Topics
إنّ الذاتَ المباركةَ لخاتمِ المراتب، وسيّدِ الكائنات، وفخرِ الموجودات،
حضرةِ النبيِّ ﷺ، صاحبِ النور المحمّديّ، وحاملِ العلم اللّدنيّ، وإمامِ سلسلةِ
العظيميّة، أبدالِ الحقّ الشيخ قلندربابا أولياءؒ، هي كنزٌ من كنوز العلم والعرفان
للنوع الإنسانيّ، بحيث إنّ المتأمّل يدرك بوضوحٍ كوضوح الشمس أنّ الله تعالى كما
أناره بعلوم الأسرار والرّموز والصيغ التكوينيّة، فقد أفاض عليه أيضًا من علوم
الأدب والشعر والبيان. وهكذا أشرق جانبا جماله المبارك إشراقًا كاملًا.
وتشهد كتاباتٌ بليغةٌ فصيحةٌ مثل «اللوح والقلم» و«الرُّباعيّات» شهادةً
حيّةً خالدةً بأنّ من ذات الشيخ قلندربابا أولياءؒ قد تفجّر ينبوعٌ من شراب
العرفان، سيظلّ السالكون في طريق السلوك ينهلون منه، ويغتبطون بسُكر التوحيد،
ويغيبون في نشوة المحبّة الإلهيّة.
وقد تناول حضور بابا صاحبؒ في رباعيّاته موضوعاتٍ شتّى؛ فتارةً يُبرز طبيعة
الإنسان وحقيقة نمطه الفكريّ، وتارةً يبيّن حقيقة ذرّة التراب ومعاني الفناء
والبقاء. وموضعًا يتجلّى فيه ذكرُ جلال الباري وعظمته، وموضعًا آخر تُذكر فيه
فطرةُ آدم وقد استغرقت في شراب الوحدة والسُّكر الروحيّ. وفي بعضها حديثٌ عن عالم
الملكوت والجبروت، وفي بعضها ذكرٌ للأنظمة الكونيّة والكواكب والسيّارات، وفي
مواضع أخرى كشفٌ عن قلندريّة الإنسان وغفلته وضلاله. كما جعل الحياة الفانية في
هذا العالم الزائل صورةً للعبرة والاعتبار، واستشهد بأوامر الله تعالى وأقوال
الرسول ﷺ لإظهار دقائق التصوّف وأسراره. وذكر العارف بأنّه ذلك الذي تذوّق لذائذ
شراب المعرفة، ورضي بمشيئة الله تعالى رضا العبد المحبّ. وخلاصة القول أنّ
«رباعيّات عظيم» بحرٌ متلاطم الأمواج من العلم والعرفان.
وفيما يلي تُقدَّم إلى عشّاق شراب المعرفة قطراتٌ من الشراب العرفانيّ
المستخرَج من معينِ العظيميّة، ليحتسي القارئ كلَّ رباعيّةٍ كما لو كانت كأسًا
مترعة، فيرتشفها واحدةً بعد أخرى، حتّى يغيب في نشوة التوحيد، ويتلذّذ بسرور
العرفان.
الإنسانُ
غافلٌ عن أسرارِ القدرةِ، وعن علّةِ الخلقِ، وعن كثيرٍ من الحقائق. وكلُّ ذرّةٍ في
الأرضِ هي انعكاسٌ لصورةِ آدم، غيرَ أنّ هذه الذرّةَ حين تتشكّلُ وتتجسّدُ يبدأُ
معها سفرُ الفناء. فالإنسانُ يُدفنُ في التُّرابِ ثمّ يعودُ ترابًا، ثمّ إنّ
ذرّاتِ الترابِ تتلوّنُ بألوانِ التكوينِ فتتشكّلُ وتتجسّدُ مرّةً أخرى، ثمّ تسيرُ
ثانيةً في طريقِ الفناءِ حتّى تتحلّلَ في التُّراب. ومن خلالِ هذا التّحلّلِ
النَّفسيِّ المستمرِّ والمتواترِ تتكوّنُ في الإنسانِ قدرةُ احتمالِ قسوةِ
التُّرابِ وجفائِه. وهذا القانونُ في النشوءِ والارتقاءِ الكونيِّ يظلُّ جاريًا
وساريًا بوصفِه سرًّا من أسرارِ الصِّيَغِ التكوينيّة.
