Topics
هذا كتابٌ من الشيخ قلندربابا أولياءؒ أملاه جوابًا عن
استفسارات أحد الأشخاص.
بسم الله الرحمن الرحيم
أيّها الأخ العزيز، سلّمك الله تعالى، بعد الدعاء الكثير
لك.
في الحقيقة لا توجد جهةٌ أصلًا، ولا يملك الإنسان قدرةَ الحركة. نعم، لا
يملك إلّا النيّة. ولذلك جمع في نيّاته دعاوى لا تُحصى. فقِسْ سائر دعاوى الإنسان
على هذه الدعوى نفسها. وقد ردّ الله تعالى في القرآن الكريم كلَّ مشاهدة، فقال في
مواضع كثيرة: «أنتم لا تفهمون، الأمر هكذا وهكذا، وأنتم لا تبصرون.» وقال في موضعٍ
آخر: «ترى الجبال وتحسبها جامدة.» فالذي سمّاه الله تعالى في القرآن غيبًا إنّما
هو غيبُ الإنسان، لا غيبُ الله. ومن الواضح أنّه إذا لم يكن غيبًا بالنسبة إلى
الله، فهو حضورٌ عند الله. وما كان حاضرًا عند الله فهو الحقيقة، وما لم ينكشف
للإنسان فمشاهدتُه له ليست حقيقة، ولذلك فهي خاطئة. ولهذا السبب رُدَّت كلُّ
مشاهدة. فالواقع كلُّه هو العلم الحضوريّ. وهذا العلم الحضوريّ يُعطى من عند الله
لمن يشاء الله تعالى أن يوفّقه. وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: «والذين
جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا.» (العنكبوت: 69)
وفي القرآن الكريم أمثلةٌ كثيرة على ذلك:
ففي قصّة ملكة سبأ، عندما قال سليمان عليه السلام لحاشيته: من منكم يأتيني
بعرشها سريعًا؟ قال عفريتٌ من الجنّ: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.
ثمّ قال الله تعالى في الآية الأخرى:
وقال شخصٌ آخر: لن يرتدّ إليك طرفك إلّا والعرش حاضرٌ هنا... فحضر العرش.
(النمل: 40)
وقد بيّن الله تعالى خصوصيّة هذا الشخص، وهي أنّه كان عنده علمٌ من الكتاب.
وجميع الصحف السماويّة يسمّيها الله تعالى «الكتاب»، والقرآن منها. فإذن هذا العلم
موجودٌ في القرآن كما صرّح الله تعالى نفسه، وقد سمّى القرآن مرارًا باسم
«الكتاب». وأمّا الذين لا يفهمون القرآن فليقولوا ما شاءوا، فمن ذا الذي يستطيع أن
يمنع ألسنتهم؟ ولكنّ القرآن نفسه يردّ عليهم، ولذلك فمن الضروريّ أن تتعلّموا
العربيّة، وأن تفهموا القرآن بألفاظ القرآن نفسه، من غير تأويل، ومن غير تأثيرٍ
سابق، وبحيادٍ كامل، على أساس النظر في مراد الله تعالى. وأمّا مسألة الفهم، فقد
وعد الله تعالى بنفسه فقال إنّه قد يسّر القرآن للفهم: «ولقد يسّرنا القرآن للذكر
فهل من مدّكر.» وهذا نداءٌ عامّ. وقد تكرّر هذا القول أربع مرّات في سورة القمر.
والآن أعود إلى أصل المقصود. لقد فهمتم أنّ الجهة ليست شيئًا حقيقيًّا،
وإنّما هي فرضٌ وتقديرٌ من الإنسان نفسه. وكما ذُكر آنفًا، لا يوجد علمٌ سوى العلم
الحضوريّ. غير أنّ ذاكرة الإنسان ليست بتلك السعة التي تمكّنه من حفظ نمطٍ واحدٍ
من أنماط العلم الحضوريّ. ولذلك، عندما يزوّد النورُ المنبعث من اللوح المحفوظ
الإنسانَ بالمعلومات، فإنّه ـ انطلاقًا من نظرته إلى المنفعة وتحقيق الأغراض ـ
يرفض تسعمائةً وتسعةً وتسعين جزءًا من الألف، ثمّ يشوّه الجزء الواحد الباقي
ويحرّفه ويحفظه في الذاكرة. وهذه الصور المشوّهة والمحرّفة تصبح القالب الذي
تتشكّل منه تجاربه ومشاهداته وعاداته وحركاته. ثمّ إنّ جميع المعلومات التي
يتلقّاها بعد ذلك تستمرّ في الانصهار داخل هذه القوالب نفسها. وهذا هو مجمل إنجاز
الإنسان، وهذه هي جهاته المقرّرة المفترضة، وصِيَغه، وأصوله. وعن هذه الخرافات
نفسها لا يزال يردّد مرارًا: هذا هو تجربتي، وهذا هو مشاهدتي، وهذا هو العلم الطبيعيّ.
