإنّ هذا المجموع لا يُنتج إلّا الورد، ولا يمكن أن يُنتج شيئاً آخر. وإذا كانت صورة الإنسان تتكوّن من مقدارٍ معيّن من الألوان نرمز إليه بـ"جيم"، فإنّ هذا المقدار لا يمكن أن يُنتج حيواناً آخر، بل لا يُنتج إلّا أفراد النوع الإنساني.

وجميع الأشياء الموجودة في عالم الألوان ليست سوى مجموعاتٍ من الأنوار الملوّنة. ومن تجمّع هذه الألوان تنشأ تلك الحقيقة التي يُطلق عليها في العرف العام اسم "المادّة". والمادّة في حقيقتها ليست شيئاً صلباً قائماً بذاته؛ إذ لو فُكّكت إلى أدقّ مقاديرها لما بقي في النهاية إلّا أشعّةٌ لونيّة منفصلة.

ولو جُمعت ألوانٌ كثيرة وأُذيبت في الماء لتكوّن منها مركّبٌ ترابيّ يُسمّى التربة. ثمّ إنّ جذور الأعشاب والنباتات والأشجار تقوم ـ بواسطة الماء ـ بتحليل ذرّات هذه التربة واستخلاص الألوان الموافقة لنوعها، فتظهر تلك الألوان في الأوراق والأزهار. وهكذا تقوم الحياة الظاهرة لجميع المخلوقات والموجودات على هذا التفاعل الكيميائي

Topics


Qalandar Shaoor Arabic

خواجہ شمس الدین عظیمی