مَن ذا الذي يستطيعُ أن يُحيطَ بعظمةِ الله تعالى؟ لقد أودَعَ الكونَ كلَّه
في كلمةٍ واحدة، وفي هذه الكلمةِ عوالمُ لا تُحصى، بل عوالمُ فوقَ العدِّ والحساب.
فإذا تجلّت هذه الكلمةُ وانبعثتْ منها الانعكاسات، عُمِّرتْ بها عوالمُ الملكوتِ
والجبروت، وظهرتْ منها الأنظمةُ الكونيّةُ والكواكبُ والأجرامُ السابحةُ. وما
أبدعَ هذا السِّرَّ! فالكلمةُ تتجلّى في كلِّ آنٍ ولحظةٍ بصورةٍ جديدة. ومن
إشراقاتِ هذه الكلمةِ الواحدةِ ما نسمّيه بقاءً، ومنها ما نسمّيه فناءً.
يا عظيم، ما أعظمَ شأنَه! لقد ألقى بقولِه «كن» على ذرّةٍ لا وزنَ لها من
التقديرِ ما لا يُحصى من الانعكاسات، حتّى صرتُ كأسًا؛ كأسًا ينهلُ منه سائرُ
الذرّاتِ ـ أي المخلوقات ـ ذلك السُّكرُ والهيامُ الذي امتلأ به الكأسُ نفسُه،
مستغرقًا في شرابِ الوحدة، غائبًا في نشوةِ التوحيد.
ليس معلومًا لي مِن أينَ جئتُ، ولا إلى أيِّ غايةٍ أسير. والعلمُ الذي لا
يعرفُ صاحبُه ما الذي يفقده وما الذي يناله، ليس بعلمٍ في الحقيقة. فإذا كان هذا
حالَ فقرِنا وعجزِنا، فكيفَ لنا أن نغوصَ في بحرِ الحقيقة؟ إنّ معرفةَ العلمِ
الحقّ تقتضي أن نعلمَ مَن الذي أوجدنا، وأين كنّا قبلَ مجيئنا إلى هذه الدنيا،
وإلى أيِّ عالمٍ ننتقلُ بعدَ الموت، وعلى أيِّ أنماطٍ وصورٍ تقومُ الحياةُ في ذلك
العالم.
لقد خلقَ اللهُ آدمَ من التُّراب، ولذلك فإنّ كلَّ إنسانٍ مخلوقٌ من
التُّراب أيضًا، ومن أجلِ ذلك نُعيده إلى التُّراب عند دفنه. وهذه الصُّورةُ
الجميلةُ التي يفتتنُ الناسُ بحسنها ويظلون هائمينَ بها، ليست في حقيقتها إلّا
تركيبًا من ذرّاتِ التُّراب. والكأسُ الذي يشربُ منه أهلُ المحبّةِ شرابَ العشق،
إنّما يُصنعُ هو الآخرُ من هذا التُّراب نفسِه. وهكذا تتجلّى براعةُ القدرةِ
الإلهيّة، إذ تُشكّلُ من التُّراب الواحد صورًا مختلفة، ثمّ تردّها إليه، ثمّ
تُعيدُ تشكيلَها من جديد. وفي هذا الفعلِ التكوينيِّ آياتٌ بيّناتٌ لمن أراد حقًّا
أن يعرفَ اللهَ تعالى ويهتديَ إليه.
لا تسألْ عن أحوالِ هذا الآدمِيِّ وبنيهِ؛ فقد تركَ في الجنّةِ أنهارَ
الشَّرابِ المتلألئةَ موحشةً خالية، وودَّعَ تغريدَ الطيورِ في البساتينِ والرياضِ
الزاهرة. لقد أودعَ اللهُ تعالى في طبعِه خصلةً عجيبةً، وهي أنّه لا يقنعُ بشيءٍ
واحدٍ ولا بحالٍ واحدة. فلمّا ضاقَ صدرُه بالإقامةِ في الجنّةِ تركها وارتحل. وفي مزاجِه
كامنةٌ صفةُ الحركةِ التي بها يقعُ التغيّرُ والتبدّلُ في مظاهرِ الكونِ آنًا بعدَ
آنٍ ولحظةً بعدَ لحظة.
يقول العبد إنّ كلَّ نَفَسٍ من أنفاسي أشبهُ بجرعةٍ من الخمرِ الصافي، وإذا
أمعنتُ الفكرَ رأيتُ أنّ عالمي كلَّه ليس إلّا جرعةً من هذا الخمر. فإذا كانت
حدودي وحدّي على هذه الصورة، فإنّ السُّكرَ والقلندريّةَ والضلالَ تصبحُ وجودًا لا
وجودَ له. وهذه الجرعةُ نفسها هي التي تكشفُ لي الأسرارَ الكامنةَ في حياتي؛ فإمّا
أن أمضي بها في السُّكرِ والقلندريّة، وإمّا أن أُبدّدَها في الضلال.
