Topics

نفيُ الزمان والمكان

 

ومن قدرات النفس أو الأنا، التي تبقى متحرّكةً في حالتي اليقظة والرؤيا معًا، قوّةُ الذاكرة. فالإنسان يستخدم هذه القوّة في كلّ خطوةٍ من خطوات حياته، غير أنّه لا يتفكّر في حقيقتها؛ إذ عندما يتصوّر زمن الطفولة، فإنّ الذهن يُحيط في لحظةٍ واحدةٍ بوقائع الطفولة. ومع أنّنا قد قطعنا سنواتٍ طويلة، ومررنا بآلاف التغيّرات، فإنّ الذهن حين يسافر إلى الماضي يطوي مدّةً ممتدّةً على سنوات في جزءٍ من ألف جزءٍ من الثانية، فيصل إلى زمن الطفولة. ونحن لا نشعر بوقائع الماضي فحسب، بل تبدو هذه الوقائع كما لو أنّ الإنسان يشاهد فيلمًا متحرّكًا.

وأحيانًا تتعمّق الأحاسيس إلى درجةٍ يدركها فيها الشعور إدراكًا كاملًا، فإذا حصلت غايةُ التركيز في عملٍ ما، واستقرّت الواردات الشعوريّة على مركزٍ واحد، تحوّل الأمر إلى مشاهدةٍ تجريبيّة.
والإنسان ليس اسمًا لجسدٍ من لحمٍ ودمٍ فحسب، بل معه جسدٌ نورانيّ اسمه الروح، والروح هي أصلُ الجسد. وروح الإنسان تتحرّك من غير الجسد، أمّا الجسد المادّيّ فلا يتحرّك بغير الروح. وإذا تعرّف الإنسان إلى روحه أمكنه أن يسافر من غير الجسد.

فما إن يطرأ السكون على الحواسّ الشعوريّة حتّى تتغطّى حواسُّ اليقظة بحواسِّ الرؤيا، وفي هذه الحالة يستطيع الإنسان بإرادته أن يستخدم جميع القوى والقدرات التي تعمل في الرؤيا. وعندئذٍ يغدو الماضي والمستقبل، والبعد والقرب، أمورًا لا معنى لها، ويسافر الإنسان متحرّرًا من جميع قيود الجسد الترابيّ.
وتترقّى القدرة الروحيّة حتّى تبلغ مقامًا تصبح فيه حواسُّ الرؤيا وحواسُّ اليقظة متوازيةً، ويغدو الشعور الإنسانيّ مطّلعًا على كيفيّات الرؤيا وحركاتها كما هو مطّلعٌ على شؤون اليقظة.

علمُ تأويلِ الرؤيا

لقد آتى اللهُ تعالى يوسفَ عليه السلام علمَ تأويلِ الرؤيا، أي إنّه أُعطي علمَ الحواسّ اللاشعوريّة إعطاءً كاملًا، وهذه العلومُ تُحرّر الإنسان من حدود الزمان والمكان، وتكشف لعالمِ الغيب لمن يحيط بعلم الرؤيا. وقد عرض القرآنُ الحكيم قصّةَ يوسف عليه السلام ليلفت أنظارنا إلى أنّ الرؤيا ليست مجرّد خيالات. فالإنسان نصفُ حياته رؤيا، ونصفُها يقظة.

والقانونُ أنّ الإنسان في حال اليقظة يفهم الأمورَ والأفكارَ التي تتوجّه إليها عنايتُه وتبقى محفوظةً في ذاكرته، وكذلك إذا حافظ على انتباهه تجاه الوقائع التي يراها في المنام بقيت الرؤيا حاضرةً في ذاكرته، واستطاع أن يكسوها المعاني. فاليقظة هي حياتُنا الشعوريّة، والرؤيا حياتُنا اللاشعوريّة.
وقال الملك يومًا: إنّي رأيتُ في المنام سبعَ بقراتٍ سمانٍ تأكلهنّ سبعٌ عجاف، وسبعَ سنبلاتٍ خضرٍ وأُخر يابسات، وقال لأهل مجلسه: أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون. فقالوا: هذه أضغاثُ أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.

وقال الذي نجا من السجن من الرجلين، وقد تذكّر يوسف عليه السلام بعد مدّةٍ طويلة: أنا أُنبّئكم بتأويله، فأرسلوني. فلمّا دخل على يوسف عليه السلام قال:

﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾

[يوسف: ٤٦]

فقال يوسف عليه السلام:

﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾

[يوسف: ٤٧-٤٩]

ووقع الأمر كما فُسّرت الرؤيا؛ إذ ازدهرت الزراعة سبع سنوات، ثمّ ابتُليت البلاد والعباد بسبع سنواتٍ من القحط والجفاف. وقد أمر يوسف عليه السلام ببناء مخازن لحفظ الغلّات طوال السنوات السبع. ويكشف التاريخ بشأن هذه المخازن ما يلي:

Topics


Mohammad Rasool Allah_3_Arabic

خواجۃ شمس الدين عظيمي

لقد صدق من قال من كبار الناس إن كل إنسان لابد أن يكون له هدف لحياته و إلا لايعد من الإنسان مع كونه من ذرية آدم. و مما يجدر بالذكر أن الله عرف آدم بآدم نفسه و  دعاه بكلمة آدم إلى أن شرفه بعلوم صفاته و أسرار الكون فقال للملائكة بأن يخضعوا لحكمه. وإذا يذكر الله تعالى التخليق في القراآن يأتي بأنواع من الأمثلة لتوضيح نظام التخليق كما أنه يقول عن خلق الإنسان:

"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم" (سورة التين )