لقد أدركتَ الآن أنّ النور الذي ينتشر في الكون كلّه يحمل كلَّ أنواع
المعلومات التي تصل إلى ذرّةٍ ذرّةٍ من ذرّات الكائنات. وفي هذه المعلومات توجد
جميع شؤون الحياة، وكلّ حركة، وكلّ حالة، من التذوّق، والشمّ، والسماع، والرؤية،
والإحساس، والتخيّل، والوهم، والظنّ، وغير ذلك، موجودةً بأنماطٍ كاملة. وليس هناك
إلّا طريقٌ واحدٌ لتلقّيها على وجهها الصحيح، وهو أن يكون الإنسان في كلّ نمط، وفي
كلّ معاملة، وفي كلّ حال، متّصفًا بالاستغناء الكامل... لأنّ الذي يشوّهها إنّما
هو مصالحه الخاصّة. وحيث لا توجد المصلحة يوجد الاستغناء، والحياد، وشعار الله.
وعندئذٍ تصبح الحركة شاملةً للكون كلّه وعاملةً فيه بأسره.
افهم هذه المسألة مرّةً أخرى؛ فهي ليست دقيقةً إلى ذلك الحدّ، وإنّما تحتاج
فقط إلى الانتباه.
إنّ المصالح الشخصيّة للإنسان تجعل أشعّة النور محدودةً بالنسبة إليه. وهذه
الأشعّة المحدودة لا تستطيع أن تترك عملها الكونيّ، بل يظلّ ذلك العمل جاريًا. غير
أنّ تصوّرًا باطلًا يرتبط به الإنسان بهذه الأشعّة يتحوّل إلى آمالٍ زائفة، وهذه
هي الخيبة، وهذه هي مصيبة الإنسان. فالأمر في غاية البساطة؛ إذ كيف يمكن لنورٍ
يتعلّق بالكون كلّه أن يختصّ بفردٍ واحد؟ فإذا لم يكن الإنسان أسير الأغراض
الشخصيّة والقيود النفعيّة، فإنّه يرى هذه الأشعّة محيطةً بالكون كلّه ويفهمها
كذلك. وعندئذٍ ينشأ ارتباطٌ مخصوص بين الأشعّة وبين زاوية نظره. وهذا الارتباط هو
الأمر الذي يكون ـ تحت سلطان قانون الله ـ محلَّ توجّه الأشعّة. ومن ثمّ تتولّى
الأشعّة نفسها حفظ مصالحه. ومعنى ذلك أنّه إذا قال: ليكن نهارًا، وجب على الأشعّة
أن تُوجد النهار، وإذا قال: لتكن ليلًا، وجب عليها أن تُنشئ الليل. وإنّ شعار الله
يأمر الأشعّة بأن تُتمّ سنّتين: الأولى أن تعمل من أجل الكون، والثانية أن تعمل
لمصلحة الفرد الذي أقام ارتباطًا معها.
وعندما وقع
اللقاء بين حضرة أويس القرنيّ رضي الله عنه وحضرة عمر رضي الله عنه، طلب عمر رضي
الله عنه من أويس القرنيّ رضي الله عنه أن يوصيه بشيء. فقال له أويس رضي الله عنه
سؤالين:
١۔ «يا عمر،
أتعرف الله؟»
فأجاب: «نعم، أعرف الله.»
٢۔ «وهل الله يعرفك؟»
فأجاب: «والله يعرفني.»
ومعنى هذين الأمرين واضحٌ تمامًا. فليس كافيًا أن يخطو الإنسان خطوةً في
سبيل الله ثمّ يظنّ أنّ الأمر قد تمّ. بل لا بدّ من النظر: هل خُطيت الخطوة لله
وحده، أم دخلت فيها مصالح أخرى؟ فإنّ الجنّة نفسها مصلحة، وكثيرًا من أعمال البرّ
مصالح أيضًا. وإنّ الله تعالى لا يعرف العبد حتّى يكون المقصود ذات الله وحدها.