حينَ يُفارقُ الرُّوحُ هذا الجسدَ بأمرِ القدرةِ، لا يبقى له من المقام
إلّا قطعةٌ من الأرضِ لا تتجاوزُ ذراعين، وذلك أيضًا لمن كُتبَ له أن يجدَها. ثمّ
لا تمضي إلّا أيّامٌ قلائل حتّى يغيبَ أثرُه من الدنيا كلّيًّا، ثمّ يُدفنُ غيرُه
في الموضعِ نفسِه. فانظرْ أيّها الإنسان، ما أشدَّ فناءَ حياتِك، وما أضعفَ
وجودَك، وما أسرعَ زوالَ حقيقتِك. إنّ هذه الدنيا قائمةٌ على الرّحيلِ المتواصلِ
والتعاقبِ الذي لا ينقطع. وهذه الحياةُ الفانيةُ في هذا العالمِ الفاني صورةٌ
ناطقةٌ بالعبرةِ والاعتبار.
هذه الدنيا التي تخدعُ الإنسانَ وتُبقيه أسيرَ الوهمِ ليست إلّا لحظةً
عابرة. فالعالمُ كلُّه محبوسٌ في عمرِ لحظة، ووفقَ قانونِ هذه اللحظةِ العابرة لم
يُمنحْ هذا الآدمِيُّ، هذا البشرُ، هذا العبدُ، إلّا ساعةً مستعارة. فإنْ ضاعتْ
هذه الحياةُ في اللغوِ والقولِ الفارغ، فكأنّ الدنيا كلَّها قد ضاعت؛ فلا نحن
وُلدنا، ولا عشنا، ولا قمنا، ولا قعدنا، ولا فعلنا شيئًا، ولا أدركنا حقيقةً، بل
كأنّا جئنا وما جئنا. لذلك، أيّها الإنسان، ما دمتَ قد دخلتَ هذه الدنيا، فاعملْ
عملًا يحقّقُ الغايةَ التي خُلقتَ من أجلها، وإلّا صار الندمُ نصيبَك الذي لا
يفارقك.
هذه الدُّنيا العامرةُ المزدحمةُ أشبهُ بطلسمٍ عجيب، فيها من السِّحرِ ما
لا تُدركه العقولُ التي تزنُ الأشياءَ بميزانِ الحسابِ الضيّق. وإذا أمعنَ
الإنسانُ النظرَ رأى أنّ العالمَ كلَّه ليس إلّا لعبةً من تُراب، كُتبَ عليها في
النهايةِ أن تتحطّمَ وتتبعثر.
حقيقةُ الحياةِ ليست إلّا جرعةً من شراب؛ فإنْ وُجدتْ أو
لم تُوجدْ فلا فرق. وإنّما المطلوبُ شرابُ المعرفةِ الذي تكفي منه جرعةٌ واحدةٌ
لتحريرِ الإنسانِ من قيودِ الزمانِ والمكان.
إلى متى يبقى صدى الكنيسةِ والمعبدِ والمسجدِ، ويبقى
الخلافُ بين أهلِها، ويبقى الواعظُ يُخوِّفُ الناسَ من عذابِ الجحيم؟ ليتَ هؤلاءِ
اطّلعوا على أسرارِ القدرةِ التي كشفها اللهُ لخواصِّ عبادِه؛ أولئك الذين لا خوفٌ
عليهم ولا هم يحزنون.
إنّ الذين كانتْ جباهُهم مُضيئةً بآثارِ السُّجود، ووجوهُهم مملوءةً
بالنورِ والبهاءِ، لمّا وُوروا في التُّرابِ جعلهم التُّرابُ ترابًا مثلَه. كم من
شموسٍ وأقمارٍ دُفنتْ في هذه الأرض، ولا نستطيعُ إحصاءَهم. ومع ذلك يمشي الإنسانُ
في هذه الدنيا العابرةِ متكبّرًا متعاظمًا، ثمّ لا تلبثُ به الأيّامُ حتّى
تُحوِّلهُ الموتُ إلى ذرّاتٍ من تُراب، وتُداسُ تلك الذرّاتُ تحتَ الأقدام.
أينَ الإسكندرُ ودارا، وشدّادُ والنّمرود، والفراعنةُ،
وأولئك الملوكُ العظامُ الذين بلغتْ هيبتُهم ووحشيّتُهم حدًّا كانتِ القلوبُ
ترتجفُ معه لمجرّدِ ذِكرِ أسمائِهم؟ أولئك الذين كانوا أصحابَ تيجانِ الممالكِ
والدُّولِ العظيمة، يأخذونَ الخراجَ من الرعيّة، ويرونَ أنفسَهم أسيادًا، وخَلقَ
الله عبيدًا لهم؛ أينَ هم اليومَ، وأينَ تيجانُهم؟ لقد ابتلعَهم التُّرابُ، هم
وجيوشُهم التي كانتْ كالعاصفةِ المدمّرةِ والمصيبةِ النازلةِ على العالم. وهذه
القصورُ الهائلةُ، وهذه الخرائبُ القائمةُ اليومَ تبكي فقرَها وعجزَها، سيأتي
عليها يومٌ يُمحى فيه أثرُها واسمُها من صحيفةِ الوجود.
كما أنّ لنا هذه الدنيا المملوءةَ بالألوانِ والروائح، فإنّ هناكَ عالمًا
آخرَ يتجلّى لنا بعدَ الموت. وما أشدَّ شقاءَنا إذ لم نسلكْ يومًا سبيلَ ذلك
العالمِ الخفيّ. ولو أنّا عملنا بقولِ رسولِ الله ﷺ: «موتوا قبلَ أن تموتوا»،
وتعرّفنا إلى ذلك العالمِ قبلَ الرحيل، لكانَ جديرًا أن تتحوّلَ حياتُنا الكئيبةُ
المحرومةُ إلى حياةٍ عامرةٍ بالبِشرِ والسُّرور.
كلُّ ذرّةٍ رهينةُ سرِّ
النماءِ المقيَّد
سروٌ تعالى، أو رُبىً خُضرٌ
تمدَّد
ومن ترابِ الإنسان، من كلِّ
ذرّةٍ فيه
إذا جاءها الإذنُ، تطايرَ
منها الشرر
قال اللهُ تعالى إنَّه خلقَ الأشياءَ بمقاديرَ معيّنة،
فكلُّ تخليقٍ قائمٌ على مقاديرَ مخصوصةٍ تُميّزُ كلَّ نوعٍ عن غيرِه، وكلَّ فردٍ
عن سواه. وذرّاتُ التُّرابِ واحدةٌ في أصلِها، غيرَ أنّ التبدّلَ في مقاديرِها
يُنشئُ صورًا شتّى من الخلق. فتغدو هذه الذرّاتُ تارةً سروًا وياسمينًا، وتارةً
جبالًا وروابي، وتارةً طيورًا عذبةَ الألحان. وحينَ تتلبّسُ هذه الذرّاتُ الجامدةُ
ـ في الظاهر ـ بالحياة، تنتشرُ ألوانُها في أرجاءِ الكون، ومن هذه الألوانِ نفسِها
تتكوّنُ دنيا حيّةٌ نابضةٌ في عالمِ الوجود.
آدمُ في سِجنِ الخطوطِ
مُقيَّدْ
وهوَ في قيدِها راضٍ، بها
مُتعبَّدْ
فإذا بانَ يومًا كسرُ تلكَ
الخطوطِ لهُ
ما عادَ تُمسِكُهُ مِن
تُرابٍ أيُّ قَيْدْ
كلُّ شيءٍ هنا
يجري على أكتافِ الموجِ والخطوط؛ وهذه الخطوطُ، كما تمنحُ الحياةَ سكينةً
وطمأنينة، تُوقعُ الإنسانَ أيضًا في البلاءِ والمحنة. وكلُّ خطٍّ خرجَ من قلمِ
النورِ هو نورٌ في حقيقتِه، فإذا تجلّى النورُ صارَ ضياءً، وإذا خفَّ الضياءُ صارَ
ظلامًا. وقد ظنَّ آدمُ أنّ القيدَ في هذا العالمِ المظلمِ هو كلُّ شيء، وأصبحَ
يرضى بأن ينالَ من بحرِ النورِ قطراتٍ يسيرةً من الضوء.