فإذا كان مقصد الإنسان الجنّة، فالجنّة هي التي تعرفه وتقول له: «تعال، لبّيك.» واعلم
أنّ إشراك أيّ غايةٍ أخرى مع الله في الروحانيّة كفرٌ.
وأمّا المنام الذي كتبته، فهذه ألفاظه:
«كنتُ جالسًا عند قدميك أبكي وأقول: الشيخ! أين ذهبت
أمّي؟ أرجِعْ إليَّ أمّي.»
وفي هذه المعلومة ثلاثة أجزاء: جزءٌ هو صورتي أنا، وجزءٌ هو صورتك أنت،
والجزء الثالث هو الأمّ، وهي غير موجودة. ويبدأ انكشاف هذه المعلومة من هنا: أنّك
في موضعٍ تكون فيه بمنزلة سؤالٍ يشتمل على أسئلة كثيرة. واسم هذا المجموع هو
«الأمّ»، أي النقطة التي تبدأ منها طُرق الحياة الكثيرة، بينما الإنسان لا يستطيع
أن يحدّد أيّ الطرق ينبغي أن يسلك. ومن طبيعة الأمّ أنّها تضع الحياة عند نقطة
يبدأ منها السير. والطرق لا تُحصى، ويقف الإنسان أمام هذه المرحلة خائفًا من أن
يسلك طريقًا يتبيّن بعد ذلك أنّه خاطئ، فيواجه الفشل. وهنا يطلب الهداية من روحه،
غير أنّه يريد أن يراها في صورةٍ محسوسة، لأنّه اعتاد أن يرى كلّ شيءٍ على هيئةٍ
مشهودة. وفي الأيّام التي رأيتَ فيها هذا المنام كان ضغط هذه الخواطر شديدًا عليك.
وهذا المنام مؤرّخ في التاسع عشر من يونيو، وكانت هذه الحال مسيطرةً على الذهن منذ
أسابيع قبل ذلك. أمّا جواب هذا السؤال فقد أعطته الروح في المنام يوم السابع من يونيو.
وقد وصفتَ ذلك المنام بألفاظك على النحو الآتي:
١۔ «أثناء
قراءة الدرس ليلًا أشعر بأنّ جسدي كلّه يرتفع عن الأرض، ولكن عندما أحاول التقدّم
إلى الأمام أبدأ بالسقوط.»
٢۔ «وعندما أتخيّلكم أرى أمامي حضرتكم والبيت كلّه في ناظم آباد، غير أنّني
لا أفهم: أأنا في ناظم آباد، أم أنّ ناظم آباد وأنتم قد جئتم إليّ؟»
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
﴿هُدًى
لِّلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٢-٣)
المعنى: إنّ هذا الكتاب يهدي أولئك الذين يحملون في داخلهم ذوقًا نحو الله.
والمقصود بالغيب جميع الحقائق الخارجة عن مشاهدات الإنسان، وهي كلّها
متعلّقة بمعرفة الله. وأمّا الإيمان فمعناه الذوق. والذوق هو تلك العادة التي تبقى
هائمةً في البحث، لا طمعًا في عِوَضٍ تناله، بل لمجرّد أن تُشبع مقتضى الطبيعة.
وأمّا المتّقي فهو الإنسان الذي يتعامل بمنتهى الاحتياط في الفهم، ولا يفسح الطريق
لسوء الظنّ. إنّه يكون في أمر الله على درجةٍ من الحذر بحيث لا يستطيع أيّ مظهرٍ
من مظاهر الكون أن يخدعه. فهو يعرف الله معرفةً مستقلّة، ويعرف أفعال الله معرفةً
مستقلّة أيضًا. وسبب هذه المعرفة الصحيحة أنّ الذوق موجودٌ فيه. ولا تظنّ أنّ هذا
الذوق غير موجودٍ في كلّ إنسان؛ بل الحقيقة أنّ هذا الذوق نفسه هو «مجرى الحياة» (Life
Stream)، وهو أساس
الحياة ذاتها. وأمّا استعمال الإنسان له أو تركه فراجعٌ إلى إرادته ومصلحته.
وهذا الذوق هو الذي يسكن داخل الإنسان، وإلّا فالإنسان خلاء، كما قال الله
تعالى في القرآن الكريم:
«خلقتُ الإنسان من طينٍ يابس.»