يا ربِّ، ما
هذهِ القسوةُ في حانةِ معرفتِكَ، حتّى إنّنا بعدَ صيامِ شهرٍ كاملٍ لم نذقْ شرابَ
العرفان؟ مع أنّكَ قلتَ إنّ جزاءَ الصومِ أنتَ نفسُكَ. فإذا لم يُرزَقْ لنا في هذا
الشَّهرِ أيضًا شهودُكَ ولقاؤُكَ، فإنّ عواصفَ البلاءِ والشقاءِ ستغدو نصيبَ
أيّامِنا في سائرِ العام.
الماءُ والخمرُ
ليسا حقيقتينِ منفصلتين؛ فكلاهما يظهرُ وفقَ قانونٍ تكوينيٍّ واحد، غيرَ أنّ
الماءَ تتجلّى فيه الصِّيَغُ التكوينيّةُ على صورتِها المباشرة، أمّا الخمرُ
فتظهرُ فيه تلك الصِّيَغُ بعدَ شيءٍ من التبديلِ والتصرّف. ومع ذلك يختلفُ الناسُ
ويتنازعونَ باسمِ الخمر، أفلا يتفكّرونَ في هذه الأسرارِ والدقائق؟ فالخمرُ من
التُّراب، والكأسُ من التُّراب، ونحنُ أنفسُنا من التُّراب. وإذا تفتّتَتْ
أجسادُنا وصارتْ تُرابًا، صُنِعتْ من هذا التُّرابِ أوانٍ وكؤوسٌ من جديد، لأنّ
فعلَ الخلقِ لا يزالُ جاريًا لا ينقطع.
تنادي التماثيلُ علينا قائلةً: يا ابنَ آدم، لِمَ أنتَ أسيرُ غفلتِكَ
ونسيانِكَ لنفسِكَ؟ إنّ هذا كلَّه تُرابٌ يتكسّرُ ويتبعثرُ ويتحوّلُ إلى صورٍ
وهيئاتٍ جديدةٍ في كلِّ حين. فلماذا لا تخضعُ أمامَ التُّراب؟ ففي هذا الانكسارِ
سعادتُكَ، لأنّه يُنجيكَ منَ الكِبرِ والخُيلاءِ.
كلُّ شيءٍ في هذا العالمِ يسيرُ على سُنَّةٍ واحدة؛ فلا شيء فيه خيرٌ محضٌ
ولا شرٌّ محض. فقد تكونُ الكلمةُ نفسُها سببَ فرحٍ لإنسان، وسببَ حزنٍ وانكسارٍ
لآخر. وهذه الدنيا إنّما هي دنيا المعاني والمفاهيم، فالإنسانُ يُلبِسُ الأشياءَ
ما يشاءُ من المعاني، ثمّ تعودُ تلك المعاني فتتركُ آثارَها عليه. فلماذا يُبدِّدُ
الإنسانُ عمرَه في خصوماتِ الدنيا وتشعُّباتِها؟ إنّ هذه الأنفاسَ القليلةَ لا
ينبغي أن تُضيَّع. واجعلْ كلَّ شيءٍ صادرًا من اللهِ تعالى، فإنَّ ربَّ العالمينَ
يقولُ:
والراسخونَ في العلمِ يقولونَ إنَّ كلَّ شيءٍ من عندِ ربِّنا.
سورۃ آل عمران: 7
لِماذا أحزنُ على انكسارِ الكأس؟ فهذا الكأسُ قد صيغَ من ذاتي، ووجودي
نفسُه مؤلَّفٌ من تلك الذرّات. وليس في نفسي خوفٌ من الموت، لأنّ الأنوارَ التي
تكوَّن منها الكأس، وإنْ تكسَّرَ مئةَ مرّة، فإنّه يعودُ فيتكوَّنُ من جديد، ويبقى
هذا السِّرُّ جاريًا لا ينقطع.
يا واعظُ، إنَّ سيّدي الذي أنا عبدُهُ قالَ: جفَّ القلمُ بما هو كائن.
وهذهِ الحياةُ الراقصةُ على جبيني اليومَ قد كُتبتْ في الأزلِ قبلَ أن أولد، وهيَ
قدري الذي لا يتبدّل. فما عسى وعظُكَ ونُصحُكَ أن يفعلا بي، وأنتَ نفسُكَ حرفٌ من
كتابةِ الأزل؟ وهذهِ الأحاديثُ عنِ الخمرِ والكأسِ قد سُطِّرتْ كذلك في الأزل.
فالخمرُ ـ وهيَ الحياةُ ـ والكأسُ ـ وهو هذا الجسدُ الترابيُّ ـ خطٌّ من خطوطِ
القدرةِ لا يستطيعُ أحدٌ أن يُغيّره. يا واعظُ، إنّ هذهِ السعادةَ الأزليّةَ لا
ينالُها إلّا أهلُ السعادة، أمّا الأشقياءُ منذُ الأزلِ فهم محرومونَ حتّى من
دنوِّها. ثمّ يأتي وقتٌ تتبدّدُ فيه هذه الخطوطُ والأمواج، وينتهي سلطانُ
الجاذبيّة، ويتحلّلُ جسدُ الإنسان.
درست فرمایا۔ «ساقي» اگرچہ عربی میں مستعمل ہے، مگر یہاں
آپ خالص ادبی عربی اور اصل روحانی اسلوب چاہتے ہیں، اس لئے بہتر ہے کہ اسے زیادہ
عربی شعری پیرائے میں بدلا جائے۔
يقول الشيخ قلندربابا أولياءؒ في هذهِ الرُّباعيّةِ إنَّ غايةَ الحياةِ
عندَ العارفينَ ليستْ إلّا الارتواءَ من شرابِ المعرفة، أو الامتثالَ لمشيئةِ ربِّ
الرَّاحِ الحقيقيِّ، خالقِ الكائنات. ولذلك فإنَّ مطلبَهُ من اللهِ تعالى أن
يمنحَهُ المقامَ الأعلى منَ المعرفة، وأن يرزقَهُ الرِّضا بمشيئتِه والتوفيقَ
للعملِ بها. فإنْ لم يتحقّقْ هذا المقصودُ في المدّةِ المحدودةِ منَ الحياة، ذهبَ
كلُّ شيءٍ سُدًى، وتبعثرتِ الحياةُ ـ وهيَ تتشكّلُ لحظةً بعدَ لحظة ـ كما يتبعثرُ
الماء، فلا يستطيعُ أحدٌ بعدَ ذلك أن يجمعَها أو يُعيدَ نظمَها.
في خَلقِ آدمَ أودعَ اللهُ ألوانًا منَ الأنوار، وفي هذهِ الخِلقةِ
الترابيّةِ تتجلّى آلافُ الصُّورِ من صَنعِه البديع. وهيَ وإنْ بدتْ في الظاهرِ
مركَّبةً من تُراب، إلّا أنّ هذا التُّرابَ ـ في لغةِ الروحانيّة ـ ليس مجرّدَ
تُراب، بل هو مظهرٌ تعملُ فيه القوانينُ التكوينيّةُ، فتتبدّلُ وتتحوّلُ إلى صورٍ
شتّى منَ الخلق. أمّا الأنوارُ والصِّيَغُ الكامنةُ وراءَ هذا الظاهر، فهيَ من
تجلّياتِ ﴿أحسنِ تقويم﴾. غيرَ أنّ موضعَ الأسفِ أنَّ آدمَ غافلٌ عن نفسِه، لا
يعرفُ حقيقتَه. ولو عرفَ نفسَه حقَّ المعرفة، لانكشفَتْ له صفةُ الربوبيّةِ في
أيسرِ طريق، لأنَّ خَلقَه نفسَه مظهرٌ من مظاهرِ تلك الصفة. وهذهِ الرُّباعيّةُ
شرحٌ لقولِ النبيِّ ﷺ: «من عرفَ نفسَه فقد عرفَ ربَّه».
يوجدُ في العالمِ على الدوامِ عبادٌ لله أغناهم اللهُ بالشهودِ والنِّعَمِ
الباطنيّة. فإذا نظروا إلى أكثرِ الناسِ وتأمّلوا أحوالَهم، رأوا أنّهم قد جعلوا
من هذه الحياةِ القصيرةِ الحياةَ الحقيقيّة، فيأسفونَ لذلك. ثمّ لا يلبثونَ أن
يُدركوا سببَ هذا التعلّق، فيُنادونَ كما نادى الشيخ قلندربابا أولياءؒ: إنَّ الفناءَ
في الحقيقةِ أرفعُ من هذه الأنانيّة، وإنَّ الموتَ أسمى من هذه الحياةِ الظاهرة،
ولكنَّ سرَّ العدمِ لم ينكشفْ لأهلِ الدنيا؛ إذِ الحياةُ الحقّةُ إنّما تبدأُ بعدَ
الموت. وإنّ خفاءَ هذا السِّرِّ هو الذي يُبقي تعلّقَ الإنسانِ بالدنيا قائمًا.