وهنا بيّن طبيعة الطين، وهي الخلاء. والآن يسهل عليك أن تفهم أنّ الذوق لا
وزن له، ولا معنى للمسافة عنده، ولا تقيّده حدود الأرض والسماء، ولا يستطيع الزمن
أن يقيّده. فهذا الذوق هو الذي يمشي ويتحرّك. غير أنّ الإنسان لا يتعرّف إليه ما
لم يسعَ إلى معرفته. فإذا تعرّف إليه علم أنّ هذا الذوق هو الإنسان الحقيقيّ. وهو
حرٌّ في الكون كلّه، وهو سيّد الملائكة، وأحسن صنعةٍ لله، ونائب الله في الكون.
وهو غير مقيّدٍ بالمشي بالأقدام أو الإمساك بالأيدي، كما أنّه غير محتاجٍ إلى
العيون للرؤية ولا إلى الآذان للسماع. وكلّ هذه الخرافات إنّما اخترعها الإنسان
بنفسه، ثمّ أخذ يقرع الطبول قائلًا: آه، إنّي عاجزٌ كلَّ العجز. وقد يخطر ببالك
أنّ كثيرًا من الناس الذين عرفوا الله لم يصبحوا ـ مع ذلك ـ أحرارًا حرّيّةً
مطلقة، وكان ينبغي لهم أن يكونوا أحرارًا في كلّ شأن. وهذا صحيح؛ فهم أحرار،
ولكنّهم في الوقت نفسه مقيّدون بحبل المجتمع الإنسانيّ. وفي كلّ عصرٍ كانت هذه
الضعف هي التي أبقت حرّيّة هؤلاء الناس ناقصة.
وذلك الذي اسمه زيد ليس إلّا نمطًا من أنماط هذا الذوق. وليس النمط قفصًا
ساكنًا صامتًا، بل هو إنسانٌ يتكلّم، ويمشي، ويأكل، ويشرب، ويفكّر، ويفهم. وما بين
الثرى والعرش خطوةٌ واحدةٌ بالنسبة إليه، وثقب الإبرة، وفضاء السماوات المفتوح،
والمسافة بين نجمٍ وآخر، كلّها عنده بمعنًى واحد. فهو لا يتوقّف في موضع، ولا
تعترضه عقبة. غير أنّ المؤسف أنّه لا يعرف نفسه، ولا يدري ما هو، ولا ما الكون.
وأعظم إحسانٍ قدّمه حضور عليه الصلوٰة والسلام إلى البشريّة أنّه كشف هذه الأسرار
كلّها كشفًا واضحًا. ولا تظنّ أنّه كشفها من عند نفسه، بل إنّ الله هو الذي فتحها
عليه، وقد سجّلها بحرفيّتها في صورة القرآن. ولقد تحمّل مشقّات الحياة كلّها حتّى
أدّى هذه الأمانة إلى البشريّة. وأمّا ما صنعت البشريّة بهذه الأمانة فظاهرٌ معلوم.
وقد سمّى الله هذا العلم «علم الكتاب». وكلّ إنسانٍ يستطيع أن ينتفع به،
سواء أكان اسمه زيدًا أم بكرًا أم عمر.
وأمّا قولك إنّك عندما تحاول المشي تبدأ بالسقوط، فذلك لأنّك لم تتعرّف
بعدُ تعرّفًا كاملًا إلى الإنسان الحقيقيّ.
اقرأ هذا الكتاب بتأمّلٍ شديد. وإذا وجدتَ لفظًا أو نمطَ بيانٍ صعبًا، فأعد
قراءته مرارًا حتّى تفهمه. واجلس ليلًا في وقت الفراغ، وانسخ هذا الكتاب حرفًا حرفًا،
ثمّ احتفظ بهذه النسخة في ملفّك. وإنّ نسخ هذا الكتاب ضروريٌّ لك غاية الضرورة،
لأنّ العبارات والمعاني ستنتقل بذلك انتقالًا راسخًا إلى ذاكرتك. ثمّ إنّ تكرار
قراءة هذه النسخة ضروريّ أيضًا. فعندما تشعر بسهولة قراءة ما كتبته بيدك، وتستطيع
أن تُركّز ذهنك في معاني الألفاظ، يبقى ذهنك محفوظًا من العبء الإضافيّ الذي قد
يقع عليه عند قراءة الألفاظ التي كتبتُها أنا.
وجميع الإخوة والأخوات في السلسلة يذكرونك ويسألون عن حالك.