فلو تكشّفتْ لكلِّ أحدٍ حقيقةُ فناءِ هذا العالمِ، لما تعلّقَ قلبٌ بحياةٍ زائلةٍ
ولا بدنيا عابرة. وهذا الإخفاءُ نفسُه جزءٌ عظيمٌ من حكمةِ اللهِ تعالى في تدبيرِ
الخلق.
شبَّهَ الشيخِ
بابا صاحبؒ القمرَ بالخُمِّ؛ فكما أنّ الخُمَّ مملوءٌ بالخمر، كذلك القمرُ مملوءٌ
بذلك الضياء الباردِ الساحر، أعني ضوءَ القمرِ الفِضّيَّ الآسر. وهذهِ الأنوارُ
نفسها هي التي ينهلُ منها كلُّ ذرّةٍ في الأرضِ ظهورَها وحياتَها. وما دامَ في
الكونِ إشراقُ الحياةِ، فالوجودُ كلُّه غارقٌ في النورِ والضياء. فإذا اختلَّ
نظامُ الأنوارِ واضطرب، فلا خُمَّ يبقى ولا خمر، ولا قمرَ يبقى ولا ضياءَ قمره.
ولن يبقى عندئذٍ إلّا ذاتُ الساقي، سبحانهُ، صاحبُ البقاءِ الأزليّ.
جميعُ عصورِ التّاريخِ الإنسانيّ، ماضيها ومستقبلُها، منقوشةٌ في اللّوحِ
المحفوظ، وكلُّ ذرّةٍ في الكونِ إنّما هي صورةٌ تفصيليّةٌ لذلك النّقش. وفي أعماقِ
وجودِ كلِّ ذرّةٍ يظهرُ أثرُ ذلك السِّرِّ المكتوب. وكذلك الحجرُ، فإنَّ في باطنِه
محفوظةً صورةُ العصرِ الذي كانَ فيه. وهذهِ الصُّورةُ لا تُرى إلّا لمن ينفذُ
ببصيرتِه إلى داخلِ الأشياء. ومن خلالِ هذا السِّجلِّ أو هذا الفيلمِ الكامن،
يطّلعُ الرّجلُ الرّوحانيُّ على أحداثِ الماضي والمستقبل. وأمّا الصِّيَغُ التي تعملُ في خَلقِ آدم، فهي قائمةٌ منذُ الأزلِ على نسقٍ
واحدٍ وطرازٍ ثابت، غيرَ أنّ مظاهرَها تتبدّلُ بتبدّلِ الأزمنة. أمّا الأصولُ والأساساتُ
فلا يلحقُها تغيير. فالدّوافعُ الكامنةُ في طبيعةِ الإنسان، كالغضبِ والمحبّةِ
والرّحمةِ والجنسِ وسائرِ الميول، تبقى واحدةً في كلِّ عصر، وإنّما تختلفُ صورُ
ظهورِها وتجلياتُها من زمانٍ إلى زمان.
جميعُ الكائناتِ الحيّةِ مخلوقةٌ من تُراب، وليس المقصودُ بالتُّرابِ هنا
مجرّدَ التُّرابِ الظاهر، بل ذلك الامتزاجُ النوريُّ الذي تندمجُ فيه جميعُ
الألوان، ويُسمّى أيضًا نورَ الألوانِ الكلّي. وهذا اللونُ نفسُه تمتصُّه جذورُ
الأشجارِ منَ الأرض، ثمّ يظهرُ في الساقِ والأغصانِ والأوراقِ والأزهارِ
والثِّمار. غيرَ أنّ هذهِ الهيئةَ منَ الخلقِ ليستْ باقية؛ فما تلبثُ أن تعودَ إلى
التُّرابِ مرّةً أخرى. وكذلك الطيورُ، فهي أيضًا من هذا التُّراب، ومهما نالتْ من
قوّةِ الطيران، فإنّها لا تستطيعُ الخروجَ عن دائرةِ التُّرابِ وجاذبيّتِه، لأنّها
لا تبرحُ نطاقَ الجاذبيّة. وسرعانَ ما تُعيدُها هذهِ القوّةُ إلى التُّراب،
فتختلطُ به وتعودُ إليه.
يا آدمُ، هل تدري أيُّ القوانينِ تعملُ في باطنِ حياتِك؟ إنَّ كلَّ شيءٍ في
هذا العالمِ قد تَشكَّلَ منَ التُّراب. وحتى قوّةُ تحليقِ الشهبازِ إنّما هي مِن
أثرِ هذا التُّراب، لأنَّ أعضاءَه الجسديّةَ تكوَّنتْ من تراكيبَ مختلفةٍ لذلك
التُّرابِ، أعني نورَ الألوانِ الكلّي. غيرَ أنّ سرَّ الخلقِ الحقيقيَّ يكمنُ في
أنّ أمرَ خالقِ الكائناتِ متحرّكٌ في داخلِ هذا التُّراب، يُصرّفُه ويصبُّه في
قوالبَ شتّى، فتظهرُ منه صورٌ مختلفة. فالحصى والحجارةُ، والنباتاتُ، وأنواعُ
الحيوانِ، والإنسانُ، ليستْ إلّا قوالبَ متنوّعةً لذلك السِّرِّ الواحد.
هذهِ الكائناتُ المنتشرةُ حولَنا إنّما هي صورٌ ترابيّةٌ مختلفةٌ تتنفّسُ
وتتحرّك. وكلُّ ما تملكُهُ حياتُها قائمٌ على الظنِّ والتخيّل، ومن هذا التخيّلِ
تتكوّنُ الحواسّ. فإذا تحرّكَ الخيالُ ترتّبتِ البصيرةُ والسّمعُ والنُّطقُ
والشّمُّ واللّمسُ شيئًا بعدَ شيء. ولمّا كانتْ أصولُ هذهِ الحواسِّ مبنيّةً على
التخيّل، فإنَّ إدراكَنا الظاهريَّ للأشياءِ ـ رؤيةً وفهمًا وتفكيرًا ـ ليسَ
إدراكًا للحقيقةِ الكاملة. ولهذا عُدَّ الشهودُ القلبيُّ في الروحانيّةِ هو
الحقيقةَ بعينِها. وقد قالَ القرآنُ الكريم: ﴿ما كذبَ الفؤادُ ما رأى﴾.
المناظرُ التي تقعُ أمامَ عينِ الإنسانِ ليستْ إلّا صورًا يصوغُها
الشُّعور. وقد تبيّنَ أنّ هذهِ الطّريقةَ في الرؤيةِ قائمةٌ على الفرضِ والتصوّر،
ولذلك كانتْ مشاهداتُها وتجاربُها أيضًا ظنّيةً غيرَ ثابتة. فكثيرًا ما تكونُ
الشّيءُ الواحدُ سببَ فرحٍ لإنسان، وسببَ حزنٍ لآخر، وتختلفُ فيه آراءُ الناسِ
اختلافًا كبيرًا، مع أنّ الحقيقةَ في ذاتِها واحدةٌ لا تتعدّد. ثمّ إنَّ المظاهرَ
التي تُبصرُها أعينُنا لا تكفُّ عنِ التغيّر؛ فالعمرانُ يصيرُ خرابًا، والخرابُ
يتحوّلُ عمرانًا. فكيفَ تكونُ هذهِ الدُّنيا المتقلّبةُ حقيقةً ثابتة، والحقيقةُ
لا يلحقُها التغيّرُ ولا التبدّل؟
يقول الشيخ قلندربابا أولياءؒ في هذهِ الرُّباعيّةِ إنَّ اللهَ تعالى قد
خصَّهُ بفضلٍ عظيم، إذ منحهُ علمًا لدنّيًّا جعلهُ متميّزًا بينَ الخلق، وأغدقَ
على قلبِه خُمورَ المعرفةِ حتّى امتلأ بها. وإنَّ صوتَ السَّرمدِ أو نداءَ
الملائكة قد حرَّرهُ من عالمِ المظاهرِ وقيودِ الحياةِ المحدودة. فسمعُه لم يعُدْ
أسيرَ أمواجِ الحسِّ وأطوالِها، بل تجاوزَها إلى ما وراءَها وما بعدَ ما وراءَها.
فهو يشهدُ ما يجري في السّماواتِ بعينٍ مفتوحة، وتتلذّذُ سمعُه بالأصواتِ
الغيبيّةِ والسّرمديّة، وكلُّ هذهِ المواهبِ والأنوارِ إنّما نالَها من فيضِ
الكرمِ الإلهيّ.
Tazkira Qalandr Baba Auliay Arabic
خواجۃ شمس الدين عظيمي
"أهدي
هذا الكتاب إلى الجيل الجديد الذي سوف يستخدم "نسبة الفيض" لحضرة السيد قلندر
بابا أولياء رحمه الله تعالى و يسعد بالعافية والطمأنينة ويقوم بإبادة ظلال الخوف و
الدهشة التي تتحلق عليه، ثم يدخل الجنة بعد أن يسعد بالحصول على شرفه الأزلي"