الداعي لك كثيرًا
حسن أخریٰ محمد عظيم
الساعة الواحدة ليلًا، 19 أغسطس 1963م
كتب أحد قرّاء صحيفة «حرّيت» في كراتشي اعتراضًا مقرونًا بالطعن والتهكّم
على جميع المقالات التي كتبها راقم الحروف، وذلك بأسلوبٍ ساخر. وهذا الجواب ـ الذي
نُشر في عمود «العلاج الروحانيّ» بتاريخ 7 يوليو 1978م تحت عنوان: «جوابًا على
رسالة أحد القرّاء» ـ أملاه على راقم الحروف مرشده الشيخ قلندربابا أولياءؒ على
النحو الآتي:
إنّ نمط الكلام عند النوع الإنسانيّ محدودٌ غاية المحدوديّة، ومملوءٌ
بالعيوب، ولكنّنا لا نتأمّل في ذلك. وربّما كانت طبيعتنا لا ترى ضرورةً للتفكير في
هذا الأمر أصلًا، أو إذا التفتت إليه التفتتْ كما ينظر المرء إلى الفراغ، ثمّ يرى
النظر إليه عبثًا فيُعرض عنه.
مثال: إنّنا نقول أحيانًا في اللغة القصصيّة أو في رواية الوقائع: «مررنا
بغابةٍ عظيمةٍ كثيفة الأشجار، وكانت الظلال تملؤها، وتعصف فيها الرياح العاتية،
فإذا سكنت الريح في الليالي المظلمة أصبحت الغابة موحشةً كأنّها عالمُ موتٍ.»
اقرؤوا هذه الجمل مرّاتٍ عدّة، ثمّ تأمّلوا: هل قال المتكلّم في الحقيقة
شيئًا صحيحًا محدّدًا؟ أم أنّه ألقى بالقرّاء في الظلام فحسب؟ فإنّ المتكلّم لم
يبيّن أصلًا ما أنواع الأشجار التي كانت في الغابة، ولا أطوالها وهيئاتها، ولا
ألوانها وأشكالها، ولا صورة أزهارها وأوراقها، ولا ما الطيور التي كانت متعلّقةً
بتلك الأشجار، ولا أنواع الحيوانات وأشكالها وهيئاتها. كما لم يذكر هيئة الأرض،
والنباتات الصغيرة، والعشب النابت عليها، ولا انخفاضات الأرض وارتفاعاتها، ولا
المياه الجارية فيها، ولا معالم الرمال الناعمة والمناطق الصخريّة الصلبة. ولم
يبيّن كم كان في تلك الغابة من شلّالات، وكم فيها من جبال، وكم فيها من تلالٍ
وصحارى رمليّة.
والقرّاء لا يخطر ببالهم قطّ أنّ الكلام قيل على هذا القدر من التفكّك
والخواء، مع أنّهم بعد قراءة العبارة لا يفهمون شيئًا سوى أنّ صورةً متخيَّلةً
للغابة قد تكوّنت في الذهن، ثمّ تعلّق بها الذهن واستغرق فيها، ليصحو بعد ثانيةٍ
واحدة، أو بعد جزءٍ من ألف جزءٍ من الثانية، مترقّبًا: ماذا جرى بعد ذلك؟ وماذا
سيقول القصّاص؟ وعندما يبلغ القرّاء هذه المرحلة يستغرقون في التلذّذ، ثمّ يبدؤون
بمدح الكاتب أو الخطيب. وهذه المتاهات شائعةٌ في جميع ميادين المعرفة في جميع
ميادين المعرفة. وعن هذه المتاهات نفسها ألّف الإنسان ملايين الكتب، وألقى بلايين
الخطب، وأقام أحاديثه اليوميّة التي لا تُحصى.
والآن اسمعوا قليلًا ماذا يقول تاريخ الإنسان. إنّه التاريخ الذي يدلّ على
جميع علوم النوع الإنسانيّ.
Tazkira Qalandr Baba Auliay Arabic
خواجۃ شمس الدين عظيمي
"أهدي
هذا الكتاب إلى الجيل الجديد الذي سوف يستخدم "نسبة الفيض" لحضرة السيد قلندر
بابا أولياء رحمه الله تعالى و يسعد بالعافية والطمأنينة ويقوم بإبادة ظلال الخوف و
الدهشة التي تتحلق عليه، ثم يدخل الجنة بعد أن يسعد بالحصول على شرفه الأزلي"